عراق الساسة وعراق الناس

المشروع "الوطني" العراقي صار ان تنتظر فوز ترامب أو بايدن.


العراق يعود مئة عام الى الوراء حين لم يكن يستطيع الوقوف على قدميه


ساسة العراق ارتضوا لأنفسهم ان يتوزعوا بين الاقوياء الدوليين والاقليميين

في مشهد من مسلسل "حكاية المدن الثلاث"،الذي يتناول المرحلة القلقة، بين نهايات القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين التي سبقت احتلال العراق من قبل بريطانيا، يلتقي احد الوطنيين العراقيين (سامي قفطان) واحدا من الذين توزعوا بين الدول المتصارعة في العراق وعلى العراق، وكان هذا الاخير يتحدث عن ان فلان بات مع الانكليز وذاك يعمل مع الاتراك وذاك مع الفرنسيين، أوهكذا أتذكر المشهد. ردّ عليه الوطني العراقي بنبرة معنّفة ومشحونة بالأسى؛ وانت مع من منهم؟! المشهد رسخ في ذاكرتي، على الرغم مما حفل به من رومانسية وطنية، فالواقع العراقي وقتذاك، غير مهيأ لمشروع وطني خالص ينهض به العراقيون وحدهم، بعيدا عن الإتكاء على احد الاقوياء المتدافعين عليه!

في عراق القرن الواحد والعشرين، حيث المشروع الوطني نضج الى حد كبير منذ اربعينيات القرن الماضي، وبلغ اشدّه في الخمسينيات، عاد به ساسته الجدد الى تلك المرحلة التي لم يكن فيها العراق قادرا على الوقوف على قدميه، كونه وقتذاك لم يتصيّر دولة بعد، عندما ارتضوا لأنفسهم، وبعد اكثر من قرن، ان يتوزعوا بين الاقوياء الدوليين والاقليميين المتصارعين على جسد العراق المثخن بالجراح ليزيدوها عمقا وألما، متجاهلين حقيقة كونه بات بلدا يشار له بالبنان، ومنذ عقود طويلة، بهمة ابنائه المكافحين، وباتت له مؤسسات دولة قادرة على انهاضه من جديد، لكنهم عملوا، وعن سبق اصرار، على تقويض مؤسساته وتقطيع اوصاله على مختلف المستويات، لاسيما ديموغرافيا، ليؤبدوا سلطاتهم الجهوية على شعبه.

ما يؤسف له، ان يبقى اغلب هؤلاء وبعد نحو ثمانية عشر عاما من حكمهم العقيم، ينتظرون ان يتغير الواقع السياسي في هذا البلد الاقليمي او الدولي، عسى ان يخدم واقعهم ومواقعهم، وكأن العراق بات من اعمال تلك الدول او من ملحقاتها الخلفية! فبعضهم ينتظر فوز ترامب وبعضهم الآخر ينتظر فوز بايدين، لما لكل منهما من رؤيا وعلاقات اقليمية مختلفة عن الآخر، لا لكي يوظفوا ذلك لخدمة العراق، بل لكي يحقق هذا الفريق تفوقا على ذلك! فهل من خيبة اقسى من هذه الخيبة؟!