في مناطق سيطرة الحوثيين.. تقديس للزعيم وقمع وتجويع للمدنيين

الحوثيونن لا يحكمون فقط بالسلاح، بل بالعقيدة والخوف وقد نجحوا في تحويل ما يسمونها بالمقاومة إلى منظومة قمع منظمة.

عدن - بينما تحظى جماعة الحوثي اليمنية بإشادات واسعة في احتجاجات مؤيدة للفلسطينيين حول العالم بسبب هجماتها الصاروخية على إسرائيل، تكشف روايات يمنيين فارّين من مناطق سيطرتها عن واقع مختلف تمامًا، تتداخل فيه القسوة السياسية والتجويع وتسييس المساعدات الإنسانية.

فمنذ اندلاع حرب غزة عام 2023، صوّرت الجماعة نفسها كجزء من "محور المقاومة" بقيادة إيران، لكنها في الداخل تحكم مناطق شمال اليمن بقبضة أمنية صارمة، وتعتمد على استغلال المساعدات وفرض الضرائب وتجنيد الأطفال لترسيخ سلطتها.

قبضة من حديد في مناطق الفقر

وفي مقابلات أجرتها وكالة "رويترز" مع نازحين يمنيين وموظفين في منظمات إغاثة، وصف السكان الحياة في مناطق الحوثيين بأنها "بين المر والأمرّ منه".

ويقول عبدالسلام، مزارع من محافظة حجة، إن السلطات الحوثية تخيّر الناس بين الولاء للجماعة أو الجوع، مضيفا "يقولون، إمّا تكون معنا وتأخذ سلة طعام، أو لا… والخيار صعب".

ويشير عاملون في وكالات إغاثة إلى أن الحوثيين يتحكمون في توزيع المساعدات الدولية، حيث تُدرج أسماء "وهمية" على قوائم المستفيدين، بينما تُمنح السلال الغذائية للمقاتلين أو الموالين.

وفي عام 2023، أوقف برنامج الأغذية العالمي توزيع المساعدات في مناطق الحوثيين بعد خلاف حول آليات التحقق من المستفيدين، مؤكداً أن "المنظمة لا يمكنها ضمان وصول المساعدات لمستحقيها دون تدخل الجماعة".

الضرائب والولاء الإجباري

وتفرض الجماعة، وفق شهادات تجار ونازحين، ضرائب باهظة على الأنشطة الاقتصادية الصغيرة، وتجبر الموظفين على حضور جلسات أسبوعية لبث خطب زعيمها عبد الملك الحوثي.

ويقول عبدالملك، وهو معلم غادر صنعاء العام الماضي، إن رفضه المشاركة في تلك الجلسات كلفه عمله، مضيفا "مافيش مرتب والحياة مستحيلة… الأسوأ أنهم يطلبون تبرعات أسبوعية لمسيرات غزة".

ورغم النفي الرسمي، يؤكد سكان محليون أن الحوثيين حولوا الشعار الديني والسياسي "الموت لأمريكا والموت لإسرائيل" إلى وسيلة لتعبئة الناس والسيطرة عليهم.

تجنيد الأطفال وتوظيف المأساة

وبحسب منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش والأمم المتحدة، جند الحوثيون آلاف الأطفال منذ سنوات، لكن العدد ارتفع بشكل لافت بعد حرب غزة.

وعبدالمغني، الذي التحق بصفوف الجماعة وهو في العاشرة من عمره، يروي أنه خضع لتلقين عقائدي ودُرّب على مهام الدعم العسكري، قائلاً "كانوا يقولون لنا إن الطريق إلى الجنة يمر عبر السيد عبد الملك الحوثي".

في المقابل، ينفي مسؤولو الجماعة هذه الاتهامات ويعتبرونها "افتراءات"، متهمين خصومهم والسعودية والإمارات بـ"تسييس الملف الإنساني لخدمة الأجندة الأمريكية والإسرائيلية".

مساعدات تحت السيطرة

ومنذ عام 2015، جمعت الأمم المتحدة نحو 28 مليار دولار للمساعدات في اليمن، ذهب ثلثها إلى برنامج الأغذية العالمي لإطعام 12 مليون شخص شهريًا. لكن العاملين الميدانيين يقولون إن الحوثيين يسيطرون على سلاسل التوريد، ويحددون بأنفسهم قوائم المستفيدين، بل يتدخلون في عمليات جمع البيانات التي تعتمد عليها الأمم المتحدة لتقدير مستويات الجوع.

دراسة داخلية لبرنامج الأغذية في مطلع 2024 كشفت عن مصادرة مساعدات لإطعام المقاتلين و"استخدام الغذاء وسيلة للضغط لتجنيد المقاتلين أو فرض الولاء السياسي"، وهو ما نفاه الحوثيون بشدة.

تتحدث شهادات نازحين وموظفي إغاثة عن اعتقالات واسعة طالت عاملين محليين في منظمات دولية، من بينهم موظفون تابعون لبرنامج الأغذية ومنظمات مراقبة إنسانية مستقلة.

ويقول أحد موظفي الأمم المتحدة السابقين إن "الخوف من الحوثيين جعل كثيرًا من المراقبين يملؤون التقارير من منازلهم، دون تحقق ميداني حقيقي".

وفي أغسطس/اب الماضي، اعتقل الحوثيون 15 موظفًا من برنامج الأغذية بعد مداهمة مكاتب المنظمة في صنعاء، ليرتفع عدد المحتجزين لدى الجماعة إلى أكثر من 50 موظف إغاثة.

حكم الزعيم الغائب

ومنذ توليه قيادة الجماعة قبل عقدين، لم يظهر عبدالملك الحوثي علنًا إلا عبر الشاشة، حيث يخاطب أنصاره كل أسبوع بخطابات تعبّوية يصفها منشقون بأنها "تجديد لطقوس الولاء".

وتغطي صوره ولافتاته معظم شوارع صنعاء، وتنتشر شعارات الجماعة على المؤسسات الحكومية والمدارس والمساجد.

ويقول أحد موظفي الإغاثة إن "الحوثيين لا يحكمون فقط بالسلاح، بل بالعقيدة والخوف، وقد نجحوا في تحويل المقاومة إلى منظومة قمع منظمة".

بين صورة المقاومة وواقع الانهيار

ورغم تموضع الحوثيين كجزء من محور مقاومة إسرائيل والولايات المتحدة، فإن اليمن يعيش أسوأ أزمة إنسانية في العالم، إذ يواجه أكثر من 17 مليون شخص انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي.

ومع تراجع التمويل الدولي وتواصل الصراع، يتضاءل الأمل في تحسن الأوضاع المعيشية في المناطق الخاضعة للجماعة. وفي مخيم نازحين قرب مأرب، يلخّص إسماعيل (أب لخمسة أطفال) واقع اليمنيين بقوله "إذا أكلنا الفطور، ما في غداء… وإذا أكلنا الغداء، ما في فطور".

وبينما تستمر الجماعة في تقديم نفسها كصوت للمقاومة، يزداد عدد اليمنيين الذين يرون أن أكبر معاركهم اليوم ليست ضد إسرائيل أو أميركا، بل ضد الجوع والخوف في ظل سلطة الحوثيين.