عندما تتحول الجنسية لبطاقة دخول للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة على حساب الهوية

كثافة الانتاجات الدولية تهمش السينما المغربية الأصيلة وتضع الطابع الوطني المغربي للمهرجان على المحك.

شهدت الدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة صدامًا حقيقيًا بين الإنتاج المغربي المحلي والأفلام متعددة الجنسيات التي تحمل أسماء مغربية، لكنها غالبًا تفتقر إلى العناصر الوطنية الحقيقية من حيث اللغة والممثلين والموضوع. كشفت النتائج عن هيمنة الجوائز على إنتاجات ضخمة التمويل مثل "البحر البعيد" لسعيد حميش وهو مخرج فرنسي اكثر من كونه مغربي و"في حب تودا" لنبيل عيوش وهو ايضا لا يحمل من المغربية إلا الاسم، بينما ظلت السينما الوطنية الأصيلة، مثل "موفيطا" للمخرج الشاب معدان الغزواني الذي فاز بجوائز استحقاقية كجائزة العمل الاول و جائزة لجنة التحكيم و"شذرات"، لعبد الاله زيراط وفاتن المحمدي الذي بقي في الظل رغم تميزه الفني، وأبرزت الدورة أن النقاش يمتد إلى قضايا الهوية الوطنية واللغة، وضرورة ضمان تكافؤ الفرص بين الأفلام الوطنية الصرفة والإنتاجات الكبرى الموجهة عالميًا، وهذا الواقع يضع المهرجان أمام سؤال أساسي: كيف يمكن الحفاظ على طابعه الوطني وسط ضغط الإنتاج الخارجي والزخم الإعلامي الذي يصب في صالح الأفلام الدولية؟

ويبرز توزيع الجوائز هذا الخلل حينما حصل "البحر البعيد" على الجائزة الكبرى وجائزة الإخراج وثاني دور رجالي ونسائي، كما نال "في حب تودا" جائزة لجنة التحكيم وأفضل دور نسائي وجائزتي الصوت والصورة، بينما حصل "موفيطا" على جائزة أول دور رجالي، العمل الأول، ودونكيشوت للأندية السينمائية رغم بساطة موارده، فيما لم يحصد "شذرات" أي جائزة، ويعبرهذا التفاوت كيف تؤثر الميزانيات الضخمة على توزيع الجوائز، إذ بلغت ميزانية "البحر البعيد" 3,4 مليون أورو و"في حب تودا" 2,4 مليون أورو بمشاركة خمس دول، بينما اقتصرت ميزانية "موفيطا" على موارد وطنية محدودة. ويبرز المثال هنا أن الأموال تضمن إمكانيات تقنية وإبهار بصري، لكنها لا تبين دائمًا العمق الفني أو صدق السرد، كما يثبت حضور الأفلام الوطنية الأصيلة بإماكنياتها البسيطة.

وأبرزت الدورة 25 من المهرجان الوطني للفيلم خطورة استخدام الفرنسية أو الإنكليزية أو أي لغة أجنبية دون سياق ثقافي مغربي، إذ تحولت بعض المشاهد في أفلام كبيرة مثل "في حب تودا" إلى محاكاة للسينما العالمية على حساب الهوية المغربية، وتوضح هذه الممارسة إرثًا من الاستعمار الثقافي، وتقليدًا أعمى للنماذج الدولية، وهو ما أدى إلى فشل في نقل صورة صادقة عن الواقع المغربي. بينما حافظت أعمال مثل  "شذرات" على اللغة المغربية الأصيلة، وهذا عزز مصداقية السرد وارتباطه بالثقافة المحلية، كما أن الأفلام التي عُرضت سابقًا في مهرجانات دولية مثل كان أو الأوسكار أو البندقية، مكانها الأنسب في فقرة البانوراما وليس في المسابقة الرسمية، لضمان تكافؤ الفرص وعدم تأثير الزخم الإعلامي على تقييم لجنة التحكيم.

وأكدت الدورة أن استمرار عرض إنتاجات أجنبية أو متعددة الجنسيات ضمن المسابقة الرسمية يهدد الطابع الوطني للمهرجان، عندما يصبح معيار المشاركة مجرد امتلاك اسم مخرج مغربي، حتى لو لم يكن أي من الممثلين مغاربة أو لم تكن اللغة والسرد يعكسان الهوية المحلية، ويفرض هذا الواقع ضرورة إعادة النظر في صيغة المهرجان، بما يشمل نقل المسابقة إلى فترة بين فبراير ومارس لتفادي تأثير المهرجانات الدولية السابقة، وتخصيص المسابقة الرسمية للأفلام المغربية الوطنية بالكامل، بينما تُعرض الأعمال المشاركة دوليًا في فقرة البانوراما، ويضمن هذا التغيير الحفاظ على سيادة سردياتنا، وصيانة الهوية المغربية في السينما، ومنع تمييع الطابع الوطني لصالح التأثير الدولي أو المنافع التمويلية.

ويفضح قانون  استقبال   للمهرجان الوطني للفيلم، الذي يسمح بمشاركة أي مخرج لمجرد امتلاكه للجنسية المغربية، ما يمكن تسميته بـ"الطنز السينمائي"، إذ يفتح الباب لدخول الريع إلى صميم وطنية المهرجان على حساب الهوية والصدق الفني، وهذا القانون يمنح امتيازات لمنتجين وأفلام غالبًا ما تتوفر على ميزانيات ضخمة وتوزيع مهني متقن، في حين تُهمش الأفلام الوطنية الأصيلة، ويصبح التقييم الحقيقي للفن السابع مستحيلاً أمام الزخم الإعلامي الذي يسبق العرض الرسمي ويؤثر على لجان التحكيم، وتتفاقم المشكلة حين يكون شرط الدعم مرتبطًا بالعرض الأول للأفلام، لأنه سيجعل بعض صناع الأفلام يركزون على مواضيع محددة كالطفولة المصابة بالتوحد، قضايا الطلاق أو الأقاليم الصحراوية، وطبعا بعيدا عن قيمتها الفنية،  وانما لضمان التمويل الرسمي، ليتحوّل المهرجان إلى آلة لتجميع الدعم عوض أن يكون منصة للإبداع والتجريب السينمائي. كما توضح الندوات والحوارات والبرامج المصاحبة، التي غالبًا ما تُقدَّم بالفرنسية أو الإنجليزية، انفصالًا عن الثقافة المغربية المحلية، ما يزيد من تمييع الطابع الوطني للمهرجان.

ويكمن الحل في إعادة صياغة الشروط، فمثلا من  يجب أن يكون العرض الاول الرسمي للأفلام قبل من شروط الدعم، وأن تُحترم القواعد الوطنية في اللغة والهوية والممثلين والمخرجات والمخرجين، بحيث تكون كل الندوات والحوارات بالدارجة المغربية وتُعبر عن الثقافة المغربية الأصيلة،  لان بكل بساطة يعني غياب هذه الضوابط  أن صيغة المهرجان الوطني ستفقد مصداقيتها تمامًا، وسيصبح مجرد نافذة لتمرير الإنتاجات الدولية تحت اسم مغربي، ما ينزع من السينما المغربية روحها الإبداعية ويجردها من هويتها الوطنية بالكامل.