عجز غير مسبوق ينتظر موازنة العراق بديون تجاوزت 125 مليار دولار

اللجنة المالية النيابية تهدد بعدم تسلم موازنة 2020 من حكومة عادل عبدالمهدي في حال احتوائها على عجز مالي كبير.


حكومة عبدالمهدي أمام تحديات الفساد والتوتر بين طهران وواشنطن ونفط إقليم كردستان


العجز المتوقع بموازنة 2020 يقدر بـ72 ترليون دينار


مخاوف من سيناريو انخفاض أسعار النفط بسبب التهديدات الإيرانية


إيرادات النفط الخام تشكل 95 بالمئة من الموازنة

بغداد - كشفت اللجنة المالية بالبرلمان العراقي عن تجاوز الديون الخارجية المترتبة على العراق 125 مليار دولار، وسط تحذيرات من أثر ذلك على مستقبل اقتصاد البلاد في ظل التوترات التي تعيشها المنطقة وتأثيراتها على انتاج النفط الذي تمثل إيراداته حوالى 95 بالمئة من الموازنة.

ونقلت صحيفة "الصباح" العراقية اليوم الاثنين عن النائب أحمد مظهر القول إن "الديون، وخصوصا الخارجية، بلغت 125 مليار دولار وبقاؤها ينذر بوجود خطر على المستقبل الاقتصادي للعراق".

وأوضح مظهر أن قرابة "20 فقرة من هذه الديون ستكون في موازنة 2020، بعد أن عقدت اللجنة مع وزارة المالية خمسة اجتماعات خلال الشهر الماضي"، مشيرا إلى أن "البحث لا يزال مستمرا عن الحلول لسد العجز في موازنة العام المقبل".

وهددت اللجنة المالية النيابية بعدم تسلم موازنة 2020 من الحكومة في حال احتوائها على عجز مالي كبير، بينما تستمر بعقد اجتماعات مع وزارة المالية للتباحث بشأن تقليل العجز والاعتماد على الإيرادات غير النفطية.

وكانت اللجنة قد كشفت في وقت سابق هذا الشهر أن العجز المتوقع بموازنة 2020 يقدر بـ72 ترليون دينار، مبينةً أنه "رقم مخيف جداً وغير مسبوق". 

وفي تصريح سابق قال عضو اللجنة جمال كوجر إن "الموازنة القادمة تختلف عن الموازنات السابقة في أمرين، حيث سيتم تغيير  تطبيق أسلوب 'موازنة البنود' إلى اعتماد 'موازنة البرامج والأداء' وسوف يطبق هذا الأسلوب على وزارتين فقط خلال العام المقبل وهما وزارتا الصحة والتربية.

ومن المنتظر أن تبدأ الحكومة العراقية المهددة بالتفكك بسبب التحديات الأمنية التي تمر بها المنطقة، الشهر المقبل دراسة مشروع الموازنة العامة الاتحادية للعام المقبل، ومن ثم عرضها على البرلمان لمناقشتها والمصادقة عليها.

يأتي ذلك تزامنا مع زيارة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، إلى الصين والتي وصفها مراقبون إنها يمكن أن تمثل طوق النجاة لحكومته وسط تهديد بعض الأحزاب بالنزول إلى الشارع بسبب تردي الأوضاع الاجتماعية وزيادة البطالة.

وقال عبد المهدي اليوم الاثنين على هامش مشاركته في أعمال منتدى التعاون الاقتصادي العراقي - الصيني الثالث في بكين، إن بلاده مهيأة للاستثمارات وفرص العمل في جميع القطاعات، مشيرا أن بغداد تشهد تزايدا في أعداد الشركات والمستثمرين.

عبد المهدي يتجه إلى الاستثمارات الصينية
انظار عبدالمهدي تتجه نحو الاستثمارات الصينية

ويتميز الاقتصاد العراقي بأحادية الانتاج، حيث يعتمد على واردات النفط الخام بنسبة حولى 95 بالمئة فيما تتعدد استهلاكاته.

ويضخ العراق وهو ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك بعد السعودية، نحو 4.6 مليون برميل يوميا، وتتجه معظم صادراته من الخام إلى آسيا.

وتهدد التحديات الكبيرة التي يواجهها العراق بسبب التوترات في المنطقة والتصعيد المتزايد بين الولايات المتحدة وإيران، حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، حيث أصبح النفوذ الإيراني عبر الميليشيات والأحزاب الدينية الموالية لها في العراق يمثل تهديدا على أمن واستقرار البلاد.

وأثار استهداف وكلاء إيران للسفن التجارية في مضيق هرمز وللمنشآت النفطية السعودية كان آخرها حادثة شركة أرامكو الأسبوع الماضي، مخاوف وقلق الحكومة العراقية التي تخشى أن تؤثر هذه التوترات على عمليات تصدير النفط الذي يعد عصب الاقتصاد العراقي خصوصا أن البلاد لا تملك سوى منافذ قليلة للغاية لتصدير الخام.

ويمثل مضيق هرمز الاستراتيجي مركز التوترات الإقليمية حاليا وهو ممر ملاحي حيوي يربط بين منتجي النفط في الشرق الأوسط والأسواق في آسيا وأوروبا وأميركا الشمالية.

ومنذ مايو أيار تعرضت عدة ناقلات نفط إلى هجومات كشفت التحقيقات وقوف إيران ورائها، في سعي منها إلى انقاذ اقتصادها من الانهيار بسبب سعي الولايات المتحدة إلى تصفير نفطها وتشديد العقوبات عليها.

وبحسب صندوق النقد الدولي فإن ديون العراق تفاقمت خلال السنوات الماضية حيث كانت قبل 6 سنوات 73.1 مليار دولار، وارتفعت في العام 2014 إلى 75.2 مليار دولار، وفي العام 2015 أصبحت 98 مليار دولار، فيما كانت قبل عامين 114.6 مليار دولار، لترتفع في العام 2017 إلى 122.9 مليار دولار.

ويرجع أغلب خبراء الاقتصاد تزايد ديون العراق في السنوات الأخيرة إلى زيادة الإنفاق العسكري لاسترجاع الأراضي من تنظيم الدولة الإسلامية، والذي رافقته أزمة مالية نتيجة انخفاض أسعار النفط بسبب التوترات في المنطقة، مما جعل الدولة تذهب إلى الاقتراض لسد العجز في الموازنة التشغيلية لتأمين معاشات الموظفين وتكاليف الحرب وغيرها.

لكن أغلب العراقيين يرون أن السبب الأساسي لتفاقم الديون الخارجية يعود إلى فساد بعض المسؤولين المالي والإداري في البلاد، حيث أصبح تخصيص أموال الشعب لتمويل أنشطة الأحزاب بديلا للتنمية المستدامة عبر مشاريع وهمية في ظل غياب الشفافية منذ عام 2003 وحتى نهاية عام 2014.

إربيل لاتزال تمتنع عن تسليم بغداد أي برميل نفط من حصته المقررة في الموازنة
إربيل لاتزال تمتنع عن تسليم بغداد أي برميل نفط من حصته المقررة في الموازنة

يذكر أن العراق يحتل المراكز الأخيرة في مؤشر مدركات الفساد التابع لمنظمة الشفافية الدولية.

وفي 2018، كشفت هيئة النزاهة العامة، عن إصدار أكثر من 2000 أمر قبض بتهم تتعلق بالفساد في البلاد خلال 2017، مبينة أن من بين الصادرة بحقهم أوامر قبض 290 مسؤولا حكوميا، بينهم وزراء.

ويحمل العراقيون السياسات الاقتصادية الفاشلة للحكومات السابقة التي كانت خططها الاقتصادية العشوائية لا تعتمد على خبراء الاقتصاد، بل على الأحزاب ورجال الأعمال الموالين لها.

ويعتبر مراقبون أن ملف النفط من أكثر الملفات الشائكة في العراق والأكثر غموضًا في اقتصاد البلاد، حيث لم يتم إطّلاع الرأي العام على أغلب العقود التي تبرمها الوزارات التي تشكّلت في حكومات ما بعد الاحتلال الأميركي، في ظل هيمنة الأحزاب الموالية لإيران وتفشي قضايا الفساد الإداري والمالي.

وكشف وزارة النفط العراقية في وقت سابق أنها تدرس بدائل في حال أدى تصاعد التوتر الأميركي الإيراني إلى قطع طرق التصدير عبر الخليج مثل بناء خط أنابيب رئيسي لتصدير النفط من جنوب العراق إلى ميناء العقبة الأردني، لكن مثل هذه الحلول تبقى مكلفة وتستغرق وقتا لتنفيذها.

كما يتخوف خبراء اقتصاديون من سيناريو انخفاض أسعار النفط وبالتالي انخفاض الصادرات بسبب تراجع الطلب العالمي بحلول 2020 إذا ما استمرت التوترات في المنطقة خصوصا إن برنامج الحكومة العراقية لمواجهة ذلك يتسم بالضبابية وغير واضح.

لكن وزير النفط العراقي ثامر الغضبان توقع في وقت سابق أن يكون سعر برميل النفط في مشروع الموازنة المقبلة 50 دولارا للبرميل الواحد.

ولا يمثل التوتر بين طهران وواشنطن في الشرق الأوسط والفساد الإداري التحدي الوحيد أمام الحكومة العراقية فبالإضافة إلى ضبابية برنامجها الاقتصادي، يمثل امتناع إقليم كردستان تسليم حصته من النفط إلى الحكومة الاتحادية تهديدا خطيرا يزيد الوضع تأزما في البلاد.

والسبت، قررت لجنة النفط والطاقة في البرلمان العراقي تشكيل لجنة لتقصي الحقائق بشأن صادرات النفط في أربيل، التي تقدر بحوالي 250 ألف برميل يومياً.