"غضب الأحمر" اللون في الصورة الحسيّة

الشاعرة السورية سهى سلوم تصر على تكرار مفردة "أنا"، وكذلك الألوان والفاكهة الطريّة في نصها.


نصوص المرأة تبقى لغزاً محيّراً خصوصاً عندما تتحدّث عن ذاكرة الجسد النفسية والعاطفية لأنها تنوء بثقله وهمومه التي لا تنتهي


ضمير الشاعرة "أنا" هو المحور الرئيسي الذي تدور حوله ومعه جميع الأحداث

تبقى نصوص المرأة نصوصا لا يجيدها الرجل حتى لو حاول أن يتقمص شخصية المرأة والبوح عن لسان حالها، تبقى هذه النصوص لغزاً محيّراً خصوصاً عندما تتحدّث عن ذاكرة الجسد النفسية والعاطفية لأنها تنوء بثقله وهمومه التي لا تنتهي، وكثيرا ما يبقى خطابها الشعري عبارة عن إنصات لهذا الجسد وحركاته وقلقه، ودائما ما تحاول ان تتخفّى وراء ثوراته أو تحاول الاجتهاد أن تتناسى مشاغبته وتمرّده فتغرّد باهظة الصوت والعذوبة، فلكل مفردة انعكاسات وتداعيات تصدر من أماكن بعيدة لدى الشاعرة تبوح بها أما عن قصدية أو لا قصدية .
إنّ نظرة سريعة إلى النسيج الشعري للشاعرة سهى سلوم هنا، سنلاحظ الإصرار على تكرار مفردة "أنا"، وكذلك الألوان والفاكهة الطريّة. إن استخدام وتكرار الضمير المنفصل "أنا" لم يكن عبثيا ولم يكن هذا الضمير عبارة عن زوائد ونفايات نصيّة رهّلت النسيج الشعري عند الشاعرة، بل بالعكس استطاعت أن تشحن نسيجها الشعري بحالات شعورية عنيفة، فكانت كالقناديل التي تشعّ، ومن خلالها يمكننا الولوج إلى عالم الشاعرة وفكّ رموز وشفرات النصّ. 
لقد كان ضمير الشاعرة "أنا" هو المحور الرئيسي الذي تدور حوله ومعه جميع الأحداث، إنه الصوت العالي الذي بثّ في النصّ الكثير من الدلالات والقيم الجمالية إضافة إلى تحريك الإيقاع الموسيقي باستمرار، عن طريقه أصبح النسيج الشعري أكثر قوة وترابطا وكأنّه سلسلة ذهبيّة بديعة الصنع .
لو حاولنا قراءة العنوان "غضب الأحمر"بتمعن لوجدناه يتكون من مفردتين "الغضب – الأحمر"، فالغضب هو عبارة عن عدم الارتياح والامتعاض "نفس – بدن" وهو موجود لدى الجميع كشعور طبيعي، وقد يكون هذا الشعور شديدا تصاحبه انفعالات نفسية وسلوكية تطول في بعض الأحيان، وتهدأ في أحيان أخرى تبعا للمسبب والمثير، إذن مفردة "الغضب" هي دلالة شعورية تمتلك من الإيحاء الشعوري طاقات وتعابير صورية ونفسية وجسدية، أما مفردة "الأحمر" فهي عبارة عن إشارة حسّية – بصرية – نفسية – وجمالية أيضا لما للألوان من تأثيرات ودلالات، هذه الإشكالية جعلت من العنوان مثيرا للكثير من التساؤلات عن هذا الغضب، وهذا الأحمر، فلماذا هذا الغضب والهيجان؟! ومَنْ هو هذا الأحمر؟! لقد كان هذا العنوان خصبا بإيروسيته التي ستتضح أكثر فأكثر كلما تقدمنا في قراءة هذا النصّ .
للمرة الوحيدة نجد الذات الأخرى ظاهرة في لغة الشاعرة عندما تشير إليها من خلال مفردة "جعلتني"، وكأن هذه الذات الأخرى قد أشعلت النيران في الذات الشاعرة واختفت أو حاولت الذات الشاعرة التخلّص من سلطويتها عليها، لقد هيّجت الذات الأخرى براءة الذات الشاعرة الرقيقة والمكبّلة بالخجل والطفولة، فانبعثت شلالات الحبّ عنيفة زلزلت سكون حياتها وبثّت فيها الدفء والحيوية بعد أن كانت غافية، لقد أقلقتها كثيرا حين غيّرت من نمطية حياتها الشيء الكثير بعد أن استسلمت لقدرها فأصبحت ترى كل ما حولها ورديا حتى شامتها السوداء كإشارة إيروسية مثيرة ولدت من جديد، ولكن بلون وردة جورية زاخرة بالجمال والعطر والأنوثة والشبق، هذا ما نجده في هذا المقطع :
غضب الأحمر
جعلني أرى كل ما بي وردياً، 
حتى شامتي السوداء 
على خصر الهزيمة 
ولدت وردة جورية .
ومن الآن فصاعدا ستختفي الذات الأخرى "الخالقة" لتطفو - وبقوة - الذات الشاعرة على طول النسيج الشعري، ويبرز بشكل واضح ومتعمّد الضمير المنفصل "أنا" وكانّها استطاعت أخيرا أن تتخلّص من هذا الارتباط الذي أحدث فيها كل هذه التغييرات النفسية والجسدية، الذات الأخرى التي فعلت فعلتها واختفت من الساحة، وتبدأ هذه الذات بالعزف على أوتار الجسد المنهك للتنبيه عن حالات شعورية معينة، أو هي محاولة على تأكيد ذاتيتها وتفخيمها كردّة فعل لما أصابها، وما تكرارها هنا إلاّ لبيان حالة الصراع النفسي والتخفيف عن حالة التوتر المحتدم الذي تعجّ في نفسها.  

شاعرة سورية
حيوية مستمرة

أنا مخمل النبيذ 
وقطيف الدراق 
وساتان الكرز .
أنا كشمير التفاح 
وحنين الموز 
ومهير الإكيدينا .
وتحاول الذات الشاعرة أن تدعو وتؤكد أنوثيتها في محاولة للخلاص من هذا التشنج النفسي والقلق المبرح، إنها تحاول إثبات استقلاليتها عن الذات الأخرى بشتى الطرق، لكنها محاولات فاشلة ومفضوحة أثبتت هنا عجزها وحاجتها إلى تلك الذات الأخرى لكي يتعزز حضورها، إنها حالة من التودد للذات الأخرى واستدراجها .
أنا خيوط الذاكرة،
أنا غنج الكحلي 
حين يراود رمادي الأمس .
مرّة اخرى تبرز الـ "أنا" هذا الضمير المبتلى من أجل إحداث حالة شعورية لدى المتلقي والتوكيد وإثبات حضور الذات الشاعرة، وخلق لحالات موسيقة متداخلة بسبب رومانسيتها وغنجها من أجل رصّ النشيج الشعري رصّا ينبعث منه حالات شعورية ودلالية تعضّد من تماسكه وتبعث فيه حركية مستمرة .
أنا كبرياء البنفسج 
حين يكسر الحداد، 
وأنا الأصفر العفيف 
حين أزواج حامض الليمون 
ليطرد أرض الزرافة 
من خجل البني . 
تحاول الذات الشاعرة أن تستعرض جمالها وفتنتها من خلال ذكر الألوان المتعددة وكأنها قوس قزح، فكل مقطع نصّي هنا سيكون فيه لون معين، له ما له من دلالات، حاولت الذات الشاعرة من خلال هذا الألوان التلميح إلى وجودها، إنها حالة من التفاوض المعلن مع الذات الأخرى للوصول إلى حالة الاستقرار والهدوء والعيش في نعيم وسلام والتخلّص من هذه الصراعات المحتدمة .
أنا المرقط الأفعى 
لبيض النعام .
أنا خجل البرتقالي 
من شفاه المشمش .
أنا غضب الأحمر 
على طربوش السلطان
إنّ ذكر الألوان وتكرارها (الأحمر / الاسود / الوردي / الكحلي / البنفسج / الأصفر / البني / البرتقالي) لها دلالات نفسية وصورية حسّية ملوّنة، فمنها ما يرمز إلى التحذير ومنها ما يرمز إلى الحبّ والهدوء والدفء وسموّ الأخلاق، ومنها ما يبعث على الاطمئنان والأمان ومنها ما يدل على الوضوح التام أو الغموض في نفس الوقت، ومنها ما يدل على قوة الشخصية وتماسكها وثقتها، ومنها ما يدل على رقّتها وعذوبتها، ومنها ما يدل على المعنويات المرتفعة واحترام الذات والتفاؤل أو الخوف والقلق ومنها ما يدل على تماسك الشخصية وحزمها. 
كل هذه الألوان شكّلت لنا صورا حسّية، فتحت لنا آفاقا جديدة في إعادة قراءة النصّ وفتحت أمامنا أبوابا للتأويل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى استطاعت الشاعرة أن تستحضر بعض الفواكه مثل (الدراق / الكرز / التفاح / الموز / الليمون / والمشمش) وتزرعها داخل نسيجها الشعري، فجاءت ناضجة لذيذة جعلت من النصّ بستانا زاخرا بالحياة والأنوثة. 
إن تكرار كل هذه الفواكه فيها من الدلالات الإيروسية ما وهب النصّ حيوية مستمرة، هذه الفواكه تشير من بعيد أو قريب إلى أنوثة الذات الشاعرة ولطعمها اللذيذ وملمسها المثير الناعم وطراوتها وقسوتها، هذا التنوع في الفواكه إنما يدل على شبقية الذات الشاعرة وما هي إلا بعضا من صفاتها عكستها من خلال هذه الفواكه المتنوعة. فجسد الأنثى زاخر بكنوزه الهامدة، ولكن متى ما لامستها أعواد الثقاب تدفقت بالعطايا على شكل نصوص راعشة مدهشة جاءت على شكل صور حسّية ذوقية ذات دلالات من خلالها استطعنا الولوج إلى نفس وفكر الشاعرة: سهى سلوم .