غوغول الذي أرسى القواعد لكافكا
الكلّ يعاني، بلا شك، والمعاناة تتفاوت من شخص لآخر ومن طبقة لأخرى؛ وبسبب تلك المعاناة، تنتاب الأفراد كوابيس كثيرة، قد تكون من محض الخيال أو مشتقّة من الواقع الذي يحسبه الفرد أليمًا ولا يراعي متطلّباته. قد يستهين البعض بما ينتاب الآخر من هواجس، بل وقد يقلّل من أهميتها، لكن المتّفق عليه أنه لا يوجد فرد واحد على مرّ الزمان قد أراد أن يبدّل مصيبته بمصيبة أي شخص آخر؛ وذلك لأن كلّ واحد قد تعلّم الطريقة المثلى للتعامل مع ابتلائه.
بيد أنّ المصيبة التي تُرعب الجميع بلا استثناء هي تلك التي تصيب الصحّة أو الحالة الجسدية. وعلى الرغم من ذلك، قد يعتاد الفرد والمجتمع على وجود هذا الابتلاء أيضًا. ومع ظهور مسرح اللامعقول (Theatre of the Absurd) في خمسينيات القرن الماضي، عمد الكتّاب إلى إثارة الضحك على المصائب المصاحبة للارتعاد خوفًا من كوابيس لا يمكن الخلاص منها أو حتى الفرار منها، ولو للحظات، كما قدّمت مسرحيات جون جينيه (Jean Genet) ويوجين يونسكو (Eugene Ionesco)، وغيرهما من كتّاب مسرح اللامعقول ومسرح القسوة (Theatre of Cruelty).
وقد يظنّ البعض أنّ فرانز كافكا (Franz Kafka) هو من أرسى دعائم هذا اللون الأدبي، وينظر إلى جميع أعماله التي تدور في فلك هذا الإطار، وبالأخص قصّته القصيرة "التحوّل" (Metamorphosis)، على أساس أنها نقطة الانطلاق الحقيقية لمسرح اللامعقول وتوابعه؛ وذلك لتوافر عنصر الفكاهة الممزوجة بالرعب الناجم عن وضع كابوسي، والسخرية من وضع الإنسان داخل مجتمعه. فعلى سبيل المثال، في قصة "التحوّل" يصحو فرد من نومه ليجد نفسه قد تحوّل إلى "صرصار"، ثم يُسهب كافكا في وصف معاناة الفرد ومحاولاته غير المجدية للتأقلم مع واقعه الجديد المرير.
وبالبحث أكثر في أعماق الأدب العالمي، يُلاحظ أن احتفاء العالم بما تركه كافكا من ميراث أدبي فريد يُعزى الفضل فيه إلى معلّمه الذي أثرى خياله وخيال كتّاب وفنانين كُثُر ذاع صيتهم في دول مختلفة من العالم، وهذا المعلّم هو الكاتب الروسي النابغة نيكولاي غوغول (Nikolai Gogol) (1809–1852)، الذي كان سوء الحظ رفيق دربه، وكانت نهايته في ريعان شبابه أيضًا أكثر مأساوية من كافكا. ولعلّ أبلغ دليل على سوء حظّه هو عدم اكتشاف ريادته لهذا الفن لقرون عديدة، مما أفسح المجال لجاره التشيكي كافكا للانتشار على نطاق عالمي؛ ويُعزى ذلك إلى أن إنتاج كافكا الأدبي كان مكتوبًا باللغة الألمانية، التي كانت ترجمتها إلى الإنكليزية والفرنسية أكثر تداولًا، إلى حدّ بعيد، من اللغة الروسية التي كتب بها غوغول أعماله.
وواحدة من أشهر أعمال نيكولاي غوغول التي تلقّفها المجتمع الدولي عند ترجمتها، ناهيك عن الاحتفاء الكبير بها عندما قدّمها في روسيا القيصرية عام 1836، كانت قصّته القصيرة «الأنف» (Hoc باللغة الروسية)، والتي أُعيد تقديمها في روسيا في شكل أوبرا عام 1930، ثم تناقلتها عواصم ودول العالم، فُقدّمت في شكل أفلام قصيرة وأفلام طويلة ومسرحيات، ومؤخرًا في شكل فيلم كرتون عام 2020. أضف إلى ذلك أن القصة حُوّلت إلى مسرحية موسيقية فازت بجائزة "غرامي" (Grammy) عام 1990. ومن أهم أسباب هذا الاحتفاء العالمي بقصّة قصيرة واحدة أنها ترقى إلى خليط غير مألوف من الأجناس الأدبية، ممزوج بعبقرية مفرطة في الأسلوب السردي. ويُضاف إلى كل ذلك أنها تمزج بين أسس مسرح اللامعقول والجنس الأدبي الذي يُسمّى "كوميديا من أجل الكوميديا"، أو ما يُطلق عليه أيضًا "كوميديا الفارس" (Farce Comedy).
ولنقد المجتمع الروسي في ذلك الوقت بقسوة مفرطة، لم يلجأ غوغول إلى الرمزية الكابوسية التي تجعل القلوب تقطر دمًا، كما في قصّته القصيرة "المعطف"، بل وظّف الرمزية ودمجها بعنصر اللامعقول الغريب (Grotesque) ليجعل المشاهد والقارئ يضحك ويستمتع، وفي الوقت نفسه يفكّر في المغزى الحقيقي للقصة التي تشبه الكابوس. وعلى الجانب الآخر، يقف الكاتب بعيدًا عن سير الأحداث، ويترك التعليق بضمير الغائب أو شرح المواقف لراوي القصة، إلا أنّ غوغول يطلّ في بعض الأحيان على أحداث القصة بصفته الكاتب، من أجل التعليق بسخرية على المواقف.
وقصّة "الأنف" تقع في ثلاثة أجزاء، وتدور حول الشخصية المحورية للأحداث، وهو الرائد كوفاليوف (Major Kovalyov)الذي يستيقظ من نومه يومًا ليجد أن أنفه غير موجودة في وجهه. والأغرب من ذلك أن البطل الضدّ في القصة هو الأنف ذاتها.
الجزء الأول من القصة يُلقي الضوء على حلّاق يصحو بعد ليلة عاقر فيها الخمر ولا يتذكّر ما حدث له خلالها، وعند تقديم زوجته الفطور له، يهمّ بفتح الخبز الطازج ليجد أنفًا داخل الرغيف. دون أدنى شك، ترتعد الزوجة من وجودها، وتصرّ على ضرورة تخلّص زوجها من تلك الأنف بأقصى سرعة. وفي ذلك الوقت، يذهب الزوج إلى النهر ليلقي بالأنف، لكن يقبض عليه شرطي بعد إلقائها، لرغبة الشرطي في معرفة ما ألقاه هذا الرجل في النهر.
وفي الجزء الثاني من القصة، يستيقظ الشاب المغرور كوفاليوف، الذي يشغل رتبة مدنية تُترجم إلى "المقيّم الجامع"، لكنه يفضّل أن يناديه الآخرون بالرتبة التي تقابلها في الحياة العسكرية، ألا وهي "رائد" ويُعزى السبب إلى أن الرتب العسكرية أرقى من نظيرتها المدنية، وتنقل الفرد إلى مكانة اجتماعية أفضل. وهنا ينتقد غوغول وضع عامة الشعب الذين فتح لهم الإمبراطور الإصلاحي بطرس العظيم باب الارتقاء في الحياة العسكرية والتمتّع بالرتب التي كانت سابقًا حكرًا على طبقة النبلاء، وذلك تحقيقًا للمساواة بين جميع أفراد الشعب. لكن ما حدث هو أن كل من تمتّع بتلك الرتب أصابه الجشع المصحوب بالغرور والتعالي على الآخرين.
ويوضّح غوغول ذلك في سلوك كوفاليوف مع الحلّاق، إذ كان يكيل له السباب، ولم يدافع الرجل عن نفسه أو حتى يُظهر علامات الامتعاض. وتظهر الجوانب الأخرى من شخصية كوفاليوف السيئة عند تعامله مع النساء اللواتي ينعتُهُنّ بالساقطات، إذ تتلخّص علاقته بهن في ملاحقتهن ورغبته في اصطحاب كل من يغازلها إلى منزله. أضف إلى ذلك أن هدفه الأوحد هو الإيقاع بامرأة ثرية في حبائله ليتزوّجها ويحظى بمكانة اجتماعية أكبر.
لكن صدمته المفجعة يتلقّاها عندما يستيقظ من نومه ولا يجد أنفه حين ينظر إلى وجهه في المرآة، وحينها يبدأ في نعي اختفائها، ولا يهمّه في الأمر إلا أن أنفه كانت جميلة وتُكمل بهاء طلعته التي يغوي بها الفتيات. ولهذا السبب يقرّر البحث عنها. وبعد أن يغطي وجهه بمنديل حتى لا يظهر نقصه، يذهب إلى قسم الشرطة ليبلّغ عن أنفه المفقودة، فيطرده الضابط لأن بلاغه مستحيل الحدوث. ثم يتوجّه إلى صحيفة لينشر إعلانًا عن ضياع أنفه، لكن الموظف يرفض أيضًا لغرابة الموضوع. وعند نزوله إلى الشارع مرة أخرى، يجد كوفاليوف أنفه تمرّ من أمامه في طريقها إلى دخول الكنيسة لأداء الصلوات، لكنه يخشى الاقتراب منها، لأنها ترتدي بزّة عسكرية لرتبة تفوق رتبته. ولا تقف غرابة الأمر عند هذا الحد، فالأنف تكبر وتصغر حسب المواقف، وتتخفّى أيضًا في صورة طبيب. وحتى عندما يقبض رجل الشرطة عليها، لا يستطيع الطبيب لصقها مرة أخرى في وجه كوفاليوف، وأخيرًا ينصحه بالتخلّي عنها ويعرض عليه شراءها بمبلغ مُرضٍ.
وفي تلك الأثناء، يحاول غوغول أيضًا تحويل غياب الأنف إلى كابوس مزعج، ولا سيما عندما يُقدَّم العُطاس إلى كوفاليوف ولا يستطيع استنشاقه لغياب أنفه.
وتستمر الأحداث على هذا المنوال اللامعقول والغريب، إلى أن يفتح الجزء الثالث من القصة على كوفاليوف، الذي يستيقظ ليجد أنفه في مكانها، ويعلم أن كل ما مرّ به كان مجرّد حلم. وجاءت نهاية القصة مكتوبة بطريقة عبقرية؛ إذ إن غوغول ذكرها في عنوان القصة نفسه، وهو كلمة Hoc التي إذا قُرئت بطريقة عكسية أصبحت Coh، وهي كلمة تعني حلم باللغة الروسية.
وقد اختار غوغول الأنف لأنها، في الثقافة الروسية والعديد من الثقافات العالمية، رمز للتعالي والتكبّر وكذلك الكرامة. أمّا أحداث الرواية، فيقصد بها إلقاء الضوء على التفاهة التي صارت نهجًا في المجتمع الروسي آنذاك، وكيف يعمل الموظفون الحكوميون على استغلال مناصبهم في قهر عامة الشعب.
وكان غوغول يردّد دائمًا "لا جدوى من إلقاء اللوم على المرآة إذا كان وجهك قبيحًا"، ويقصد بذلك أنه لا يجب إلقاء اللوم كله على الظروف والمجتمع، بل يجب على الفرد أولًا أن يُصلح نفسه. والسبب الحقيقي في تقديمه الكوميديا المفرطة الممزوجة بالغريب واللامعقول هو إيمانه بأن "التمعّن في التفكير الحذر في القصص التي تثير الضحك يجعل الفرد يُدرك أنها تثير الشعور بالحزن"، وهذا ما يستهدفه غوغول حين يُمتع قارئه، ثم يطلق له عنان أفكاره لنقد الأمور غير السويّة في المجتمع.
الأعمال العبقرية والكتّاب الموهوبون لا تموت أعمالهم مهما تغيّرت الظروف وتوالت الأزمنة، وقد استطاع غوغول أن يحفر لنفسه تلك المكانة، ولا تزال قصّته تحذّر العالم، الذي يمضي في طريق نهايته الندم، من هجرة الأنوف.