عفاف البشيري في ثلاثية "أوسان وريدان" للأطفال

المجموعة القصصية للأطفال تصدر في ظروف صعبة للغاية تعيشها اليمن، وأطفالها تحديداً الأكثر تأثراً بهذه الحرب والأوضاع.


قلة من الأدباء والمبدعين من يتجهون بأقلامهم نحو الصغار، والكتابة لهم وعنهم.


الكتابة للأطفال يجب أن تنساب في ذهن الطفل بسلاسة ووضوح

يكاد أدب الطفل يكون قليل الحضور، وقلة من الأدباء والمبدعين من يتجهون بأقلامهم نحو الصغار، والكتابة لهم وعنهم، ذلك أن الكتابة للأطفال ليست ميسورة كما يتبادر للذهن؛ إنها مهمة صعبة وربما هي أعسر من الكتابة للكبار، فالكتابة للصغار تعني التوسل بلغة ملائمة أقرب للعاطفة من العقل، تحمل معها قيم الجمال والتوجيه والمحبة والسلوك الحسن، بحيث تنساب في ذهن الطفل بسلاسة ووضوح وبشكل يسمح لها بالترسخ والتأثير إلى المستقبل.
فصياغة القيم بخطاب يقترب من ذهن الطفل؛ عملية إقناع كثيفة ومعقدة، تضطر الكاتب أن يحيل نفسه إلى طفل يتلقى ويقتنع وينجذب ويمارس ويفكر، بالأخص عندما تكون الكتابة له تحمل دلالات كبيرة وقيماً عالية وليست لمجرد التسلية.
وهذا الدور العسير هو ما قامت به الأديبة اليمنية عفاف البشيري؛ وهي تقدم مجموعتها "ثلاثية أوسان وريدان" لجيل الأطفال العرب، واليمنيين منهم بخاصة.
وتصدر هذه المجموعة في ظروف صعبة للغاية تعيشها اليمن، وأطفالها تحديداً الأكثر تأثراً بهذه الحرب والأوضاع، إذ يعيشون أسوأ الأزمنة بلا مبالغة، فقد حرمتهم الحرب من ممارسة حياتهم بشكل طبيعي، عوضاً عن التعليم المنهار الذي بات ضرره أكثر من نفعه، وهم يتلقون أشكال العنف والحرمان ويعيشون خطابات الكراهية والتمزق والصراع، لينشأوا بين كل هذه العوائق.
لقد اقتحمت الكاتبة عفاف البشيري هذا المضمار محملة بهموم الوطن المنهك وعينها على الطفولة البائسة، التي ستفرح حتماً بهذا الإصدار الأنيق في زمن النار والدخان.

children's literature
إثراء لأدب الطفل العربي 

في مجموعتها ثلاث قصص مصحوبة برسومات جميلة ومعبرة تحبب النص إلى الطفل وتكمل له الشرح والغاية، ولأن الأطفال بصريون في التلقي؛ فالرسومات كفيلة بإيصال الرسائل وإفهامها.
والمختلف المائز في هذه المجموعة أن بها مستويين من الدلالات والمعاني، مستوى يصل للأطفال بسهولة ويفهمونه وينجذبون إليه، ومستوى أعلى لا يفهمه إلا الكبار وهو موجه لهم بالأساس أيضاً وعليهم وعيه ثم إعادة صياغته للأطفال، بمعنى أن المجموعة تدعو الكبار لقراءتها مع أطفالهم، وفي ذلك توصيل وتحبيب بينهم، وإشراك في فهم غاياتها، وممارسة دورهم في محاورة وإقناع أبنائهم، كما أنهم معنيون أيضا ببعض الرسائل والمقاصد.
في القصة الأولى "الهدية الثمينة" دعوة الأطفال للمحبة والتسامح، وعدم الإحساس بالفوارق والتميز، والاعتماد على الذات لا الارتكان للآباء، فوق ذلك بها من المعاني البعيدة الكثير التي يدركها الكبار أثناء قراءتها لصغارهم، مثل مراعاة التنوع في المجتمع والدعوة إلى التوحد والاعتماد على الذات لبناء دولة قوية، فبالإخلاص والتفاني والعمل المستمر ينهض الوطن حتى لو كانت موارده محدودة.
وفي القصة الثانية "المدينة الرملية"، دعوة للتآلف بين الأصدقاء رغم اختلاف الأماكن والبيئة، وتعزيز الهوية، والحث على التفاهم، والحرص على إسعاد الآخرين، والتخلي عن الأنانية وحب الذات، كما بها من الإشارات التي يفهمها الكبار مثل استخدام لغة الحوار لحل المشكلات، وضرورة إشراك المرأة في شئون الحياة وعدم إقصائها.
والثالثة "أوسان والحمامتان"، دعوة للعلم والمثابرة عليه واحترام الكبير والاستفادة من خبرته، كما بها إلماحات للآباء لمراعاة نفسيات أبنائهم وتعزيز الثقة لديهم واتخاذ القرار، ولفت انتباههم إلى عدم المحاباة بين الذكور والإناث، أو إهمالهن بسبب عادات المجتمع الذكوري، فهن في الغالب الأكثر حرصاً ونبوغاً وتفوقاً، ومعان أخرى.
 والقصص الثلاث في مجملها مترابطة وتكمل بعضها، بشخصياتها ومواقفها وأبعادها.
إن هذه المجموعة رغم بساطتها وسهولة محتواها، فأنها صيغت بذكاء الكاتبة لإشراك الآباء والأمهات لقراءتها مع أطفالهم، فهي بحاجة لتأمل الكبار قبل الصغار، ولشرحهم وتقديم رؤاهم بل وتمثلها أمام أطفالهم، وهذا الدمج المقصود من الكاتبة بين الجيلين فيه بُعد تعليمي وسلوكي ونفسي، ومن الجيد أن يقرأ الآباء مع أبنائهم هذه القصص وليتمثلوا قيمة النقاش والتحاور، بالأخص والقصص ملموسة بشكل يومي في حياتهما، وتحكي واقعاً وتتمثله بصيغ مألوفة.
وإذا ما كان أدب الطفل محدودًا عربياً، فإنه أكثر محدودية في اليمن، علاوة على هذه الظروف، ولعل هذا الاتجاه الإبداعي من الكاتبة يثري ويحفز الآخرين من المبدعين على الاهتمام بالطفل والكتابة له، خارج المناهج الدراسية الروتينية، وفي زمن الإلكترونيات التي سلبت عقل الطفل ووقته، وعزلته عن الحياة الطبيعية.
هذا جهد محمود للكاتبة، وإثراء لأدب الطفل العربي واليمني، على أمل أن نلتقي بإنتاجات قادمة للكاتبة، وتُثرى مكتبة الطفل بالكثير من هذا الأدب النافع والماتع.