عندما تصبح الحقيقة آخر ضحايا السياسة
في الماضي، كانت الأنظمة القوية تسعى إلى السيطرة على الأرض. أما اليوم، فإن أكثر المعارك أهمية تدور في مكان آخر؛ داخل عقول الناس.
لقد تغير العالم بصورة لم تنتبه إليها كثير من المجتمعات بعد. لم تعد القوة تقاس فقط بعدد الجنود أو حجم الاقتصاد أو مساحة النفوذ الجغرافي، بل أصبحت تقاس بالقدرة على تشكيل الإدراك الجمعي، وعلى رسم الصورة التي يرى الناس من خلالها الواقع.
فما الذي يحدث عندما تصبح الصورة أهم من الحدث؟ وعندما يصبح الانطباع أقوى من الحقيقة؟ وعندما تتحول السياسة من إدارة الدول إلى إدارة المشاعر؟
هذه هي المعضلة التي تواجهها الديمقراطيات والمجتمعات الحديثة في كل مكان، ومنها العراق.
قبل سنوات طويلة كان المواطن يبحث عن المعلومة لأنها نادرة أما اليوم فهو يحاول الهروب منها لأنها بلا حدود. آلاف الأخبار والتعليقات والتحليلات والمقاطع المصورة تتدفق يومياً عبر الشاشات الصغيرة التي نحملها في جيوبنا. وبين هذا الكم الهائل من المعلومات لم تعد المشكلة في الوصول إلى الخبر، بل في معرفة أي الأخبار تستحق التصديق. وهنا ولدت أزمة العصر الحقيقية.
لم يعد الصراع يدور حول إخفاء الحقيقة، بل حول إغراقها، فحين تتزاحم الروايات وتتعدد التفسيرات وتتداخل الوقائع مع الدعاية، يصبح المواطن أمام ضباب كثيف يصعب معه التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مصنوع بعناية. وفي هذه اللحظة تحديداً، تنتصر الجهات التي لا تملك الحقيقة بالضرورة، بل التي تمتلك القدرة الأكبر على توجيه الانتباه.
لقد اكتشفت القوى السياسية في العالم حقيقة بسيطة لكنها شديدة الخطورة: الناس لا يتخذون قراراتهم دائماً بناءً على الحقائق، بل بناءً على الصورة التي يحملونها عن تلك الحقائق. لهذا لم تعد المعركة السياسية تركز على تغيير الواقع بقدر ما تركز على تغيير طريقة تفسير الواقع.
وفي العراق، كما في كثير من دول المنطقة، يمكن ملاحظة هذه الظاهرة بوضوح، فالأزمات الاقتصادية والسياسية والخدمية أصبحت تُقرأ أحياناً من خلال الانتماءات السياسية قبل أن تُقرأ من خلال الوقائع. والخبر الواحد قد يتحول إلى عشرات الحقائق المتناقضة تبعاً للجهة التي ترويه.
ومع مرور الوقت، لا يخسر المجتمع الحقيقة فقط، بل يخسر شيئاً أكثر خطورة: الثقة.
وحين تنهار الثقة بين المواطن والمؤسسات، وبين الجمهور والإعلام، وبين الناخب والسياسي، تبدأ مرحلة جديدة من عدم اليقين. عندها لا يعود الناس يبحثون عن الحقيقة بقدر ما يبحثون عمن يشبه قناعاتهم المسبقة. وتتحول الوقائع إلى آراء، وتتحول الآراء إلى هويات متصارعة.
لذلك فإن أخطر أزمة تواجه كثيراً من المجتمعات اليوم ليست أزمة اقتصاد أو طاقة أو خدمات، بل أزمة ثقة عامة، فالاقتصاد يمكن إصلاحه، والخدمات يمكن تطويرها، وحتى الأزمات السياسية يمكن أن تجد طريقها إلى الحل. أما الثقة، فإذا تآكلت، فإن إعادة بنائها تحتاج سنوات طويلة.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للانتباه أن البشرية لم تمتلك في أي وقت من تاريخها هذا القدر الهائل من وسائل الاتصال، لكنها لم تكن في الوقت نفسه بهذا القدر من الانقسام والتشكيك والارتباك.
لقد أصبح بإمكان أي مواطن أن يتابع العالم لحظة بلحظة، لكنه أصبح أكثر عرضة من أي وقت مضى للتأثير والتوجيه والاستقطاب.
ولهذا فإن مستقبل المجتمعات لن يتحدد فقط بما تنتجه من نفط أو صناعة أو تكنولوجيا، بل بقدرتها على حماية الوعي العام من التلاعب، وعلى بناء مؤسسات تحظى بثقة مواطنيها، وعلى ترسيخ ثقافة ترى في السؤال فضيلة وفي التفكير النقدي ضرورة.
فالحرية لا تعني فقط أن تمتلك حق الكلام، بل أن تمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والضجيج. وفي زمن أصبحت فيه الخوارزميات قادرة على معرفة ما نحب وما نكره وما نخاف منه، ربما يكون التحدي الأكبر أمام الإنسان المعاصر هو أن يحافظ على استقلال عقله لأن الأمم لا تسقط دائماً عندما تُهزم في الحروب، بل قد تسقط عندما تفقد قدرتها على معرفة الحقيقة. وعندما تصبح الحقيقة آخر ضحايا السياسة، يصبح الوعي آخر خطوط الدفاع عن الدولة والمجتمع والمستقبل.