'عايشة' تجربة سينمائية جريئة تتناول قضايا العدالة في تونس
تونس - يقدم المخرج التونسي مهدي برصاوي في فيلمه الروائي الطويل الجديد "عايشة" تجربة سينمائية جريئة تتناول قضايا العدالة والهوية في مجتمع يعيش تحولات اقتصادية واجتماعية بعد الثورة.
وعلى امتداد 123 دقيقة تدور أحداث الفيلم حول "آية" شابة تونسية تشتغل عاملة تنظيف في نزل في جهة توزر بالجنوب التونسي التي تجد نفسها محاصرة في حياة مملة، فتحلم بحياة أفضل في تونس العاصمة بعد أن وعدها مديرها في النزل بمستقبل مشرق، لكن سرعان ما تتحول هذه الوعود الزائفة إلى محاولات لاستغلالها جنسيا، مما يجعلها تشعر بالخيانة وتزيد من عزيمتها للهروب من هذا الواقع.
تتصاعد الأحداث عندما تتعرض آية لحادث مروري مميت يُعلن فيه وفاتها بشكل خاطئ، مما يتيح لها فرصة الاختفاء وبدء حياة جديدة في العاصمة تحت هوية جديدة. وتتشابك أحداث الفيلم مع تأملات في واقع صعب، حيث تنتقل البطلة بين عزلة الجنوب التونسي وصخب العاصمة، محاولة الهروب من الماضي المظلم صوب حياة جديدة لكنها مليئة بالتحديات، حيث تتعرض هويتها الجديدة للخطر عندما تصبح الشاهد الرئيسي على خطأ في عمل أمني.
ونجح مخرج الفيلم مهدي برصاوي في خلق عالمين متناقضين بفضل الصورة السينمائية التي استثمرت الطبيعة الصحراوية في توزر كرمز للجمال لكنه يخفي عزلة وقيود اجتماعية على الشخصية، مقابل تونس العاصمة التي تمثل الفوضى والاختناق حيث تلعب دورا حاسما في التعبير عن الحالة النفسية للشخصية، حيث تسيطر الألوان الباهتة والمظلمة في الجنوب.
ينطلق الفيلم من الجنوب التونسي، حيث تعيش "آية" في بيئة قاسية تعكسها تضاريس صحراوية ومجتمع محافظ. المنطقة محاصرة بالفقر والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، مما يجعل الحلم بحياة أفضل في العاصمة خيارا شبه محتوم بالنسبة إلى البطلة. وفي الجنوب التونسي تواجه هذه الشابة قيودا اجتماعية تجسدها العلاقة المتوترة مع والديها ومديرها الذي يحاول استغلالها جنسيا مستغلا عامل حاجتها للعمل. وهنا يظهر هذا الفضاء المكاني الأول من الفيلم كموقع جغرافي ورمزا للعزلة الاجتماعية والعجز عن تحقيق الذات.
وحين تنتقل آية إلى العاصمة بهوية جديدة باسم "أميرة"، يُظهر هذا المكان الجديد حركية الحياة وازدحامها حيث سرعان ما تكتشف "آية" أن المدينة، رغم ما توفره من فرص فإنها ليست سوى امتدادا للأزمات التي كانت تحاول الهروب منها وأن هذا المكان ليس الفرصة التي تخيلتها وحلمت بها، إذ أنها تعكس صورة أبشع من مسقط رأسها من عنف وفق واستغلال جنسي. وهو ما يجعلها تواجه مظاهر انغلاق جديدة، حيث تتحول علاقتها مع صديقتها وصديقها الأمني إلى مصدر توتر وألم حيث تصبح هذه الشابة شاهدا على جريمة قتل وتُجبر على مواجهة فساد الشرطة واستغلال السلطة.
ورغم التباين الجغرافي والثقافي بين الجنوب والعاصمة، يتشارك المكانان نفس التحديات القائمة، إذ أن كلا المكانين يعانيان من غياب الفرص الاقتصادية والتشغيلية مما يدفع الشخصية الرئيسية إلى خيارات قسرية محفوفة بالمخاطر.
وسواء في البيئة المحافظة للجنوب أو في الحياة الحضرية بالعاصمة، تواجه "آية" استغلالا ممنهجا من قبل الرجال في حياتها بدءا من مديرها في العمل إلى صديقها الأمني. ويتّسم كلا المكانين بانعدام الراحة النفسية، إذ تعيش آية حالة من الخوف المستمر والضياع وهو ما يُعمق إحساسها بالتيه والعزلة.
يقدم فيلم "عايشة" شبكة علاقات معقدة تمثل العمود الفقري للأحداث الدرامية وتكشف عمق الصراعات النفسية والاجتماعية التي تواجهها البطلة. وتعكس هذه العلاقات مزيجا من التواصل والانفصال بدءا بعلاقة "آية" بوالديها التي تقتصر على الحضور الجسدي والغياب العاطفي، إذ رغم كونهما جزءا محوريا من حياتها، إلا أن التواصل بينهما يتسم بالبرود والصمت، ما يعكس افتقارا للتفاهم والدعم ويتحول هذا البرود إلى انفصال كامل بعد إعلان وفاة آية في حادث مروري. ورغم عودتها لاحقا بهوية جديدة تعيد بعض التواصل مع والدها في نهاية الفيلم، فإن هذه المصالحة الجزئية بينهما لا تصمد أمام الواقع، لتنتهي العلاقة بقطيعة دائمة. ويترجم هذا المسار الصعوبة التي تواجهها البطلة في استعادة جذورها أو بناء هوية جديدة دون آثار الماضي.
أما العلاقة الثانية بين آية والشخصيات الأخرى، فإنها تنطلق بمديرها في العمل على أساس وعود بمستقبل أفضل في العاصمة، لكنها تتحول إلى علاقة استغلال واعتداء. ويمثل هذا المدير صورة للسلطة الذكورية التي تستغل ضعف المرأة لتحقيق رغباتها. وقد كان اكتشاف آية لحقيقته قد وضعها في مواجهة مباشرة مع الاستغلال الجنسي ما أدى إلى انفصالها عنه وزاد من تعميق جراحها النفسية. وفي العاصمة، تتفاقم العلاقات الهشة مع صديقتها وصديقها الأمني، حيث تصبح آية في صراع مستمر مع قسوة الحياة في العاصمة.
وبرزت العلاقات بين الشخصيات في هذا الفيلم كعنصر محوري ساهم في بناء الحبكة الدرامية وأضفى مزيدا من التشويق والمفاجآت وتعقيد الأحداث من الناحية الفنية والجمالية. أما من ناحية المضمون، فقد كشفت هذه العلاقات بين الشخصيات عن هشاشة الروابط الإنسانية في مواجهة الصراعات الفردية والمجتمعية. وقد مثلت انعكاسا لحالة آية النفسية المتردية وسلطت الضوء على القضايا الأعمق التي يعالجها الفيلم مثل القهر الاجتماعي وغياب العدالة وسعي الفرد لتحقيق هويته وسط واقع قاسٍ ومعقد.
لم تقتصر قصة "آية" على الصراع الخارجي بينها وواقعها الاجتماعي، بل سلط مهدي برصاوي الضوء أيضا على صراعاتها الداخلية، لتندمج في أحداث الفيلم قضايا العدالة، حيث تصبح آية شاهدا على جريمة قتل في ملهى ليلي ويضعها في مواجهة مع الشرطة والمجتمع. كما يبين الفيلم تشوهات نظام العدالة وإنفاذ القانون في تونس، حيث ينتقد فساد بعض الأمنيين، لكن في الوقت نفسه، يُبرز دور شخصيات أخرى تسعى لتحقيق العدالة من خلال شخصية محقق أمني جعله المخرج نموذجا للأمل في تحقيق العدالة رغم التلاعب داخل النظام الأمني.
ويُعمّق الفيلم النقاش حول مسألة العدالة في المجتمع التونسي، فشخصية آية الشاهد الوحيد على جريمة القتل، تواجه معضلة أخلاقية تتمثل في التعاون مع الشرطة التي يفترض أنها تمثل العدالة، لكنها تتورط في ممارسات تنتهك مبادئ القانون. وفي هذا السياق، ينتقد الفيلم تضليل العدالة ويكشف استغلال الأنظمة القانونية لوظيفتها في استخدام سلطتها لحجب الحقيقة.
ووسط التلاعب والتستر على الجريمة التي تورط فيها عنصر أمني في قتل أحد مرتادي الملهى الليلي، تبرز شخصية المحقق الأمني كنقطة مضيئة في الفيلم، فهذا الأمني لم يستسلم لضغوط زملائه في طمس معالم الجريمة بل أصر على السير في طريق الحق ونجح في كسب ثقة آية ودفعها للإدلاء بإفادتها ليكون ذلك مفتاحا لكشف الحقيقة وإدانة القتلة.
على الرغم من الممارسات الفاسدة التي طالت بعض أفراد الأمن، يُنهي الفيلم أحداثه بانتصار العدالة وإدانة القتلة من الأمنيين مما أعاد شيئا من الثقة المفقودة في قدرة النظام على محاسبة المنحرفين داخله، كما ترجمت النهاية في الفيلم قوة إرادة الأفراد الذين يرفضون الاستسلام للظلم سواء كان ذلك في شخصية آية أو المحقق الأمني.
كما أظهر الفيلم أهمية العدالة في أن تكون عنصرا أساسيا في تغيير مسار الشخصيات لا من ناحية إنفاذ القانون فحسب وإنما أيضا الأهمية الأخلاقية للعدالة في إعادة التوازن للحياة، فآية التي بدأت رحلتها هاربة من ماضيها، تجد في انتصار العدالة نقطة انطلاق جديدة تمكنها من التصالح مع نفسها واستعادة شيء من الأمان المفقود. وبهذه النهاية يقدم الفيلم رسالة إنسانية عميقة مفادها أن العدالة تنتصر وأن الأمل يمكن أن يولد حتى في أكثر اللحظات ظلمة، وفق ما نشرته وكالة تونس أفريقيا للأنباء.
ويؤدي دور البطولة في الفيلم الممثلون فاطمة صفر، نضال السعدي، ياسمين الديماسي، هالة عياد، محمد علي بن جمعة، سوسن معالج، محمود السعيدي، علاء بن حماة، يونس نوار، بحري رحالي، ورياض بحري.
وعرض فيلم "عايشة" لأول مرة عالميا خلال الدورة 81 لمهرجان البندقية السينمائي الدولي ضمن قسم "أوريزنتي" (آفاق)، الذي يعنى بالأفلام التي تمثل أحدث الاتجاهات الجمالية والتعبيرية، مع اهتمام خاص بالأفلام الأولى والمواهب الشابة والأفلام المستقلة والسينما الأقل شهرة.
ويعتبر "عايشة" الروائي الطويل الثاني في رصيد مهدي برصاوي الذي يتم اختياره في المسابقة الرسمية في مهرجان البندقية السينمائي الدولي بعد فيلمه "بيك نعيش" الذي نال جائزتين في 2019 خلال الدورة الـ76 من هذا المهرجان.
وتمّ عرض الفيلم، الأحد، حصريا للصحفيين على أن يُعرض للجمهور العريض ضمن المسابقة الرسمية للدورة 35 لأيام قرطاج السينمائية في الرابع عشر والخامس عشر من ديسمبر/كانون الأول الجاري، ثم ستستقبله قاعات السينما رسميا بداية من يوم 22 ديسمبر/كانون الأول الحالي.
ومهدي برصاوي من مواليد مايو/أيار 1984 بتونس، وهو مخرج وكاتب سيناريو، أخرج ثلاثة أفلام قصيرة تمّ اختيارها في عدة مهرجانات دولية، وحازت على عدة جوائز. وفي عام 2019، ظهر لأول مرة في الإخراج من خلال فيلمه الطويل "بيك نعيش" الذي تم إنتاجه كعمل تعاوني بين تونس وفرنسا ولبنان وقطر.