عن مسخ الذاكرة الوطنية

يستسيغ البعض تسفيه تاريخ العراق الحديث خارج سياق الحدث وتاريخه.


الشعوب التي بلا ذاكرة وطنية تضعف لديها الروح الوطنية


هناك من يسفّه "ثورة العشرين" ويشتمها بطريقة قاسية وتعسفية


شتم وتسفيه تستدعيه نزعة استعراضية لا تخلو من سذاجة وتنطع!

اتذكر مرة سألت صديق عن جدوى ودوافع ان يعيّر الانسان انسانا آخر. وجاء السؤال في سياق حوار عن اسرار النفس البشرية ومدفوناتها الجميلة والقبيحة معا. اجابني الصديق في حينه: "لكي يضع المقابل في وزنه الحقيقي!" بصراحة لم اجد هذه الاجابة شافية، لان دوافع هذا السلوك، حسب وجهة نظري، هي ان الذي يعيّر خصمه يريد ان يعطيه الصورة التي يرسمها له في لحظة انفعاله وغضبه منه. وحتى لو وجدت في اجابة الصديق شيئا من الصحة، يبقى المؤكد انه ليس وزنه الحقيقي، بل الذي يقدره هو له.

اتذكر ذلك الحوار الذي مرّ عليه اكثر من ثلاثة عقود، لكنه بات يحضرني بقوة مؤخرا، وانا ارى بعض العراقيين يعيّرون شعبهم وبطريقة قاسية، عندما يتحدثون عن تاريخ بلادهم، اذ يأتي بطريقة شتم وتسفيه اغلب المحطات والاحداث الكبيرة التي مرت بها. فمن يتابع اراء هذا البعض، لاسيما بعد ان اصبحت خدمة فيسبوك متاحة للجميع، وبات كل انسان يعبر عن ما يجول في ذهنه من دون عوائق، سيجد ان هناك مازوخية حقيقية تمارس علنا، ويجب ان يتصدى لها علم الاجتماع الذي ينبغي ان يكون دوره فاعلا الان، بسبب هول الاحداث التي مرت بالعراق وانعكاسها على مزاج الناس واسقاطاتهم النفسية.

فمثلا، هناك من يسفّه "ثورة العشرين" ويشتمها بطريقة قاسية، بعد ان يخرج بعض التفاصيل التي رافقتها من سياقها التاريخي ويسقط عليها ثقافة الحاضر. هذا بلا ادنى شك، يعد تعسفا، لان انسان تلك المرحلة، في العراق وكل العالم، ليس كما هو الان، ثقافة ووعيا، وان اوروبا نفسها، بما تقف عليه من ركام ثقافي كبير، وقتذاك، جرّت عليها سياسة حكامها ونخبها المتنفذة الويلات التي تنظر اليها الان بعين مختلفة، لكنها عين نقدية تهدف الى الافادة من تجارب الماضي لتضيء بها المستقبل، وهكذا يتجسد جدل الحياة المستمر.

لم يتوقف هؤلاء عند "ثورة العشرين" بل يشمل ايضا "حركة مايس" عام 1941 ومن ثم "14 تموز" والجيش العراقي والقوى السياسية المختلفة، واحداث اخرى تمر ذكراها. وياليت الامر يأتي بصيغة النقد البنّاء الذي يجلي بعض الحقائق عن تلك الاحداث ويتوقف عند الاخطاء التي حصلت فيها، بقصد ان تكون دروسا، حتى اذا كانت قاسية، وانما فقط للشتم والتسفيه الذي تستدعيه نزعة استعراضية، لا تخلو من سذاجة وتنطع!

من يقرا تاريخ الدول، المتقدمة والمتخلفة معا، وما قامت به جيوشها والصراع الدموي بين نخبها وقواها السياسية، وطبيعة الاحداث التي مرت بها، يجد ان العراق كان يعيش في وضع افضل بكثير، باستثناء العقود الاخيرة. لكن تلك الدول تستخلص من الاحداث ما تراه مفيدا ومشرقا للتأكيد عليه والتوقف عنده، بقصد بث الروح الوطنية في نفوس شعوبها، وتثبّت ذلك في كتب التاريخ لديها. الثورة الفرنسية ومارافقها من اهوال مخزية، مثالا. ولديّ من الشواهد المعاصرة الاخرى ما تضيق به هذه المساحة، ومرد هذا الاحتفاء، هو ان الشعوب التي بلا ذاكرة وطنية تضعف لديها الروح الوطنية. وهذا ديدن البشرية منذ القدم. اذ كانت القبائل في كل العالم، تصنع لها اساطير وترويها للاجيال من ابنائها، وتتحدث عن مناقبها ورجالاتها الحقيقيين والوهميين(!) لتجعل ابن القبيلة يعتز بقبيلته. وظل هذا الامر مستمرا الى اليوم، اذ تقيم الدول الحديثة النصب والتماثيل لوقائعها ورموزها وتحتفل باحداث حصلت في ازمنة غابرة، وتنفق عليها الاموال، لكي تذكّر الاجيال بتاريخها وتديم جذوة حب الوطن في نفوس مواطنيها. كون الناس ليسوا كلهم بمستوى ثقافي راق، فالنخب المثقفة والمتمثلة لفكرة وحدة الانسانية التي لا تحتاج لهذه "الارشادات"، تمثل الاقلية في كل الشعوب، وان الاغلبية هم من تتوجه اليهم تلك النخب في خطابها الفني والادبي والثقافي لترتقي بهم، مثلما تتوجه اليهم مؤسسات الدولة بخطاب انساني مفترض وبمسحة محلية تستحضر التاريخ الوطني وتستثمره لشحذ الروح الوطنية واشباع غريزة الفخر التي تولد مع الانسان. ولعل هذه الاخيرة تطورت كمفهوم وممارسة، وباتت تستفرغ في الممارسات الجمالية، كالرياضة والفن والعلوم والثقافة وحتى السياسة، بوصفها ميدانا، بات دوليا، يستدعي ابناء كافة الدول لقيادة المحافل العالمية الكبرى.

متى تأتي مناسبة عراقية، نجد انفسنا نتحاور بشأنها لنستخلص الجيد منها وننبذ السيء بحوار موضوعي، يهدف الى الافادة من تجاربنا بدلا من تعيير شعبنا وشتم تاريخه، وكأننا نعمل على مسخ الذاكرة الوطنية بشكل مبرمج... متى؟