غزة بين معادلة السلاح والإعمار: أي طريق أقل كلفة؟
تثير الدعوات المتصاعدة إلى نزع السلاح الذي تحتفظ به حماس أسئلة لا تتعلّق فقط بطبيعة الحركة أو مآلات الحرب، بل بطبيعة وظيفة القوة في غزة، وبالكلفة الاجتماعية والسياسية التي بات المجتمع يتحمّلها داخل معادلةٍ تبدو متناقضة: أمن هشّ، وإعمار مؤجّل، وحاضرٌ محكوم بإمكانية الانفجار في كل لحظة. وفي قلب هذه المعادلة، يُطرح السؤال بإلحاح: هل يمثّل نزع السلاح مدخلًا واقعيًا لفتح أفقٍ جديد، أم أنه مجرّد شعارٍ سياسي يصطدم بحدود التطبيق على الأرض؟
بين خطابين متواجهين أحدهما يَعد بالهدوء عبر تجريد الحركة من سلاحها، وآخر يرى في السلاح آخر مظاهر الردع، تظهر مقاربة ثالثة أكثر تواضعًا وأقرب إلى الواقع: المقاربة البراغماتية التي لا تمجّد السلاح ولا تبشّر بنزعه كحلٍّ سحري، بل تقرأ اللحظة في حدود ما تسمح به موازين القوى وما يمكن أن تنتجه من تسويات جزئية وتدريجية.
في مراحل سابقة، قدّم خطاب الحركة السلاح بوصفه ضرورة أمنية وتعويضًا عن غياب الدولة. غير أن تغيّر البيئة الإقليمية والميدانية، واتساع الكلفة الإنسانية والاقتصادية للحرب، جعلا هذا السلاح يتحوّل لدى شريحة معتبرة من سكان غزة إلى عبءٍ يعلّق الإعمار ويطيل زمن المعاناة. ومع ذلك، فإن القراءة البراغماتية لا تقف عند حدود الإدانة أو التبرير، بل تطرح سؤالًا عمليًا:
هل يوجد بديلٌ أمني منظّم قادر على ملء الفراغ الذي قد يخلّفه نزع السلاح، أم أن الفراغ سيعيد إنتاج الظاهرة نفسها في شكل فصائل أصغر وشبكات أشدّ تشتّتًا؟
تبدو المسافة واسعة بين الخطاب السياسي والوقائع. فـ"نزع السلاح بالقوة" يحمل كلفة عالية، لا على الحركة وحدها، بل على البيئة الاجتماعية التي تتحرّك داخلها. في المقابل، يظل خيار الترتيبات الأمنية – السياسية التدريجية أكثر قابلية للحياة، وإن كان بلا ضمانات كاملة. هنا لا يتعلّق الأمر بقدرة طرفٍ على فرض شروطه، بل بمدى قدرة التسوية على إنتاج توازنٍ جديد يخفّف التوتر دون أن يحوّل غزة إلى مساحة خالية من السياسة وممتلئة بالرقابة.
لا يمكن اختزال وعي المجتمع الغزّي في رواية واحدة. فهناك من يرى في نزع السلاح بوابةً محتملة للهدوء والإعمار، وهناك من يتعامل معه بوصفه محاولةً لإلغاء معنى المقاومة ودفع المجتمع إلى واقعٍ بلا ضمانات. والبراغماتية هنا لا تنحاز إلى سرديةٍ ضد أخرى، بل تعترف بأن الوعي الجمعي متعدّد الطبقات، وأن أي مقاربة واقعية يجب أن تستوعب هذا التنوع بدل تبسيطه.
لا تقدّم البراغماتية وعدًا مثاليًا، لكنها تنأى عن ثنائية حادّة: إما سلاح مفتوح على حربٍ بلا أفق، أو نزع قسري يخلق فراغًا أمنيًا ويعيد إنتاج العنف بأشكال أخرى. غير أن جوهر الإشكال لا يقتصر على مسألة السلاح ذاتها، بل يمتد إلى مدى استعداد قيادة حماس للاعتراف بأن الرهان العسكري — كما جرى توظيفه — قد حمّل غزة والفلسطينيين كلفةً تفوق مكاسبه المعلنة، وأن اللحظة الراهنة تفرض طرح الأسئلة الكبرى حول ما الذي أضافه هذا الخيار فعلًا إلى القضية، وما الذي سلبه منها.
بين هذين الحدّين، تبدو التسوية الأمنية – السياسية التدريجية خيارًا أقل صخبًا وأكثر واقعية: صيغة تمنح السكان قدرًا من الأمان دون إذلال، وتُبقي باب السياسة مفتوحًا، وتسمح للمرة الأولى بإمكانية مراجعة شجاعة لمعنى القوة ووظيفتها داخل المجتمع الغزّي، بدل بقائها قدرًا لا يُساءَل.