فاروق عبدالقادر يؤرخ لازدهار المسرح المصري وسقوطه

الناقد المصري ليس من المؤمنين بجدوى التنقيب في كتب التراث لتصيد عناصر مسرحية تناثرت هنا وهناك.


الأراجوز يمكن أن يؤرخ به كبداية جنينية للمسرح العربي


مسرحية "عرابي" هاجمت أحمد باشا عرابي واعتبرته مسئولا عن الاحتلال البريطاني لمصر

القاهرة ـ من حازم خالد

في كتابه "ازدهار وسقوط المسرح المصري" أكد الناقد الراحل فاروق عبدالقادر أنه ليس من الذين يؤمنون بأن أسلافنا العرب قد عرفوا المسرح ضمن أشكال الأدب العربي القديم، كما أنه ليس من المؤمنين بجدوى التنقيب في كتب التراث لتصيد عناصر مسرحية تناثرت هنا وهناك، ولكن مع ذلك فإن المؤلف يذهب إلى أن في مقامات الحريري وبديع الزمان بعض العناصر المسرحية التي أجهضها الذي يحرم التمثيل تحريما تماما، فقنع أصحابها بأن يجعلوها على الورق، تاركين للراوي أو الخيال أن يقوم بدور الممثل.
ويذهب المؤلف إلى أن ابن دانيال - وهو حكيم العيون المصري الشهير في فترة تاريخ مصر الوسيط والذي كان يقيم إلى جوار بوابة الفتوح – أراد أن يجعل من فن (المقامة) بذرة جنينية نبت من خلالها المسرح المصري بعد ذلك ولو بفترة طويلة، فاستبدل بالراوي الفرد شكلا من أشكال الظل للشخصيات التي يتم عكسها على ستارة مضيئة أمام جمهور المشاهدين، وحيث قام الراوي بدور رئيس الفرقة المسرحية، كما أصبح جمهور المشاهدين الذي كان متخيلا في الأشكال السابقة جمهورا حقيقيا هذه المرة، ولكن كان يجب على الراوي وشخصياته الظلية أن تدخل في حوار مع الجمهور حتى تضمن إقبال الجمهور على هذا العرض المسرحي البدائي، لأن من إقبال الجمهور يأتي رزق الفرقة وأعضائها.
 وكانت الخطوة المنطقية بعد ذلك هي الانتقال من حاجز التمثيل بالخيال إلى عتبة التمثيل بالأشخاص، ولكن حاجز التحريم الديني الذي كان سائدا نحو التمثيل منع التطور في اتجاه التمثيل البشري وظهور المسرح بشكله الذي ظل فيما بعد، وهو ما يعتبره فاروق عبدالقادر بمثابة ضياع فرصة لقيام مسرح عربي في فترة العصور الوسطى.
ولكن مع ذلك فإن هذه التجربة المبكرة لمسرح خيال الظل قد تركت أثارها في اتجاهين، الأول هو الفصول المضحكة التي عرفتها البيئات الشعبية في المدينة والريف، ثم فن الأراجوز الذي قام بدوره عندما انحسر الدور الذي يقوم به خيال الظل، حيث اشتهر فن الأراجوز بأن له لسانا لاذعا وصوتا له فحيح طيب القلب محب للمرح، وما أسرع أن تمتد يد الأراجوز إلى عصاه عندما تقتضي الظروف.
وهكذا اعتبر المؤلف أن الأراجوز يمكن أن يؤرخ به كبداية جنينية للمسرح العربي الذي عرفته عدد من الدول العربية، بداية بمصر والشام، في أعقاب صدمة اليقظة في أوائل القرن التاسع عشر، وحيث يورد المؤلف ما ذكره الجبرتي، أعظم مؤرخي هذا العصر، عن المسرح الذي أنشأه الفرنسيون خلال فترة الحملة الفرنسية في مصر، وبالتحديد في عام 1800. 
وجاء وصف الجبرتي لهذا المسرح بأنه: "محل كبير يتمتعون فيه كل عشر ليال ليلة واحدة، يتفرجون على ملاعيب يلعبها جماعة منهم بقصد التسلية والملاهي مقدار أربع ساعات من الليل، بلغتهم، ولا يدخل إليه أحد إلا بورقة معلومة وهيئة مخصوصة". 
ويشير المؤلف إلى أنه بعد هذه الإشارة المبكرة للمسرح المصاحب للحملة الفرنسية في تاريخ الجبرتي، فإن المصادر التاريخية الموثوقة لا تذكر أي محاولات أخرى عن أي محاولة لتأسيس مسرح في مصر، بخلاف محاولات بعض جماعات المستوطنين الأوروبيين في مصر والشام لتقديم عروض مسرحية قليلة الأهمية والقيمة الفنية في نواديهم، وحيث يعتبر المؤلف أنه لا يمكن الحديث عن بداية حقيقة لظهور المسرح العربي قبل مارون النقاش في بيروت في سنة 1847، ثم أبي خليل القباني في دمشق سنة 1865، وبعد ذلك يعقوب صنوع في القاهرة سنة 1870.
الرواد الثلاثة للمسرح العربي
ويشير فاروق عبدالقادر في كتابه إلى أنه بعد هؤلاء الرواد الثلاثة للمسرح العربي فإن التجارب المسرحية في مصر ظلت تراوح مكانها بين المسرحية الغنائية التي تتخللها مقطوعات منظومة يؤديها أفراد أو جماعات، وبين مسرحيات مقتبسة من أصل معروف أو غير معروف، لكن مع الوقت تأسس للمسرح العربي مراكز في القاهرة والإسكندرية وبيروت ودمشق، ثم مع الوقت بدأ الفنانون الشوام في القدوم للقاهرة أو الإسكندرية مستفيدين من وجود جالية شامية كبيرة في مصر، ولمعت من بين هؤلاء الفنانين الشوام أسماء مثل القباني ويوسف خياط  واسكندر فرح وجورج أبيض وسليمان القرداحي، ثم ما تلبث أن تنطلق من القاهرة فرق مسرحية من الفرق التي لمعت بها نحو المغرب العربي، بل أن سليمان القرداحي يستقر بفرقته في تونس ويموت ويدفن هناك في عام 1908، كما عرفت الجزائر المسرح بعد أن زارتها فرقة جورج أبيض في عام 1921 وقدمت على مسارحها عملين من تأليف نجيب حداد.
لكن حتى هذه الفترة كان المسرح بعيدا عن التعبير عن قضايا المجتمع ، بل إن مسرحية عرفت باسم "عرابي" هاجمت أحمد باشا عرابي واعتبرته مسئولا عن الاحتلال البريطاني لمصر، وكانت العروض المسرحية في ذلك الوقت تركز فقط على الترفيه عن فئات بعينها ممن يصفهم المؤلف بأنهم المتمصرون - الأتراك، وهي الفئات الميسورة مثل التجار الذين كان في مقدورهم دفع ثمن تذكرة المسرح، ولم تظهر ملامح واضحة لمسرح مصري خالص قبل مرور فترة انتقالية ظهرت خلالها مسرحيات تاريخية مثل مسرحيات "بنت الأخشيد"، و"أبطال المنصورة"، و"الحاكم بأمر الله".
ومنذ عام 1912 تقريبا ظهر مسرح علي الكسار الذي استمر حتى نهاية الأربعينيات دون توقف، وكان له دائما جمهوره الذي يسعى وراء الضحك البرئ على كوميديا البطل الأوحد الذي أطلق عليه اسم ثابت في كل أعماله المسرحية، وهو عثمان عبدالباسط أو (بربري مصر الوحيد)، ثم ظهر بعد ذلك كل من يوسف وهبي وبديع خيري ونجيب الريحاني، حيث اعتمد المسرح الذي قدمه هؤلاء الثلاثة على النص وليس على البطل الفرد، وهنا يخلص إلى أن ذلك يفسر جزئيا اندثار مسرح علي الكسار وبقاء وتطور مسرح نجيب الريحاني ويوسف وهبي وبديع خيري، ذلك لأن الكسار اعتمد دوما على البطل الفرد فقط، بينما اعتمد الثلاثي الريحاني ووهبي وخيري على قوة النص المسرحي وتماسكه وتفاعل الجمهور معه.
يذكر أن كتاب "ازدهار وسقوط المسرح المصري" لمؤلفه فاروق عبدالقادر، تقديم جرجس شكري، صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في طبعة جديدة 2018. (خدمة وكالة الصحافة العربية).