عداوة خادعة بين المداخلة والاخوان والهدف واحد

التياران يشتركان في لعبة تسييس الدين وكلاهما يسعى الى بناء مجتمع إسلامي يهيمن عليه الفكر المتشدد.


الاختلاف يكمن في الوسيلة سواء موالاة الحاكم او الخروج عليه


حسابات سياسية ظرفية استوجبت السكوت عن مخاطر التيار المدخلي


المداخلة نموذج هجين وانتهازي يجمع بين الدعوة الوهابية والفكر الإخواني الوافد

تونس – من مختار الدبابي
يستفيد التيار المدخلي من صراع الدول العربية مع جماعة الإخوان المسلمين، وسعيها للركوب على الدين وتطويع نصوصه للوصول إلى السلطة، ويستغل هذا المناخ من أجل فرض حضوره كأمر واقع والتحرك بحرية للترويج لأفكاره المتشددة، ما يؤكد أن التيار الذي يحاول أن يلتصق بالسلطة للتمويه عن هويته هو والإخوان وجه وقفا لحقيقة واحدة، وهي تسييس الدين، وهو الميدان الذي ترفض الدول العربية أن تتركه لغيرها كونها المؤتمن كسلطة عليه.
ويتم السكوت عن مخاطر التيار المدخلي لحسابات سياسية ظرفية، مثلما جرى في مصر، حيث استفادت السلطات من الخطاب الديني الحاد للتيار السلفي بمختلف تلويناته (وأولها المدخلي المهادن) في معركتها مع الإخوان، لكن بعد أن هدأت عاصفة الجماعة بدأ المصريون يقفون على مخاطر تسلل السلفيين إلى المجتمع ومحاولة الاستقواء بالعلاقة مع الحكومة لفرض تأويل ديني متشدد في مدونة الأسرة.
والأمر نفسه في ليبيا، حيث استفاد المداخلة سواء في طرابلس من التحالف مع حكومة الوفاق أو في الشرق عبر تحالف ظرفي مع الجيش في الصراع مع الجماعات المتشددة لفرض نمط اجتماعي متشدد على الليبيين في أكثر المدن انفتاحا مثل بنغازي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه ما الذي يفرق بين الإخوان والمداخلة في مسألة توظيف الدين لأجندة سياسية، والمخاوف من تغيير طبيعة المجتمع لخلق مناخ من التشدد يفرض على الناس نمطا وافدا من السلوك ورأيا فقهيا يقوم على نفي التأويلات المغايرة للنص.
من البداية، كان ظهور التيار المدخلي مرتبطا بالخلاف مع تيار الصحوة، الذي يسيطر عليه الإخوان والسرورية كنموذج هجين وانتهازي يجمع بين الجانب الدعوي السعودي المستمد من أفكار محمد بن عبدالوهاب، وبين الفكر الإخواني الوافد الذي كان يتحكم في التعليم السعودي بفعل "غزو" ناعم تسلل من بوابة تعاطف المملكة مع محنة الإخوان بعد صراع دام مع الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر، وهذا التعاطف لم يكن واعيا بحجم "خطر" التأويل الديني للإخوان على الهوية الدينية المتحفزة في المملكة بقدر استجابته للمناكفة بين مصر والسعودية خلال الحرب الباردة.

قاسم مشترك فكري حول الرؤية المتشددة تجاه المجتمع وتحريم الثقافة والفنون ودور المرأة

كان ظهور تيار المداخلة ردة فعل سياسية على الحظوة التي كان يتمتع بها الإخوان، والذين شقوا عصا الطاعة بسرعة بمعارضتهم لوجود قوات أجنبية في السعودية خلال الفترة المرتبطة بغزو الكويت والتدخل الدولي ضد صدام حسين وما تبعه لاحقا من عمليات تفجيرية ضد القوات الأميركية في السعودية.
وفيما اختار الإخوان صف صدام في معارضة وجود قوات أجنبية بالمنطقة في تحدّ للموقف الرسمي، عمل المداخلة على كسب ود السلطات من خلال رؤية تقوم على تنزيه الأمير ومواقفه وأفعاله بقطع النظر عن ماهيتها وأهدافها بغاية ملء المكان الذي كان يشغله خصومه سياسيا وفقهيا.
وأكسبت مواقف التيار المدخلي القوية ضد الإخوان ثقة السلطات الرسمية في السعودية ما فتح له باب التأسيس لنفوذه، ثم تحولت الحركة البراغماتية إلى استراتيجية سياسية ودينية تستخدم في كل الدول مستفيدة من أخطاء جماعة الإخوان ورغبتها الجامحة في الوصول إلى السلطة وسياسة تغيير الحلفاء والرهان على العامل الخارجي، وخاصة الاستدارة ضد السعودية والهروب باتجاه إيران ثم صدام حسين ولاحقا قطر فتركيا.
ورغم أن الملعب خلا للتيار المدخلي في دول كثيرة، لكنه لم ينجح في تثبيت نفسه كرؤية دينية معبرة عن السلطات القائمة، لسبب رئيسي، وهو أن العلاقة مبنية على تبادل الخدمات والمصالح بشكل ظرفي، وحين تستقر الأوضاع تعود الدولة لبسط سلطتها على مختلف المجالات الحيوية (الدين والإعلام والثقافة والترفيه والرياضة) ولا تقبل مطلقا بأي لعب يهدد نفوذها، لكنها تسمح في بعض الوقت بكسر القاعدة في سياق سياسة التنفيس لمنع الانفجار.
ويقول خبراء في التيارات الإسلامية إن التيار المدخلي يحرص دائما على إظهار أنه نقيض حقيقي للفكر الإخواني حتى لا يتّهم بأنه يلعب دور الواجهة لهم في حالة استهدافهم، أو أن يسمح لهم بالتسلل في مفاصله لإحياء نفوذهم في المؤسسات الدينية، وهو ما يحصل لاعتبار التقية لدى جماعة الإخوان، خاصة في منابر الشأن الديني.
يشير الخبراء إلى وجود مشترك فكري ، ويتضح هذا خاصة في كتابات سيد قطب في مرحلة معالم في الطريق، وفي أدبيات التيار المدخلي ومعارضة منتسبيه للانفتاح في السعودية.
لكن الفوارق تكمن في النظر إلى السياسة والحاكم، أي في الوسائل، وليس في الأهداف الكبرى، وعلى رأسها بناء مجتمع إسلامي يهيمن فيه الفكر المتشدد. ففيما يقول الإخوان بالثورة لأجل تحقيق أفكارهم، يعمل المداخلة على نصرة الحاكم وتكفير الخروج على ولي الأمر ما دام يوفر الاستقرار ويحفظ إقامة الشعائر الإسلامية. كما يعتبرون الثورة فتنة تعرض أرواح الناس للخطر، وهذا ما ظهر في مواقفهم من "ثورات الربيع العربي".
ولا يستبعد الخبراء أن يغير المداخلة موقفهم من الثورات لو كانوا مستفيدين منها بشكل مباشر، مشيرين إلى أن موقفهم في ليبيا، إذ كانوا مع الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، وبسقوطه انقسموا إلى فريقين، واحد مع المشير خليفة حفتر، والثاني مع ثوار طرابلس. والأخطر أنهم حملوا السلاح وصاروا طرفا محوريا خاصة في إسناد حفتر، ما يعني أن الخوف من الفتنة التي قد يقود إليها تقاتل المسلمين، وهي مسوغ التحالف مع الحاكم مطلقا، لم يعد شرطا.
ويقول ربيع المدخلي، الذي سمّي التيار باسمه، إن "الإخوان المسلمين لم يتركوا أصلا من أصول الإسلام إلا نقضوه"، وإنهم "أصحاب بدعة وضلال وإنهم أضل من مبتدعة العصور الماضية".

لم يترك الإخوان أصلا من أصول الإسلام إلا نقضوه. إنهم أصحاب بدعة وضلال وإنهم أضل من مبتدعة العصور الماضية

ويرى الأستاذ بمعهد العلوم السياسية في باريس ستيفان لاكروا في كتابه "زمن الصحوة" أن التيار المدخلي قام على أمرين: أولهما التأييد المطلق للسلطة انطلاقا من ظواهر النصوص التي تؤكد على طاعة الحاكم. دون منح أدنى فرصة لمخالفته لأن نقد السلطان قد يكون مدخلا للفتنة، أما الأمر الثاني الذي قام عليه التيار المدخلي فهو الطعن في المخالفين وتبديعهم ونقد تيار الصحوة بشكل حاد دون السماح بأي درجة من درجات الاختلاف.
ويشترك الإخوان والمداخلة في التقيّة والتمويه والتسلل إلى المؤسسات في غفلة من الحاكم ومحاولة تحويلها إلى ورقة ضغط ومساومة، ويمكن الإشارة إلى تصريحات رموز إخوانية كثيرة تمجّد هذا الرئيس أو ذاك الملك أو الأمير في مسعى لطمأنته وكسب وده إذا كان ذلك سيؤدي إلى إطلاق أيديهم للتحكم في الشأن العام، وخاصة الإمساك بالمنابر الدينية والتعليمية، مثلما جرى في دول الخليج منذ الستينات وإلى سنوات قليلة ماضية، أي إلى أنْ أفاق الخليجيون على حجم المارد الذي يتحكم بحياتهم ويعمل على ربطهم بأجندات خارجية.
اضطر الإخوان في صراعهم الطويل مع الأنظمة، وعزلتهم كمجموعات منغلقة عن الناس، إلى تقديم تنازلات تكتيكية تتعلق بإخفاء شعار "الإسلام هو الحل" والبحث عن أشكال من المشاركة والتمويه لتبديد مخاوف الناس، والطبقات المقربة من الحكم في المنطقة، وهي طبقات تمتلك خبرات في التعاطي مع الجماعة كتنظيم مزاحم استراتيجيا لطبيعة الدولة القُطْرية، فضلا عن طمأنة الدول الغربية عبر تنازلات كثيرة أحيانا تمس الجوهر، لكن دون تأصيل فكري أو فقهي لهذه التنازلات، المهم هو أنها تفتح أبواب الاعتراف بهم وتطفئ المخاوف تجاههم.
وفي المقابل، فإن المداخلة، الذين لم يتعرضوا بعد لمحن المواجهة مع الأنظمة، فإن هامش التقية لديهم لا يتجاوز طمأنة الحاكم إلى كونهم سيظلون مناصرين له في كل الحالات، لكنهم لا يخفون الوجه الصدامي تجاه المجتمع، وهو ما بدا بشكل واضح في ليبيا، حيث استفاد التيار المدخلي من تحالف هش مع حفتر للانطلاق في هدم الأضرحة بزعم أنها شرك بالله، ومنع خروج النساء كونه يؤدي إلى "الفتنة"، فضلا عن حملة شديدة على الحفلات العامة والخاصة بسبب مواقف متشددة من الموسيقى والمسرح والرقص والاختلاط.
كما تشن ميليشيا الردع في طرابلس بقيادة عبدالرؤوف كارة حملات للتصدي للاختلاط بين الجنسين داخل المقاهي وتضايق النساء غير المحجبات في الشوارع.
ويشير تقرير "معالجة صعود السلفية المدخلية في ليبيا" الصادر عن مجموعة الأزمات الدولية إلى أن "المداخلة متطرفون ينفذون أجندة لتغيير المجتمع. ويرون في الهجمات اللفظية، وأحيانا الجسدية، للمجموعة على جملة من الأهداف تتراوح بين العلمانيين، والإسلاميين الآخرين، وأفراد الطرق الدينية مثل الإباضيين، والصوفيين، والنشطاء من نساء وشباب، واستخدام المؤسسات الدينية للدولة لنشر عقيدتهم المحافظة المتشددة كاستراتيجية لفرض أعراف ثقافية ومجتمعية جديدة".
ويحذر متابعون من خطورة التغاضي عن تصاعد هيمنة التيار المدخلي على ليبيا على المدى البعيد نظرا لتأثيره على الاعتدال والوسطية اللذين يُعرف بهما المجتمع الليبي.