فيلم 'البريء': حين تدوّي صرخة التمرد ضد الاستبداد

فوز العمل بالمركز الثاني في استفتاء أفضل 100 فيلم سياسي بمهرجان الإسكندرية 2025 يحلنا مجددا على عبقرية صناعه وتحولات بطلة 'سبع الليل' من الجهل والتبعية إلى الوعي والثورة ضد الاستبداد.

في مهرجان الاسكندرية السينمائي لعام 2025- الدورة الحادية والأربعين، أجري استفتاء لأفضل مئة فيلم سياسي في تاريخ السينما المصرية، وهو تقليد رائع اتبعه المهرجان المذكور، انطلق مع الدورة الثامنة والثلاثين باستفتاء أفضل مئة فيلم كوميدي، ليستحوذ "إشاعة حب" من إخراج فطين عبد الوهاب على المركز الأول. في الدورة التي بعدها، فاز "غرام في الكرنك" للمخرج علي رضا، في استفتاء أفضل مئة فيلم غنائي واستعراضي. وفي عام  2024 ، أي في الدورة الأربعين، فاز "حبيبي دائماً" من إخراج حسين كمال في استفتاء أفضل مئة فيلم رومانسي.

وقد حصل فيلم " البريء" على المرتبة الثانية في قائمة الأفلام السياسية المصرية، إذ كانت المرتبة الاولى لفيلم" الكرنك" الذي نشرته صحيفتنا الأثيرة" القدس العربي" مقالتنا عنه بتأريخ 28 اكتوبر/ تشرين الأول 2025، وكانت بعنوان " فيلم «الكرنك» من محفوظ إلى بدرخان: ثلاثية القمع والحرب والحب"

وكنا قد أكدنا  أن قمع الحريات وزج الوطنيين في السجون وتعريضهم للتعذيب الوحشي، كان من أهم أسباب تفكك الجبهة الداخلية وحدوث  نكسة 5 يونيو /حزيران. واذا كان الفيلم المذكور، المنتج  عام 1975 يعد من أفلام السجون، يحق لنا أن نعتبر فيلم " البريء" المنتج عام 1984،  أيضاً من الأفلام التي تنتقد ما يحصل في السجون، تجاه معارضين أدباء وأكاديميين، من تعذيب وحشي ومعاملة سيئة بحقهم. هذا الفيلم  حصل  أيضاً على المرتبة(28) في قائمة أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية. المشاهد الجريئة فيه، جعلت بعض الكتابات الصحفية عنه، أن تسميه بـ " الجريء" بدلاً عن تسميته المعروفة. وقد شاع في الصحافة الفنية أن ثلاث وزارات: الدفاع، الداخلية، الثقافة، أجمعت على عدم عرضه، وإن أريد عرضه فيحذف فيه مشهد الخاتمة، فضلاً من مشاهد أخرى وحوارات و حذف مقاطع من أغنيتين، ألحان وأداء الموسيقار الراحل عمار الشريعي، وهما كلمات الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي: "يا قبضتي"، و"محبوس يا طير الحق"، ولم يَر الفيلم  كاملاً النور إلاّ بعد 19 عاماً من إنتاج الفيلم، عندما وافق وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني  على عرضه كاملاً عام 2005.

عوامل نجاح

اجتمع في هذا الفيلم  السيناريست المعروف وحيد حامد ومخرج الواقعية الجديدة الذي رحل مبكراً عاطف الطيب" 1947- 1995" الذي لم يتح له رؤية العرض كاملاً. فكان هذا الجمع من عوامل نجاح الفيلم.  الطيب الذي أشتهر بأفلام " الهروب" و " سواق الأتوبيس" و " ناجي العلي" و" الدنيا على جناح يمامة" و " ضد الحكومة" و" ليلة ساخنة". كما من أسباب نجاح " البريء"  أنه كان من بطولة نجمين كبيرين راحلين: محمود عبد العزيز، وأحمد زكي، فضلاً عن نخبة أخرى من نجوم السينما المصرية: إلهام شاهين، محمود قابيل، جميل راتب، ممدوح عبد العليم، أحمد راتب.  كما من عوامل نجاح الفيلم  ادارة التصوير من قبل القدير سعيد شيمي، بتأكيده على  التناقض بين الألوان القاتمة والزوايا الضيقة داخل المعتقل، وبين الحياة الطبيعية خارجه. فضلاً عن  موسيقى عمار الشريعي التصويرية التي كان لها دور واضح في ترسيخ الشعور بالظلم والاضطهاد لدى المشاهد.

نحكم من خلال هيئة أحمد سبع الليل" أحمد زكي" ، بخروجه إلى حراثة  الأرض بثيابه الرثة حافي القدمين على البؤس الواضح في الريف، حيث يسود الجهل والفقر والمرض. أدى أحمد زكي بإتقان لامثيل له  دور الفتى الساذج الجاهل، الذي لا يعرف ما معنى الوطن، فهو يتشكل عنده من مفردات القرية، والحمير والأبقار والمواشي، والحيوانات الداجنة، التي تقاسمهم السكن في بيتهم البائس. ومعه أمه " ناهد سمير" وأخوه المتخلف عقلياً. وكذلك من الجدول الصغير، الذي يعوم فيه للاستجمام من التعب في الأرض.

التحولات الثلاثة

ميزة سيناريو " البريء، أنه جعل تلك الشخصية الساذجة أحمد سبع الليل، مرت بتحولات جذرية كانت السبب في خلق المنعطفات الرئيسية في الفيلم، أولها؛ عندما يستدعى إلى الخدمة العسكرية. وبينما يغرس الشاب الجامعي حسين وهدان" ممدوح عبد العليم" في الفتى الساذج سبع الليل المعاني السامية في خدمة العلم، حيث الدفاع عن الوطن. أجري للجندي المستجد غسيل دماغ، على أن المعتقلين السياسيين  في سجن يربض في عمق  الصحراء هم أعداء الوطن. وأصبح متحمساً في أن تشديد الرقابة عليهم وتعذيبهم هو أهم واجباته لأجل نصرة الوطن ضد أعدائه.

وهنا يمكن القول أنه تغير جذرياً من الفلاح البريء  إلى جلاد،  ما ينبه إلى  خطورة استثمار أي سلطة  للجهل في غرس الحقد والكراهية ضد الوطنيين والمتنورين. وبذلك يسود التفكك في الجبهة الداخلية. لأن زمن أحداث الفيلم كان انعكاساً لانتفاضة 17و18 يناير/ كانون الثاني 1977 ، التي سميت بـ " انتفاضة الخبز". وخير دليل على ذلك، مقتل الكاتب رشاد عويس" صلاح قابيل" على يد سبع الليل، بعد ما حاول الأول الهرب. ودار قتال شرس بينهما بالأيدي، وكان عويس يوجه كلمات الغباء والجهل إلى سبع الليل. وبدوره يبادر العقيد توفيق شركس" محمود عبد العزيز"  الذي كان يشاهد التقاتل بين مواطنين مصريين بلذة سادية  إلى ترقيته  سبع الليل إلى رتبة عريف  وإجازة لعشرة أيام، وتعيينه حاجباً له في مكتبه. وهي خطوة تُعد نقداً اجتماعياً- سياسيا حاداً للسلطات المستبدة في كل أنحاء العالم، بوساطة إعلاء شأن  ذوي الطاعة العمياء لتلك السلطات في كل مكان وزمان. هذا هو شأن الاستبداد العالمي ترقية الجهلة والحطّ من شأن ذوي العلم والمعرفة والإبداع.

وهو ما يقودنا إلى انتقاد الفيلم لازدواجية الشخصية  لدى غالبية المستبدين في كل مكان، مثلاً، على سبيل المثال لا الحصر، عندما يظهر العقيد توفيق في الحياة المدنية، محباً للمزاح والمرح واللعب مع الأطفال، بينما في الحياة العسكرية يتعامل بكل سادية مع الوطنيين والمثقفين والأكاديميين، على سبيل المثال لا الحصر،  مشهد تعذيب أستاذ الجيولوجيا " جميل راتب" .

نقطة التحول الجذري الثانية عندما يُصدم سبع الليل برؤية   ابن قريته الطالب الجامعي حسين وهدان ضمن وجبة جديدة  من المعتقلين السياسيين وصلت إلى السجن الصحراوي. مغزى الصدمة كامن في أن أبن قريته الشاب الواعي، هو الذي علمه معنى أن يكون وطنياً، فكيف يمكن أن يكون عدواً للوطن، وسُيسجن ويُعذب في هذا المعتقل الصحراوي!.  

سبع الليل بشيمته القروية، شيمة الوفاء والغيرة، يصدّ سياط بقية الحرس عنه، ويصبح حاجزاً بينه وبينهم . ذهل العقيد توفيق لما يرى، لكنه بادر إلى زج  سبع الليل وحسين وهدان في زنزانة انفرادية، وبعد  ثبات الأول على موقفه بعدم المس بصديقه المثقف الوطني،  زج العقيد وحاشيته من الجلادين بأفعيين، لكي تقضي عليهما. يموت وهدان ملدوغاً، بينما حُكم على سبع الليل بالسجن خمسة عسر يوماً، ومن ثم يعود إلى الخدمة.

التحول الثوري

لكن سبع الليل  يبيت أمراً ما. وهنا نقطة التحول الجذري الثالثة، ويمكن القول أنه التحول الثوري. كان في موعد حراسته على أحد أبراج المعسكر. فقد جاءت وجبة جديدة من السجناء، وقبل أن يُزجوا في السجن بالسياط، صرخ سبع الليل صرخته المدوية، شاهراً سلاحه. وبإكمال النهاية المحذوفة للفيلم، يطلق سبع الليل النار على كل العسكر بما فيهم العقيد توفيق. بعد هذا الفعل الثوري الخطير، يرمي سلاحه أرضاً، ويتناول الناي ليعزف بحرية معزوفة الثورة، قبل أن يطلق أحد الجنود المتبقين، النار عليه ليرديه قتيلاً. ويسقط الناي أرضاً على البندقية في تقاطع غريب دال على اختلاف رمزيهما بين قعقعة القتل ولحن الحرية.  لقد اكتشف سبع الليل بأن السجناء من مثقفين وأدباء وطلاب جامعات، صوت الشعب والوطن، وأن العقيد توفيق وحاشيته من الجلادين هم أعداؤه.