عاد الهدوء إلى كازاخستان فأين الإرهابيون الأجانب؟

محللون يعتقدون أن حديث سلطات كازاخستان ورئيسها عن دور إرهابيين أجانب تدربوا في الخارج لنشر في الاضطرابات الأخيرة، ليس إلا محاولة لتبرير تدخل روسيا.
توكاييف يتهم نزارباييف بالتسبب في ظهور 'طبقة أثريا' ويقيل اثنين من أقاربه
مصر مجهول لآلاف اعتقلوا خلال الاضطرابات الأخيرة بكازاخستان
مخاوف من موجة قمع وانتقام تلجم الألسنة في كازاخستان

الماتي (كازاخستان) - عاد الهدوء إلى كازاخستان أخيرا بعد تدخل روسيا على رأس تحالف عسكري أمكن له كبح الاضطرابات وإعادة الاستقرار لبلد وقف على حافة أسوأ انفجار اجتماعي قال الرئيس الكازاخي إن من يقف خلفه "إرهابيون تلقوا تدريبات في الخارج".

لكن بعد عودة الهدوء تجد الحكومة نفسها في حرج فلا اثر لـ"الإرهابيين الأجانب" كما أن من ظهروا على التفزيون الرسمي يعترفزون بارتكاب جرائم العنف وأنهم جنّدوا لإثارة الفوضى، بدا عليهم أثار التعذيب ما يشير إلى أنه جرى انتزاع اعترافاتهم قسرا.

واتّهمت حكومة كازاخستان من وصفتهم بـ"إرهابيين" أجانب بالوقوف وراء أعمال الشغب الأخيرة التي شهدتها البلاد، في رواية رسمية تنطوي على تستر على افتقار الشعب والصراعات المتأججة داخل السلطة.

وقُتل خلال أعمال العنف والدا دورن بيتكمابييف وهو ثلاثيني يعمل في محل لرهن المقتنيات الشخصية.

وفي فيديو نشر على وسائل التواصل الاجتماعي تبدو سيارة المتقاعدَين وهي تحترق على مقربة من حاجز للجيش وهما بداخلها. ويقول الشاهد الذي وثّق الواقعة "على ما يبدو، أطلق الجيش النار على السيارة".

وقال بيتكمباييف "الكل يقول إن الجيش هو من أطلق النار"، متسائلا "هل أصيبوا بالعمى أم ماذا؟"، مضيفا "كان بإمكانهم أن يروا أنهما جد وجدة. أي نوع من اللصوص أو الإرهابيين يمكن أن يكونوا؟".

وكازاخستان هي أكبر بلدان آسيا الوسطى ويبلغ عدد سكانها 19 مليون نسمة وهي غنية بالموارد النفطية. وشهدت البلاد في مطلع يناير/كانون الثاني أعمال شغب غير مسبوقة منذ الاستقلال في العام 1991 إثر انهيار الاتحاد السوفييتي.

وأعمال العنف التي بلغت ذروتها في الخامس من يناير/كانون الثاني والسادس منه حوّلت ألماتي، العاصمة الاقتصادية للبلاد إلى ساحة معركة أحرقت فيها مبان حكومية ونهبت محالها التجارية.

كثير من المدنيين قتلوا في اطلاق نار عشوائي
كثير من المدنيين قتلوا في اطلاق نار عشوائي

وبعدما آثر عدم إعلان حصيلة محدّدة لأعمال العنف، أكدت السلطات السبت بشكل مفاجئ مقتل 225 شخصا بينهم 19 شرطيا وعدد غير محدد من "اللصوص" و"المدنيين".

وعلى الرغم من عودة الهدوء، لا تزال نقاط عدة من دون أجوبة خصوصا تفاصيل المواجهات وحصيلة القتلى في صفوف المدنيين.

وما يعقّد عملية جمع المعلومات من مصادر مستقلة، انقطاع شبكات الإنترنت والاتصالات خلال الاحتجاجات وخوف السكان الذين يخشون التعرّض للانتقام في حال أدلوا بتصريحات إلى وسائل الإعلام.

وسارع الرئيس قاسم جومرت توكاييف إلى اتّهام "إرهابيين" تدرّبوا في الخارج بالضلوع في أعمال العنف من دون إعطاء أي دليل على ذلك.

ويقول غليم أغيليوف الناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان إن هذه "التصريحات المدوية" بشأن الوجود المفترض لمقاتلين أجانب ترمي إلى تبرير تدخل التحالف العسكري بقيادة موسكو. ونشرت "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" قوات في كازاخستان لمساندة الحكومة.

واعتبر المحلل السياسي الكازاخي دانيار مولدابيكوف أن قسما من الشعب "مقتنع بدعاية" الحكومة ويعتقد أن "كل الذين كانوا في الشارع هم إرهابيون وبلطجيون"، إلا أنه أشار إلى أن آخرين "يدركون أن مدنيين كثرا قضوا وأن أبرياء كثرا يقبعون في السجون".

وكانت الحركة الاحتجاجية قد بدأت في الثاني من يناير/كانون الثاني في غرب البلاد اعتراضا على رفع أسعار الغاز المسال الشائع استخدامه، ومن ثم توسّع نطاقها إلى مدن كبرى على غرار ألماتي.

وأعرب متظاهرون كثر عن غضبهم إزاء الفساد والصعوبات المعيشية التي تواجههم في ظل تفاقم الوضع الاقتصادي.

ويبدو أن من بين الأمور التي ساهمت في تأجيج أعمال العنف الصراع القائم على السلطة بين توكاييف وسلفه نورسلطان نزارباييف الذي حكم البلاد من العام 1989 وحتى العام 2019.

والثلاثاء اتهم توكاييف سلفه نزارباييف بالمساهمة في ظهور "طبقة أثرياء" تهيمن على هذه الدولة الغنية بالمحروقات في انتقاد غير مسبوق لمن يحمل لقب "قائد الأمة" الفخري وكان لا يزال يتمتع حتى الآن بشعبية كبيرة.

وفي مؤشر يدل على وجود صراعات داخلية قائمة في البلاد، أقيل اثنان من أقارب رئيس كازاخستان السابق من وظيفتيهما على رأس شركتي طاقة، وفق ما أعلن صندوق الثروة السيادية السبت.

إلا أن مسارعة السلطات إلى وصف المتظاهرين بأنهم "إرهابيون" أجانب شكّلت إحراجا لها، إذ بثت قنوات تلفزيونية رسمية "اعترافات" أحد رعايا قرغيزستان بدا فيها متورّم الوجه لدى إقراره بأنه تلقى أموالا مقابل التظاهر.

والشخص هو فكيرام روزاخونوف وهو عازف بيانو شهير سمح له مؤخرا بالعودة إلى بلاده. ويقول مراقبون إن الاعترافات القسرية تجسّد تجاوزات الأجهزة الأمنية التي قد تتضاعف وتيرتها.

وقال رجل الأعمال والمدوّن الذي يحظى بتأييد واسع النطاق أليشر يليكباييف "نحن بصدد العودة إلى ماض نسعى للهروب منه".