علم ودستور ومجلس نواب تحت البسطال الاميركي

في ذكرى الاحتلال، يستعيد العراقيون من مشى وراء الهدامين. المعماري رفعة الجادرجي كان منهم.


رفعة الجادرجي أسقط وجوده الرمزي في لحظة طيش


المعماري العراقي ختم سيرته بعارين: عار الاحتفاء بالمحتل وعار تقليد العلم الإسرائيلي


العمارة ليست مباني وزخارف وأقواسا بل هي موقف ايجابي من الإنسان والبيئة والتاريخ

هل كان رفعة الجادرجي وهو معماري ومؤلف عراقي مضطرا للقيام بتصميم علم للعراق الجديد الذي كان يومها بلدا محتلا تنتهك فيه قوات الاحتلال الأميركي كل لحظة الأعراف والقيم الإنسانية بل وحق الإنسان العراقي قي الحياة؟

كان الأولى بالرجل الذي يعتبره البعض أبا للعمارة العراقية الحديثة أن يستنهض شيئا من شعوره الوطني ليغطي به على رغبته في الانتقام من النظام السياسي الذي أسقطته الدبابات الأميركية. فإذا كان ذلك النظام قد حاكمه وسجنه لأسباب غير سياسية فإن الكارثة كانت أكبر من اسقاط نظام واعتقال حكومة وطرد حزب.

سيُقال إن الرجل أسقط وجوده الرمزي في لحظة طيش. فالعمارة ليست مبان مجردة وليس واجهات زخرفية وليست أقواسا بل هي موقف ايجابي من الإنسان والبيئة والتاريخ. وإذا ما كان الرجل قد كشف في كتبه عن نزعة بغدادية فذة فإن اشتراكه في مسابقة لتزييف العراق من خلال أحد رموزه أي "العلم"، يعد طعنة في قلب بغداد الموجوعة والمفجوعة وهو ما يمكن اعتباره خيانة لكل فكرة فنية طرحها في الطريق إلى قيام عمارة عراقية.

خان الجادرجي بفعلته فكرة البناء ليمشي وراء الهدامين بتجرد عبثي من المسؤولية. برزت لديه موهبة لم نعرفها من قبل في الوضاعة وقلة الحياة وتحد لشعب كان يدثر قتلاه بالعلم باعتباره وطنا رمزيا أخيرا.

في الوقت نفسه كان هناك معارضون عراقيون فتحت لهم قوات الاحتلال خزائن العراق لينهبوها ينادون بأن يكون يوم التاسع من نيسان/أبريل من كل عام وهو اليوم الذي سقطت فيه عاصمة الرشيد يوما وطنيا يحتفل فيه العراقيون باستقلالهم وحريتهم. وتلك صلافة تكشف عن تدن بشع لا في منسوب الوطنية حسب بل وأيضا في منسوب الاخلاق بكل معانيها، الفردية والجماعية. لقد كان الاستقواء بالمحتل واضحا في لغة متعالية تسخر من كل المفاهيم "الخشبية والبائدة" التي أُعتبرت جزءا من نظام البعث المهزوم كالقومية العربية والوطنية والكرامة والسيادة والأمن القومي. لقد حلت ثقافة جديدة محل ثقافة عصر "الديكتاتورية". ومَن يملك الوقت للعودة إلى أرشيف تلك السنوات بدءا من 2003 لابد أن يُصدم بمفردات ثقافة الاحتلال التي كان مثقفون عراقيون يروجون لها وكلها تصب في السعي لقطع صلة العراق بتاريخه وبمحيطه العربي وبالقيم الإنسانية التي تُبنى على أساسها علاقة الإنسان بوطنه ولغته وأمته وتاريخه. بل أن تلك الثقافة كانت لا تخفي عداءها للدولة المدنية في محاولة لإعادة العراق إلى زمن القبائل اي زمن ما قبل الدولة.   

في ظل تلك الظروف أندفع الأميركان في اتجاه تأسيس دولة العراق الجديد التي رغب رفعة الجادرجي في تصميم علمها. بدأت سلطة الاحتلال بصياغة دستور جديد. حسب رواية بول بريمر وهو الحاكم الأميركي المدني فإن مَن كتب ذلك الدستور هو مدرس قانون أميركي مغمور يهودي الديانة ومَن ترجمه إلى العربية هو محامي عراقي مغترب في الولايات المتحدة. وحين اعترضت المرجعية الدينية على المبدأ قام بريمر بتأليف لجنة عراقية لكتابة الدستور لم يكن أحدا من أعضائها ذا خبرة قانونية. ما فعلته تلك اللجنة أنها صادقت على النسخة الاميركية الجاهزة. وهو ما أدى إلى ارتياح المرجعية الدينية التي أفتت بإلزام أتباعها بالاقتراع لصالح ذلك الدستور. وبذلك لعبت المرجعية دورا عظيما في تمرير الكذبة بل الجريمة. لقد احتالت على الشعب حين رفضت أول الامر وحين وافقت في نهايته. بعد سنوات اكتشف العراقيون أن دستورهم مليء بالألغام التي يمكن أن تؤدي إلى تفكيك العراق أو إلى قيام حروب أهلية لا تنتهي.

في غفلة من الزمن فرضت المرجعية الدينية دستورا ملغوما على العراقيين سيكون عليهم أن يدفعوا بعد سنوات ثمن الاقتراع عليه وسيكون ذلك الدستور أشبه بحبل المشنقة.  

وقد لا يصدقني ممَن لم يطلع على الحالة العراقية إذا ما قلت أن المرجعية وضعت العراق في قفص الاحتلال إلى زمن غير منظور من خلال فرض دستور عليه هو أشبه بالمقصلة المسلطة على رقبته. ذلك لأنه سيظل دائما دولة مؤجلة وستظل سيادته ناقصة دائما.

كان ذلك الدستور الملفق تمهيدا لإجراء انتخابات "ديمقراطية" ذهب إليها العراقيون بأصابع بنفسجية تمنوا أربع مرات لو أنهم قطعوها. لقد تم استعمالهم لإضفاء شرعية على نظام المحاصصة الذي فرضه الأميركان فأنتج سلطة تشريعية هي عبارة عن واجهة للأحزاب الدينية والعرقية التي تتقاسم ثروات البلد في ما بينها وهو ما أقرته سلطة الاحتلال يوم أسست مجلس الحكم الذي كان عبارة عن توليفة طائفية عرقية وكان نصير الجادرجي وهو شقيق رفعة عضوا فيه.

لهذا السبب كان من الممكن أن يفوز علم الجادرجي في المسابقة لولا أن عددا من الأحزاب الدينية الموالية لإيران سربت شكله إلى النشر العام وأشارت إلى أنه شبيه بعلم إسرائيل. وهكذا ختم الرجل الذي تتلمذ على يديه جيل من المعماريين العراقيين سيرته بعارين. عار الاحتفاء بالعراق المحتل من خلال تصميم علم جديد له وعار تقليد العلم الإسرائيلي كما يفعل الصغار.

كان نيسان 2003 أقسى الشهور على العراقيين فبعده صار عليهم أن يُعيدوا النظر في الكثير من رموزهم التي سقطت تحت البسطال الأميركي.