عودة الفارّين اللبنانيين إلى إسرائيل هدية حزب الله للتيار الحر

السلطات اللبنانية اعتقلت القيادي السابق في "جيش لبنان الجنوبي" عامر فاخوري للتحقيق معه تحت ضغط حملة بدأت فور انتشار خبر عودته إلى لبنان فجأة.


البعض يعتبرهم مبعدين قسراً فيما يعتبرهم آخرون عملاء لإسرائيل


قضية الفاخوري تعيد اتفاق "مار مخايل" إلى الواجهة


تسريب دخول فاخوري إلى لبنان كان تحت إشراف بعض الموالين لحزب الله


سكان القليعة يرفضون عودة من كان مشرفا على معتقل الخيام

القليعة (لبنان) - في الطريق إلى بلدة القليعة في جنوب لبنان القريبة من الحدود الإسرائيلية، تطالع المارة لافتة كتب عليها "لا مكان للعملاء بيننا".. في منطقة يتمتع فيها حزب الله بنفوذ كبير، "العملاء" هم آلاف الجنوبيين الذين تعاملوا مع إسرائيل خلال احتلالها للجنوب وغادروا قراهم وبلداتهم لدى انسحابها قبل 19 عاماً.

في البلدة ذات الغالبية المسيحية والتي تحيط بها سهول زراعية خصبة وأشجار زيتون معمرة، يلتزم غالبية الأهالي الصمت لدى سؤالهم عن مصير أقربائهم في المقلب الآخر من الحدود، في انتظار أن تهدأ عاصفة أثارتها مؤخراً عودة قيادي سابق في "جيش لبنان الجنوبي"، المجموعة العسكرية التي دعمتها إسرائيل خلال احتلالها للجنوب على مدى 22 عاماً، إلى البلاد.

منازل كثيرة مقفلة أو مهجورة في القليعة. ويقول أحد السكان ممتنعاً عن ذكر اسمه، مشيراً إلى منزل مقفل، "هذا واحد من أكثر من مئة منزل أوصدت أبوابها".

ويضيف "عائلات بأكملها غادرت ولم نسمع عنها شيئاً منذ ذاك الحين. جثث قلة منهم نُقلت بعد وفاتهم لدفنها في البلدة".

كثيرون يرفضون الكلام خوفا من أن يتحولوا بدورهم إلى "متهمين بالعمالة".

في أيار/مايو 2000، انسحبت القوات الإسرائيلية من الجنوب، وفرّ الآلاف من أعضاء "جيش لبنان الجنوبي" وأفراد عائلاتهم بمعظمهم إلى إسرائيل خوفاً من أعمال انتقامية خصوصاً من أنصار حزب الله. ويعدّ الأخير "رأس حربة" في انسحاب الإسرائيليين، بعد تنفيذه لسنوات طويلة، إلى جانب مجموعات يسارية، عمليات عسكرية ضد الجيش الإسرائيلي و"جيش لبنان الجنوبي".

ولم يعد غالبية الفارين إلى البلاد خشية تعرضهم للملاحقة أو التوقيف. ومنذ ذلك الوقت، تثير قضيتهم حساسية بالغة في لبنان، إذ يصفهم البعض بـ"المبعدين قسراً"، فيما يعتبرهم آخرون "عملاء" لإسرائيل.

وتم تأسيس "جيش لبنان الجنوبي" العام 1976 على أيدي عناصر من الجيش اللبناني في المنطقة الحدودية بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990). وفي ظل تفتت الجيش بين المجموعات الطائفية والسياسية المقاتلة آنذاك، وضعت هذه المجموعة نصب أعينها مواجهة الفصائل الفلسطينية التي كانت تستخدم الجنوب لتنفيذ عمليات ضد إسرائيل. ثم ما لبثت أن خاضت معركة ضد المسيحيين في لبنان، بدعم من مجموعات لبنانية يسارية وإسلامية.

ومع التعقيدات التي طرأت على الحرب اللبنانية وتدخل إسرائيل على الأرض واجتياحها لجنوب لبنان مرة أولى عام 1978 ثم للجنوب ومناطق أخرى واسعة في 1982، تعاملت المجموعة مع إسرائيل، وجنّدت كثيرين من أبناء المنطقة وباتت تأتمر بأوامر الإسرائيليين.

وتزامن ذلك مع فترة أقام خلالها زعماء لبنانيون، مسيحيون خصوصاً، علاقات مع إسرائيل التي تعتبر في حالة حرب رسمية مع لبنان منذ إنشائها في 1948.

قضية تثير حساسية بالغة في لبنان
قضية تثير حساسية بالغة في لبنان

وتتراوح التقديرات حول عدد الموجودين حالياً في إسرائيل بين 2400 و2700 شخص، بينهم أطفال ترعرعوا وتعلموا هناك، وفق لجنة ممثلة للعائلات. ومن بين هؤلاء 1200 مسيحي من بلدة القليعة.

وخضع من عاد إلى لبنان في الأشهر أو السنوات التالية للانسحاب الإسرائيلي، لمحاكمات قضائية صدرت فيها إجمالاً أحكام مخففة بالسجن. وغادر كثيرون إسرائيل، بحسب تقارير مختلفة، باتجاه دول أخرى لا سيما السويد وألمانيا وكندا.

ويشدد مختار القليعة أمين سعيد الذي له أقارب فروا إلى إسرائيل، على أن "من حق كل لبناني أن يعود إلى أرضه، وليحاكم أي متورط برقبته دماء وضحايا بغض النظر عن انتمائه".

ويسهب سعيد في الحديث عن الأسباب التي دفعت هذه الشريحة للفرار، ويقول إن بينهم من كانوا "جنوداً في الجيش اللبناني، حكمتهم الظروف أن ينتهي الأمر بهم كذلك بعدما تخلت الدولة عنهم".

ويضيف "ملف المبعدين منسي، فنحن هنا لا نشكل قوة ضاغطة أو ورقة انتخابية" في منطقة ذات غالبية شيعية.

على بعد أقل من خمسة كيلومترات من القليعة، في بلدة الخيام ذات الغالبية الشيعية، يختلف المشهد تماماً.

خلال تجمع احتجاجي على عودة القيادي السابق في "جيش لبنان الجنوبي" عامر فاخوري إلى لبنان فجأة، قالت سكنة بزي (50 عاماً)، بانفعال "هؤلاء ليسوا مبعدين قسراً، هؤلاء خونة (..) هربوا من وطنهم وأهلهم وخرجوا بإرادتهم من أرضهم".

وحصلت التظاهرة منتصف الشهر الحالي في باحة معتقل الخيام، وهو سجن تولى "جيش لبنان الجنوبي" إدارته خلال الاحتلال الإسرائيلي، ونددت منظمات غير حكومية مراراً بحصول عمليات تعذيب وسوء معاملة فيه.

واعتقلت سكنة أربع سنوات في هذا السجن بتهمة "التعامل مع المقاومة"، أي حزب الله. وتقول السيدة الممتلئة البنية التي ارتدت حجاباً وعباءة سوداء، "كل من يطالب بعودتهم خائن مثلهم. نرفض عودة العملاء إلى لبنان".

وأوقفت السلطات اللبنانية فاخوري الذي كان مشرفا على معتقل الخيام، تحت ضغط حملة بدأت فور انتشار خبر عودته، وأصدرت في حقه مذكرة توقيف بتهمة التعامل مع إسرائيل وهي تحقق في اتهامات بإعطائه أوامر لتعذيب معتقلين لبنانيين وفلسطينيين في معتقل الخيام. وكان عاد إلى لبنان من الولايات المتحدة حيث يقيم بعد غياب لأكثر من عشرين سنة، مراهنا على الأرجح على سقوط حكم غيابي صادر في حقه بالتعامل مع إسرائيل، بمرور الزمن.

لكن سكنة بزي لا تريد أن تسمع بهذه العودة. وتقول "ممنوع عليهم أن يرجعوا.. لا نريدهم لا هم ولا أولادهم. هذه الأرض لنا".

صمت حزب الله يثير تساؤلات حول التسويات السياسية الخفية
صمت حزب الله يثير تساؤلات حول التسويات السياسية الخفية

وأعادت قضية الفاخوري اتفاق "مار مخايل" إلى مجهر الشارع اللبناني الذي يتوق إلى معرفة خفايا التسويات السياسية بين أكبر حزبين في لبنان حزب الله والتيار الوطني الحر منذ سنوات.

ووقّع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله ورئيس "التيار الوطني الحر" آنذاك وهو الرئيس اللبناني الحالي ميشال عون، اتفاقا في فبراير/ شباط 2006 في كنيسة "مار مخايل" على تخوم الضاحية الجنوبية لبيروت، شكل ملف اللبنانيين الفارين إلى إسرائيل أحد أبرز بنوده.

ويرى عدد كبير من اللبنانيين أن تقارب التيار الوطني الحر من حزب الله بخصوص هذا الملف كان سببا رئيسيا في حصوله على استحقاقات انتخابية متقدمة على باقي الأحزاب المسيحية الأخرى في لبنان أوصلت التيار العوني اليوم إلى الحكم.

ورغم أن هذا الاتفاق التاريخي الذي يعد انفتاحا كبيرا بين المجتمع المسيحي والمسلم في المناطق المتداخلة في لبنان قوبل بترحيب، تثير إعادته إلى الواجهة في هذا التوقيت بالذات الذي يشهد فيه تصعيدا بين حزب الله وإسرائيل، جدلا وتساؤلات كبيرة حول جدواه.

وفي عام 2011، أقرّ البرلمان اللبناني مشروع قانون تقدم به الرئيس الحالي ميشال عون الذي كان نائباً آنذاك، نصّ على عودة اللبنانيين الموجودين في إسرائيل. لكن مراسيمه التطبيقية لا تزال قيد الإعداد في وزارة العدل.

ويقول مراقبون للشأن اللبناني أن عودة الملف اليوم إلى الواجهة يبدو بمثابة التمهيد إلى طرح تعديل اتفاق "مار مخايل" بقوانين صادرة عن مجلس النواب، حيث تتحدث أوساط لبنانية عن تنسيق عالي المستوى كان وراء دخول الفاخوري إلى لبنان برعاية أمنية وسياسية عبر مطار بيروت.

يذكر أن ملف عودة اللبنانيين الفارين إلى إسرائيل أثاره رئيس التيار الوطني الحر ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل وهو أيضا صهر ميشال عون، عند زيارته المثيرة للجدل إلى الجنوب في يوليو الماضي، حيث قال من القليعة إنه من "حقهم بالعودة إلى وطنهم".

وأضاف باسيل الذي يتمتع بدعم من حزب الله آنذاك أن وزير العدل ألبرت سرحان سيتقدم بمشروع مرسوم لوضع آلية تطبيق للقانون، الذي يساعد على عودة المبعدين وعلى بدء مسيرة العودة"، مؤكداً "إننا ملتزمون بهذه القضية كالتزامنا بالسيادة".

ويضع سعي التيار الوطني الحر لإقرار هذا القانون حزب الله "زعيم المقاومة" في حرج أمام مناصريه الذين يعتبرون هؤولاء اللبنانيين "عملاء" وليس "مبعدين".

ويرى مراقبون إن هذا الملف إما أن يساهم في إسقاط اتفاق "مار مخايل" بين التيار العوني وحزب الله خصوصا أن تسريب دخول فاخوري إلى لبنان كان تحت إشراف بعض الموالين لحزب الله المستاءين من العلاقة المتنامية مع باسيل، أو يكون ضامنا لبقاء حزب الله في قلب دوائر الحكم في لبنان في ظل الحصار المالي المفروض على دولته الأم إيران.

يذكر أن حزب الله لم يصدر موقفا واضحا من قضية فاخوري واكتفى بعض قيادييه بالمطالبة بمحاسبة المتورطين في دخوله إلى لبنان.