فجرٌ مختلف… حين سبق خبر الاعتقالات نتائج المباريات

الناس لا ينتظرون مؤتمرات صحفية، ولا بيانات حماسية، بل ينتظرون أن يروا العدالة تُطبق بالفعل، وأن تستمر الإجراءات حتى النهاية، وأن تستعاد الأموال المنهوبة، وأن يشعر المواطن بأن هناك دولة قادرة على حماية المال العام.

منذ انطلاق نهائيات كأس العالم 2026، أصبحتُ، كحال كثيرين، أعيش على توقيت مختلف. إقامة البطولة في الولايات المتحدة جعلت معظم المباريات تُلعب في ساعات متأخرة من الليل أو قبيل الفجر، لذلك اختلطت ساعات النوم، وأصبح الاستيقاظ في منتصف الليل أو قبل شروق الشمس أمراً اعتيادياً، ليس بسبب العمل أو الالتزامات اليومية، وإنما لمتابعة مباراة لا يمكن تفويتها، أو لمعرفة نتائج منتخب أشجعه وأنتظر ظهوره بشغف.

في فجر يوم الأحد، استيقظت كعادتي، تناولت هاتفي، ولم يكن في ذهني سوى معرفة نتائج المباريات، وانتظار مباراة منتخبي المفضل، الأرجنتين، لكن ما وجدته على شاشة الهاتف لم يكن حديثاً عن أهداف أو مفاجآت كروية، بل كان حديثاً من نوع آخر تماماً، قنوات التلغرام، ومجموعات الواتساب، وصفحات التواصل الاجتماعي، كلها كانت تتناقل خبراً واحداً: حملة اعتقالات واسعة طالت شخصيات سياسية ونواباً ومسؤولين، في إطار ما وُصف بأنه أكبر تحرك ضد الفساد منذ سنوات.

في تلك اللحظة، تحولت متابعة كرة القدم إلى هامش صغير أمام حدث بدا للكثيرين أكبر من أي مباراة. كان العراقيون يتناقلون الأخبار بسرعة، وكل دقيقة تحمل اسماً جديداً أو معلومة إضافية، حتى بدا وكأن فجر الأحد لن يكون يوماً عادياً في ذاكرة العراقيين، بل يوماً قد يُسجل كبداية مرحلة مختلفة، أو على الأقل كخطوة جادة طال انتظارها في ملف ظل مفتوحاً منذ أكثر من عقدين.

منذ عام 2003، والعراقيون يسمعون الشعارات نفسها: محاربة الفساد، واسترداد الأموال المنهوبة، ومحاسبة المتورطين، وتقديم الفاسدين إلى القضاء، لكنها بقيت، في معظم الأحيان، مجرد وعود تتكرر مع كل حكومة، وتختفي مع مرور الوقت، دون أن يلمس المواطن نتائج حقيقية على أرض الواقع. اعتاد الناس سماع التصريحات، لكنهم لم يعتادوا رؤية المسؤولين الكبار وهم يمثلون أمام العدالة.

ولهذا، فإن أي خطوة تستهدف الرؤوس الكبيرة قبل صغار الموظفين ستُقابل باهتمام مختلف، لأن المواطن العراقي لم يكن يطالب يوماً بمحاسبة الموظف البسيط، بل كان يتساءل دائماً، أين الذين استولوا على المليارات؟ وأين الذين جمعوا الثروات الهائلة بينما كانت مؤسسات الدولة تعاني من التراجع، والخدمات تتدهور، والمواطن يواجه الأزمات الواحدة تلو الأخرى؟

لسنوات طويلة، بدا وكأن هناك طبقة لا تُمس، طبقة تعيش في عالم مختلف تماماً عن عالم العراقيين، سيارات فارهة، وقصور، وسفرات خارج البلاد، وساعات ثمينة، وملابس من أشهر الماركات العالمية، بينما كان المواطن البسيط يحسب نفقات يومه، ويخشى تأخر راتبه، أو ارتفاع الأسعار، أو فقدان مصدر رزقه.

وفي كل أزمة اقتصادية، كان الخطاب الرسمي يطلب من الناس الصبر، وشد الأحزمة، وتحمل الظروف، في وقت بقيت فيه علامات الثراء الفاحش تزداد وضوحاً على من وُجهت إليهم أصابع الاتهام بالفساد.

وإذا كانت هذه الحملة تمثل بداية حقيقية وليست مجرد حدث عابر، فإنها ستعيد شيئاً مهماً افتقده العراقيون طوال السنوات الماضية، وهو الثقة بأن القانون يمكن أن يطال الجميع دون استثناء، وأن المنصب السياسي أو النفوذ الحزبي لا يمكن أن يكون درعاً يحمي الفاسدين من المساءلة.

لقد جاء رئيس الوزراء علي الزيدي في ظروف معقدة، ولم يكن معروفاً قبل ذلك بامتلاكه كتلة سياسية كبيرة، أو نفوذاً واسعاً، أو شبكة تحالفات خارجية قوية، لكن ما سيحدد مكانته في نظر العراقيين ليس حجم القوى التي تقف خلفه، بل قدرته على الاستمرار في هذا المسار دون تراجع، ودون أن يخضع للمساومات أو الضغوط السياسية التي كثيراً ما أوقفت ملفات مماثلة في السابق.

فالناس لا ينتظرون مؤتمرات صحفية، ولا بيانات حماسية، بل ينتظرون أن يروا العدالة تُطبق بالفعل، وأن تستمر الإجراءات حتى النهاية، وأن تستعاد الأموال المنهوبة، وأن يشعر المواطن بأن هناك دولة قادرة على حماية المال العام.

قد أكون استيقظت ذلك الفجر لأعرف نتيجة مباراة لكرة القدم، لكن ما حدث جعلني أدرك أن بعض الأيام تحمل أحداثاً أكبر من الرياضة، وأعمق أثراً من أي بطولة، فربما يُنسى هدف سُجل في المونديال بعد سنوات، لكن العراقيين لن ينسوا بسهولة اليوم الذي شعروا فيه، ولو للحظة، أن الفساد قد يواجه أخيراً اختباراً حقيقياً أمام القانون.