غوغل تكسر القيود التقنية وتسمح لاول مرة بتعديل عناوين 'جيميل'
سان فرانسيسكو (كاليفورنيا) – في خطوة وُصفت بأنها "نهاية حقبة" في تاريخ الهوية الرقمية، بدأت شركة غوغل التابعة لمجموعة (Alphabet Inc) طرح ميزة تقنية طال انتظارها، تسمح لمليارات المستخدمين بتغيير عناوين بريدهم الإلكتروني الأساسية (Gmail) دون الحاجة إلى التخلي عن بياناتهم أو إنشاء حسابات جديدة.
ويأتي هذا التحول النوعي، الذي بدأ تطبيقه التدريجي في أواخر ديسمبر/كانون الاول 2025، ليعالج واحدة من أكثر الشكاوى إلحاحاً من قبل المستخدمين منذ إطلاق خدمة "جيميل" في عام 2004، حيث كان يُنظر إلى عنوان البريد الإلكتروني على أنه "وشم رقمي" دائم لا يمكن تغييره.
لسنوات طويلة، أكد مهندسو غوغل أن تغيير عنوان البريد الإلكتروني الأساسي يمثل كابوساً تقنياً نظراً لارتباط العنوان بآلاف الخدمات وقواعد البيانات المترابطة. إلا أن التحديث الجديد يعتمد على بنية تحتية مطورة تُعرف بـ "نظام الهوية المرنة" (Flexible Identity System).
وبموجب هذا النظام، يستطيع المستخدم اختيار عنوان جديد ينتهي بـ @gmail.com مع الاحتفاظ بالعنوان القديم كـ "اسم مستعار" (Alias) يعمل في الخلفية. وتضمن هذه الآلية وصول الرسائل المرسلة إلى كلا العنوانين (القديم والجديد) إلى نفس صندوق الوارد، مما يضمن عدم ضياع أي مراسلات خلال فترة الانتقال.
شروط صارمة
ولم تغفل غوغل الجوانب الأمنية؛ حيث وضعت الشركة ضوابط صارمة لضمان عدم استغلال الميزة في عمليات الاحتيال أو انتحال الشخصية. وبحسب وثائق تقنية اطلعت عليها "رويترز"، فإن القواعد الجديدة تشمل:
- تحديد الوتيرة: يُسمح للمستخدم بتغيير عنوانه مرة واحدة فقط كل 12 شهراً.
- سقف التغييرات: لا يمكن للمستخدم تغيير عنوانه أكثر من ثلاث مرات طوال عمر الحساب، وذلك لمنع خلق هويات رقمية مضللة أو مؤقتة.
- حجز العناوين القديمة: بمجرد تغيير العنوان، يظل العنوان القديم "محجوزاً" لصاحبه الأصلي كاسم مستعار، ولا يمكن إعادة طرحه للمستخدمين الآخرين تحت أي ظرف، وهو إجراء وقائي لمنع الجهات الخبيثة من الاستيلاء على العناوين المهجورة.
دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي ساعد غوغل في أتمتة العملية
أحد أبرز مكاسب هذا التحديث هو "التكامل السلس للبيانات". فخلافاً للطرق التقليدية التي كانت تتطلب نقل الملفات يدوياً، تضمن الميزة الجديدة بقاء كافة الصور في "Google Photos"، والملفات في "Google Drive"، والاشتراكات في "YouTube" مرتبطة بالهوية الرقمية للمستخدم بغض النظر عن العنوان الظاهر.
ويرى محللون أن دمج تقنيات الذاء الاصطناعي "Gemini" ساعد غوغل في أتمتة عملية "إعادة تعيين الخرائط" (Mapping) لملايين المدخلات في قواعد البيانات، وهو ما كان يمثل العائق الأكبر أمام تنفيذ هذه الميزة في العقد الماضي.
تستهدف غوغل من هذه الخطوة تعزيز ولاء المستخدمين في سوق تتزايد فيه المنافسة من قبل منصات مثل "أوتلوك" (Outlook) التابع لمايكروسوفت، وخدمات البريد المشفر مثل "بروتون" (Proton)، والتي كانت تقدم مرونة أكبر في إدارة العناوين المستعارة.
من الناحية الاجتماعية، يمثل التحديث طوق نجاة للمستخدمين الذين أنشأوا حساباتهم في مراحل عمرية مبكرة بأسماء غير احترافية، أو أولئك الذين يرغبون في تغيير هوياتهم الرقمية لأسباب تتعلق بالخصوصية أو تغيير الحالة الاجتماعية، دون فقدان سجل مشترياتهم وتطبيقاتهم على متجر "غوغل بلاي".
ردود أفعال السوق
وقال مارك وودز، كبير محللي التكنولوجيا في مؤسسة "Identity Research": "غوغل تدرك أن الهوية الرقمية في عام 2025 يجب أن تكون متطورة. الناس يتغيرون، ووظائفهم تتغير، وحتى أسماؤهم تتغير، وكان من غير المنطقي تقنياً إجبارهم على حمل عنوان بريد إلكتروني اختاروه قبل عقدين من الزمن".
ورغم الترحيب الواسع، تظل الميزة حالياً حكراً على أصحاب الحسابات الشخصية، بينما لم تعلن الشركة بعد عن موعد توفرها لمشتركي "غوغل وورك سبيس" (Google Workspace) في المؤسسات والشركات، حيث تخضع هذه الحسابات لبروتوكولات أمنية وإدارية أكثر تعقيداً.
من المتوقع أن يكتمل طرح الميزة لكافة المستخدمين حول العالم بحلول الربع الأول من عام 2026. وتتوقع مصادر في الصناعة أن تؤدي هذه الخطوة إلى موجة جديدة من النشاط على حسابات غوغل "الخاملة"، حيث سيسعى ملايين المستخدمين إلى تحديث هوياتهم الرقمية لتلائم واقعهم الحالي.
وبينما لم تصدر مجموعة "ألفابيت" بياناً رسمياً حول التأثير المالي لهذه الخطوة، إلا أن أسهم الشركة شهدت استقراراً ملحوظاً مع توقعات بزيادة فاعلية الإعلانات المستهدفة بفضل تحديث المستخدمين لبيانات هويتهم بشكل أكثر دقة واحترافية.