فاسكو بوبا: شاعر أقرب إلى السوريالية الفولكلورية منه إلى السوريالية الأدبية

الشاعر الصربي من أصل روماني شكلت تجربته ظاهرة فريدة استطاعت أن تجمع ببراعة بين روح الحداثة التجديدية وعمق التراث الشعبي الصربي الغني.

يعتبر الشاعر الصربي من أصل روماني فاسكو بوبا (1922 ـ 1991) من أهم شعراء الحداثة صربيا وأوروبيا في النصف الثاني من القرن العشرين، وعلى الرغم من ذلك لم يحظ بشهرة عالمية مثله مثل نظرائه من الشعراء الأوروبيين، ربما بسبب كتابته باللغة الصربية وهي أقل انتشارًا على المستوى العالمي مما حد من وصول أعماله إلى جمهور أوسع، وربما لكونه ظهر في فترة كانت فيها أوروبا الشرقية تخضع لتأثيرات سياسية واجتماعية وثقافية معينة حدت من التبادل الأدبي الحر مع أوروبا. ومع ذلك شكلت تجربته ظاهرة فريدة استطاعت أن تجمع ببراعة بين روح الحداثة التجديدية وعمق التراث الشعبي الصربي الغني، لتقدم للعالم صوتاً شعرياً يتميز بالإيجاز الشديد، والرمزية المكثفة، والقدرة الفائقة على استحضار الصور الحسية الملموسة.

وتكشف المجموعات الشعرية الثلاث الأولى لفاسكو بوبا، وهي "لحاء" 1953، و"حقل الاضطرابات" 1956، و"سماء ثانوية" 1968، والتي ترجمها الشاعر العراقي حيدر الكعبي، ما يتميز به شعر بوبا حيث البنية الدائرية التي تعود فيها العناصر والرموز لتظهر في سياقات جديدة، مما يخلق إحساساً بالوحدة العضوية داخل القصيدة والمجموعة الشعرية ككل.

ويتجلى في المجموعات الثلاث الصادرة أخيرا عن منشورات غاف استلهام بوبا للأساطير والمعتقدات الشعبية الصربية، لكنه لم يقدمها بشكل تقليدي، بل أعاد صياغتها ودمجها في سياقات معاصرة، مانحاً إياها دلالات جديدة تتناسب مع تعقيدات العالم الحديث. كما يتجلى اهتمامه الخاص بالعالم المادي الملموس. أشياؤه اليومية، المناظر الطبيعية، وحتى الكائنات الحية الصغيرة، وكل ذلك يتحول في شعره إلى رموز عميقة تحمل دلالات إنسانية وكونية واسعة، حيث كان يرى في التفاصيل الصغيرة مفاتيح لفهم الحقائق الكبرى.

في مقدمته يلفت الكعبي إلى أن الترجمة التي اعتمدها هي ترجمة آن بننغتون للأعمال الشعرية الكاملة للشاعر، وقال "قد اعتمدتُ ترجمة بننغتون لأنها الأكمل والأقدم، ولعل هذا هو السبب في كونها الأكثر اقتباساً في الدراسات النقدية الإنجليزية الخاصة بالشاعر. وكذلك لأن بننغتون قامت بترجمتها بالتشاور مع الشاعر. أما ترجمة تشارلس سيميك لمختارات من شعر بوبا فقد لجأتُ إليها كلما التبستْ عليَّ بعضُ العبارات في ترجمة بننغتون.

وأضاف أن بننغتون في مقدمة ترجمتها أوضحت إن فاسكو بوبا "يتجنب العبارات المستعارة حديثا.. ويفضل الكلمات السلافية القومية الأقدم". وتضيف "إنه يستمد مادته من أدب القرون الوسطى، والشعرِ الشعبي، والتعاويذِ، والألغازِ، والألعابِ، والأساطير.. وإن الكثيرَ من هذه النكهة الشعبية يضيع في الترجمة الإنجليزية". وهذا متوقع من شاعر يرتكز في شعره على تراث بلاده الشعبي. وقد عَزَتْ رونيل أليكساندر السببَ في أن شعر بوبا لم يحظَ بدراساتٍ نقدية عميقة خارجَ بلاده إلى إدراك القارئ الغربي حقيقةَ أن شعر بوبا لا يمكن إعطاؤه حقَّه من التقييم إلا ضمنَ سياقِ يوغسلافيا. والنتيجة المنطقية لذلك كله هي أن تلك النكهةَ الشعبية التي ضاعت في الترجمة الإنكليزية ستضيع، لسوء الحظ، في ترجمتنا العربية هذه أيضاً.

وتابع الكعبي "تصِفُ بننغتون لغةَ بوبا بأنها "غنية إلى أبعد الحدود". لكنها في الوقت نفسه تشير إلى أن اللغة الصربية الأدبية لم تتشكل إلا في بدايات القرن التاسعَ عشرَ ولهذا فهي أقرب بكثير إلى لغة الشعب والتراث الشعبي الصربي من الإنكليزية، إذ لم يُتَحْ للغة الصربية الأدبية الوقتُ الكافي لتبتعدَ كثيراً عن اللغة الشفاهية. وتضيف بننغتون، في وصفها للغة بوبا، بأنه "مقتصد بصورة ملحوظة في استخدامه للغة: الكلمات مختارة وموضوعة في مكانها المناسب بدراية ودقة، لكي توصلَ رسالتَها بوضوح من دون مساعدةِ (أو إِشْغالِ) أدوات التنقيط." وتقول إن الإنكليزية تَستخدم دائماً تقريباً كلماتٍ أكثرَ من الصربية. ولهذا ينبغي أن نأخذَ في الاعتبار أن الجملة في النص الأصلي أقصرُ منها في الترجمة الإنكليزية، وأنْ نحاولَ قدرَ الإمكان التعويضَ عن هذا الفارق في الترجمة العربية حيثما أمكن. وذكرتْ بننغتون أيضاً خصائصَ أخرى تُميِّز اللغتين الصربية والإنكليزية عن بعضهما البعض (مثلاً: الإنكليزية تَكثُر فيها الكلماتُ القصيرة والكلمات المنتهية بحرفٍ صحيح، بينما تَنْدُرُ في الصربية الكلماتُ ذاتُ المقطع الصوتي الواحد، وغالباً ما تنتهي الكلمات فيها بحرفِ علة).

وأوضح أن بننغتون لم تذكر شيئاً عما إذا كان بوبا يكتب بوزنٍ وقافيةٍ أو لا. وعن هذا يحدثنا جون سيمون فيؤكد أنَّ بوبا يكتب بلا قافية ولا وزن، وفي الغالب بلا مقاطعَ شعريةٍ (ستانزا) حتى. وللتعرف عن كثبٍ على نسيجِ هذه اللغة وخصائصِ تلك القصائد لجأتُ إلى تسجيلاتٍ لقراءاتٍ شعرية بصوت الشاعر مقرونة بنصوص القصائد في الصربية. هذه القراءاتُ تؤكد ما قاله كلٌّ من بننغتون وسيمون: الجملُ قصيرة قِصَراً ملحوظاً، وليس ثمة نظامٌ وزنيٌّ واضح— هذا إذا وَثِقْتُ بأُذُنَيَّ طبعاً— ولا قوافٍ مقصودة، كما يبدو. ولكنَّ خلوَّ القصائد من القوافي والأوزان لا يعني أنها تخلو من بِنْيَةٍ موسيقية وإيقاعية تنتظمها. وهنا يكمن مصدرٌ آخرُ من مصادر الخسارة لا سبيلَ إلى تفاديه، وإن كانت هناك بعضُ الحيل لتقليصه، هو أيضاً.

وقال الكعبي أن بوبا بدأ نشرَ قصائده سنة 1951 وصَدَرَتْ مجموعتُه الشعرية الأولى "لحاء" سنة 1953 ومُنحت جائزةَ برانكو راديشيفتش ولكنها لم تحظَ برضا القراء ولا النقاد. فقد كانت القناعة السائدة هي أن الشعر اليوغسلافي ليس في حاجة إلى تحديث. لكنه واصل الوقوف ضد الأشكال التقليدية واستطاع أن يسهم في تغيير وجهة الشعر في بلاده. وفي 1968 فاز بجائزة دولة النمسا للأدب الأوربي. وبين 1956 و1982 أصدر "حقل الاضطرابات" 1956، و"سماء ثانوية" 1968، و"الأرض المنتصبة" 1972، و"ملح الذئب" 1975، و"اللحم النيّئ" 1975، و"البيت الواقع على الطريق العام" 1975، و"القَطْع" 1986، إضافة إلى مسودة مجموعة تاسعة غيرِ مكتملةٍ عنوانُها "الحديقة الحديدية". هذه المجموعات جميعاً تعتمد على نظام الدوائر الشعرية، أي أن القصائد المفردة تشكل جزءاً من مجموعة قصائدَ (سَبْعٍ عادةً) تنتظم في دائرة شعرية تجمعها وحدة موضوعية. وهذه الدائرة الشعرية تشكل وحدة في دائرة أكبر ضمن الكتاب الشعري. والكتب الشعرية بدورها تشكل أجزاء من دائرة أكبر هي الأعمال الشعرية الكاملة للشاعر. وإضافةً إلى شعره، أصدر مجموعات من الشعر الصربي الفولكلوري هي "التفاحة الذهبية" 1958، و"المرح الصاخب" 1960، و"شمس منتصف الليل" 1962.

ورأى أن موضوعات بوبا موضوعات كونية: الحياة، القدر، الموت، التكرار الأبدي للزمن. يقول تيد هيوز إن شعر بوبا أقرب إلى "السوريالية الفولكلورية" منه إلى "السوريالية الأدبية"، وإنه، شأنَ الفولكلور، يهتم "بالحياة تحت ظروف عملية صعبة والتحكم فيها بنجاح." وبوبا يعود دائماً إلى موضوعه المركزي: العلاقة بين الموت والوجود. وفي شعره يستكشف ويضفي معنى على مجرى التاريخ والزمن والعدم. لكن الكثيرين يرون أن بوبا ليس شاعراً متشائماً أو عدمياً، فإزاء خلفية الموت والرؤية التراجيدية للوجود، يقدم لقارئه رؤيا لإمكانية الحرية، محتفياً بالفعل الإنساني باعتباره وسيلةَ الفرد لتوكيد هويته والتغلب على رعب الوجود.

ولفت الكعبي إلى أن شعر بوبا تُرجم إلى عدد من اللغات الأجنبية بينها الإنكليزية. ولكنْ لا يوجد الكثير من النقد العميق لأعماله خارج بلاده يوغسلافيا. وتعتقد الناقدة رونيل ألكساندر أن السبب في ذلك هو "أن القارئ الغربي، رغم تأثره العميق بشعر بوبا، يدرك أن الأبعاد الكاملة لرسالته لا يمكن أن تُقيَّم إلا في سياقِ يوغسلافيا". ففي بلاده يُعتبر بوبا أحدَ أهم الشعراء الصرب في القرن العشرين. وفي الوقت الذي يعاني فيه النقاد الغربيون من مشقة تحليل العناصر الأسطورية والتاريخية الكثيفة في شعره، يقول الناقد الصربيُّ المَولِد جون سيمون إن فاسكو بوبا "أحد أفضل الشعراء الأوروبيين. وإن قصار النظر وحدهم هم من يَعُدُّون بوبا من مقلدي السوريالية". إنه لا يسمح لخيول اللاوعي أن تجمح على هواها، بل يمسك بزمامها ويقودها بنفسه. وقصيدته تنأى بنفسها عن الكتابة الأوتوماتيكية. إنها ليست تلك القصيدة التي تكتب نفسها عبر الشاعر. إنها قصيدة ذات بناء محكم، واعٍ، مدروس. وكثيراً ما يُمتدح شعرُ بوبا لمزجه السورياليةَ الأدبية بالفولكلور والأساطير والتاريخ الشفاهي لصربيا، وكذلك لتصويره الحقائقَ الوجودية للحياة بلا سفحٍ للعواطف. وقد أثنى النقاد على اقتصاده اللغوي، إذ تتركز المعاني في أقل الكلمات أو الرموز أو الأيقونات أو الصور، التي تدفع بالسردية إلى الأمام. وكلُّ كلمة تحمل شحنة وثقلاً هائلين. وهي كلمات تخلو من التعقيد أو التزيين أو التكلف. يقول تيد هيوز: "عندما يواصل بوبا الحفر عميقاً في حياته، كتاباً بعد آخر، يبدو كأن كوناً يمر عبر كونٍ آخر. إنه لَمِن أشد الأمور إثارةً في الشعر الحديث أن تراقب هذه الرحلة وهي تُصنع".

وأكد الكعبي أن شعر بوبا غنيٌّ بالرؤى الحُلْمِيَّة الصادمة، المفاجئة. يقول تشارلس سيميك: "إن القارئ لا يعرف أبداً ماذا يتوقع حين يفتح كتاباً جديداً من كتبه". إنه شعر يهتم بالأشياء، وخصوصاً غيرِ الحيّة (كرسي، ماعون، ورقة) لا بالأفكار، ويهتم بالملموس لا بالمجرد، وبالخاص لا بالعام. إنه يبث الحياة في تلك الأشياء، يؤنسنها، ويجعلها تتحرك داخل عالمٍ من صنعه. ولا شك أن تلك الأشياء ليست مجرد أشياء جامدة بالنسبة إليه، بل هي كائناتٌ لها حياتُها الخاصة، حياةٌ لا تستطيع أن تراها إلا عينُ الشاعر. فالسيجارة في منفضة التبغ "شمس صغيرة صفراءُ الشعر" مُطفأة في المنفضة، بينما "دمُ أحمرِ الشفاه الرخيصِ يواصل امتصاصَ العقِب الميت،" و"الياقاتُ تقضم رقبةَ الفراغ المتدلي،" و"المسافاتُ الزرقاء العيون تتكوَّر،" و"الحصان ذو السيقان الثماني يسحل الأرض كلها خلفه،" و"زهرة الهندباء هي عين العزلة الصفراء". هذه قصائدُ يصعب حصرُها داخل إطار منطقي، وسيبدو استنطاقها أمراً تعسفياً. وبالرغم من التزامه السياسي فإن فاسكو بوبا متحرر في شعره. فمن الصعب أن تصدق أن هذه القصائدَ الغريبة، شِبْهَ العابثة، التي لا تُفصح عن رسالة واضحة، تَصْدُر عن قلمِ شاعرٍ شيوعيٍّ ظَلَّ ملتزماً بالشيوعية حتى الموت، وفي بلد يقوده حزب شيوعي، وفي عصر تسوده الواقعية الاشتراكية.

يذكر أن بوبا ولد في 29 يوليو/تموز 1922 في قرية غريبيناك، قرب بيلا كركفا في منطقة بانات في مملكة الصرب والكروات والسلوفاك (فيما بعد يوغسلافيا، والآن صربيا)، قرب الحدود الرومانية. أبواه من أصل مختلط، صربي- روماني. لكنه يعتبر نفسه صربياً، وأمضى معظم حياته في بلغراد. وكتب شعره كله باللغة الصربية- الكرواتية.

من نصوص قصيدة

أَعِيدي إليَّ أسمالي

فقط اخْطُري ببالي

وستَشطبُ أفكاري وجهَكِ

فقط ابْرُزي أمامي

وستهرُّ عليكِ عيناي

فقط افتحي فمكِ

وسيهشم صمتي فكَّيكِ

فقط ذكِّريني بكِ

وستحفر الذكرى الأرض تحت قدميكِ

1

أَعِيدي إليَّ أسمالي

أسمالي من الأحلام الصافية

من الابتسامات الحريرية من نُذُرِ الشر المقلَّمة

من ثوبي المصنوع من الدانتيل

أسمالي من الأمل المنقَّط

من الرغبة الصقيلة من النظرات المرقَّطة

من جِلْدة وجهي

أَعِيدي إليَّ أسمالي

أَعِيديها حين أسألكِ بلطف

2

اِسمَعييا متوحشة

اِخلعي هذا الوشاحَ الأبيض

فنحن نعرف بعضنا

معاً تَعْتَعَنَا السُّكْرُ

معاً كَرَعْنا الخمرَ من طاسٍ واحد

معاً نمنا في فراشٍ واحد

يا سكّيناً شريرةَ العينين

معاً طُفنا العالمَ المحدَّب

يا ثعباناً في العشب

أَتَسمَعيني أيتها المرائية

اِخلعي هذا الوشاحَ الأبيض

لماذا نكذب على بعضنا.

3

لن أَحْمِلَكِ على ظهري

لن آخذَكِ أينما تريدين

لن أفعل ولو ألبسْتِني حذاءً من الذهب

ولو شَدَدْتِني إلى عربةِ الريح ذاتِ العجلات الثلاث

ولو صنعتِ لي لجاماً من قوس قزح

لا يمكنكِ أن تشتريني

لن أفعل ولو كانت قدماي في جيبي

ولو مَرَّرْتِني في ثُقْبِ إبرةٍ أو لَفَفْتِني في عقدة

ولو أنزلْتِني إلى مرتبةِ قصبة

لا يمكنكِ أن تُخيفيني

لن أفعل ولو شَوَيتِني ولو حَمَّصْتِني

طازجاً أو مملَّحاً

لن أفعل ولو في الأحلام

لا تخدعي نفسكِ

ألاعيبُكِ لن تنطلي عليَّ لن أفعل.

4

اُخرُجي من أبديتي المسوَّرة

من طَوْقِ النجوم المحيط بقلبي

من لقمتي من الشمس

اُخرُجي من بحار دمي المضحكة

من مَدِّي من جَزْري

اُخرُجي من سفينة صمتي الجانحة

اُخرُجيأقول لك اُخرُجي

اُخرُجي من هاويتي الحيَّة

اُخرُجي من شجرة الأب الجرداء في داخلي

اُخرُجي كم مرةً ينبغي أن أصرخَاُخرُجي

اُخرُجي من رأسي المنفجر

اُخرُجي فقط اُخرُجي

5

أنتِ تَجْلبين إليَّ دمىً بلهاء

وأنا أُحمِّمُها بدمي

وأُلبِسُها أسمالاً من جلدي

أصنعُ لها أراجيحَ من شَعري

وعرباتِ أطفالٍ من فِقْراتِ ظهري

وطائراتٍ ورقيةً من حواجبي

أعملُ لها فراشاتٍ من ابتساماتي

ووحوشاً ضاريةً من أسناني

لتَلْهين بها وتَقتلين الوقت

يا لها من لعبة بديعة