غزة في مفترق جديد بين هدنة ترامب وحسابات نتنياهو
واشنطن - حقق الرئيس الأميركي دونالد ترامب ما اعتبره "نصراً دبلوماسياً" بعد نجاحه في التوسط لاتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس، شمل مبادلة رهائن إسرائيليين بمعتقلين فلسطينيين. وقدّم ترامب نفسه بوصفه "صانع سلام" يسعى لتثبيت مكانته العالمية، غير أن مراقبين يرون أن اختبار النجاح الحقيقي لهذا الاتفاق سيكون في قدرته على إلزام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بخطوات عملية لترسيخ سلام دائم، في حين يتحرك الأخير وفق حسابات ومعادلات داخلية يسعى من خلالها لإطالة أمد الأزمة تهربا من محاسبات قضائية.
ويظهر التاريخ أن الرؤساء الأميركيين، من بيل كلينتون إلى جو بايدن، واجهوا صعوبة في التعامل مع نتنياهو الذي عُرف بعناده السياسي. وحتى داخل إدارة ترامب، برز التذمر من بعض العمليات العسكرية الإسرائيلية التي رآها مسؤولون أميركيون معرقلة للجهود الدبلوماسية.
ومع ذلك، نجح ترامب مؤخرًا في إقناع نتنياهو بقبول خطة لإنهاء الحرب في غزة، وبتحريك دول إقليمية للضغط على حماس للإفراج عن الرهائن، لكن المرحلة المقبلة تبقى الأصعب.
وتتألف خطة ترامب من عشرين بندًا، إلا أن تفاصيلها لا تزال موضع خلاف، فإسرائيل وحماس لم تتفقا بعد على قضايا جوهرية مثل نزع سلاح الحركة ودورها المستقبلي في إدارة غزة.
وبينما أعلنت حماس قبولها العام بالخطة، تجاهلت بنودًا تعتبرها تمسّ بنفوذها. ويرى محللون أن غموض الوثيقة سهّل التوقيع لكنه يجعل تنفيذها معقدا، لأن كثيرًا من النقاط تُركت للحسم لاحقًا.
في المقابل، تواجه الخطة رفضًا من داخل الحكومة الإسرائيلية نفسها، فقد هاجم وزيران نافذان في الائتلاف هما إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الاتفاق مع حماس، وهدد الأول بالاستقالة. ويعتقد مراقبون أن نتنياهو، وهو مقبل على انتخابات جديدة، قد يعيد حساباته السياسية سعيًا للبقاء في السلطة، ما قد يهدد استقرار الاتفاق.
ويرى خبراء أن قوة ترامب تكمن في نفوذه على نتنياهو بفضل دعمه المطلق لإسرائيل خلال ولايته الأولى، إذ اعترف بالقدس عاصمة لها وبسيادتها على الجولان، ما أكسبه شعبية واسعة بين الإسرائيليين تفوق شعبية نتنياهو نفسه.
ويقول محللون إن ترامب يستخدم هذه المكانة للضغط على نتنياهو، بعدما أظهر في الأسابيع الأخيرة صرامة غير معهودة، إذ أجبره على الاعتذار لأمير قطر بعد غارة فاشلة في الدوحة، ثم على التوقيع على الخطة رغم تحفظاته.
لكن الخطر الأكبر على الخطة قد يأتي من اليمين الإسرائيلي الذي يرفض أي تسوية لا تنهي حماس كليًا، ويرى في أي حديث عن دولة فلسطينية تهديدًا للأمن القومي، فخطة ترامب تتضمن بندًا يشير إلى إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقبلًا، وهو ما يثير رفضًا واسعًا داخل إسرائيل بعد هجوم حماس في أكتوبر/تشرين الأول 2023. ويحذر محللون من أن تصاعد هذا الرفض قد يدفع أطرافًا عربية إلى التراجع عن دعمها للاتفاق إذا اعتبرته بلا أفق سياسي حقيقي للفلسطينيين.
وبينما يفاخر ترامب بوساطته التي أنهت الحرب مؤقتًا، تبدو الطريق إلى سلام دائم مليئة بالعقبات السياسية والإيديولوجية، سواء داخل إسرائيل أو بين الفصائل الفلسطينية، ما يجعل إنجاز الرئيس الأميركي أقرب إلى هدنة هشة منه إلى اتفاق تاريخي شامل.