في 30 يونيو.. مصر تخلع النقاب

أحمد محمد عبده يرى أن ثورة 25 يناير كانت ثورة أُحادية الاتجاه، فكان الهدف الرئيس لها هو إزاحة الاستبداد والديكتاتورية، دون وجود أطراف مقاومة تُذكر.


الكاتب يستشهد بمكالمات الرئيس محمد مرسي مع زعيم تنظيم القاعدة، يستنجد به مرسى لإرسال ميليشيات من القاعدة لحمايته


الكاتب المصري يتناول بالتحليل والرصد والتسجيل ثورة 30 يونيو 2013

كتاب "مصر تخلع النقاب"، الصادر عن الهيئة العامة للكتاب 2018، للكاتب أحمد محمد عبده، يتناول بالتحليل والرصد والتسجيل ثورة 30 يونيو 2013، ولأن موضوع هذه الموجة هو خلع جماعة الإخوان من الحكم، فقد وصلنا لقمة الصراع السياسي والاقتصادي والأيديولوجي، صراع دول وشعوب وجماعات، صراع أفكار وصراع إرادات، مؤامرات، ودسائس، وحروب مباشرة، وحروب بالوكالة!
يرى الكاتب أن ثورة 25 يناير كانت ثورة أُحادية الاتجاه، فكان الهدف الرئيس لها هو إزاحة الاستبداد والديكتاتورية، دون وجود أطراف مقاومة تُذكر، محلية أو إقليمية أو عالمية، أما ثورة 30 يونيو/حزيران فهي "ثورة معقدة" أفرد الكتاب فصلا كاملا لهذا العنوان، فأطراف المقاومة فيها متعددة وعنيدة ومقاتلة ودموية. ففي الداخل:  جماعة الإخوان مسلحة بالحقد والنار، والمتعاطفين معها وباقي التيارات الدينية ظهير لها، وفي الخارج: التنظيم الدولي العتيد والمسلح بالمال والميديا، وأطراف "سايكس بيكو" الجديدة، أميركا وبريطانيا والصهيونية العالمية، وذيولهما قطر وتركيا، لتنفيذ الأجندة بيد التيار الديني.                

هل تتخلص مصر من عصر الجماهير الهادرة، الصاخبة، تتخلص من الأبوة، وتدخل في أحضان الديمقراطية الهادئة، التي ستستعيض عن الثورة والفوضى بصناديق انتخابات حقيقية، خالية من الأمية ومن رُشا الانتخابات؟

الكتاب يقع في ستة فصول، نتوقف عند بعض محطاتها، ففي الفصل الأول "ستون عاما ولكل عصر رائحته" يُمهد الكاتب لموضوعات كتابه، فيرصد؛ وبطريقة تلغرافية، أحداث ومواقف وشخصيات وأغنيات وشعارات وظواهر اجتماعية وسياسية، استطاع الكاتب حشد مئات المعلومات والمفردات التي مر عليها كل هذا الزمن، عصور عبدالناصر والسادات ومبارك، حتى قيام ثورة يناير، ننقل هنا بعض المقاطع كنماذج "أيها المواطنون، هيئة التحرير، الزعيم الملهم، القائد المعلم، العربة الجيب المكشوفة تمرق من وسط الجماهير، والزعيم يلوِّح لهم بذراعيه، الإصلاح الزراعي، تحديد الملكية 200 فدان للأسرة و100 للفرد، الثورة المضادة، الإقطاع، الرأسمالية الوطنية، إلغاء الباشوية والبكوية، الطربوش الأحمر يندثر، أهل الهوى يا ليل فاتوا مضاجعهم، دقت ساعة العمل الثوري، قوى الشعب العاملة، ع الدوار ع الدوار،  راديو بلدنا فيه أخبار، أنا الشعب أنا الشعب / لا أعرف المستحيلا / ولا أرتضى بالخلود بديلا،  طه حسين والعقاد والحكيم، حسن الهضيبي المرشد الثانى للإخوان المسلمين،  18 يونيو عام 53 إلغاء الملكية وإعلان الجمهورية، الشيخ أحمد حسن الباقوري "المُستقيل من جماعة الإخوان" وزيرًا للأوقاف في حكومة الثورة، الشيخ محمود شلتوت شيخ الأزهر، أستاذ الجيل أحمد لطفي السيد، حزب الوفد، فؤاد سراج الدين، التنظيم السري للإخوان، الله أكبر ولله الحمد)، (الرئيس المؤمن، أنا كبير العائلة المصرية، أولادي على الجبهة، مراكز القوى، السادات يطلق سراح المعتقلين من جماعة الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية، والضوء الأخضر لهم لمحاربة الشيوعيين، ثورة التصحيح 15 مايو عام 71، قانون العيب، الشجاع الأقرع، رسائل خالتي ست الدار وعمتك ست أبوها للإمام الشافعي، عالم الاجتماع الدكتور سيد عويس، السادات يُنشئ المنابر السياسية كخطوة في طريق الديمقراطية )، (وفى أول حديث له: مضطر لأن أقبل ترشيحكم لي في هذه الظروف الصعبة، وأرى أن تكون لفترة واحدة فقط)، صاحب الضربة الجوية، الكفن ملوش جيوب، الاستفتاء على أن يكون مبارك خلفًا للسادات، 99،99 %، اخترناه ..اخترناه، يوم ما عبر وقلوبنا معاه، رسم الخطة ألف محطة، وعشان كده إحنا اخترناه، وإحنا معاه لمشاء الله،  الشاعر سيد حجاب أعطاه صك الديمومة والاستمرارية منذ البداية، بطل أول ضربة جوية، أنا الوحيد والباقي كله تقليد، لا شاذلي ولا بدوي ولا فهمي ولا جمسي، الرئيس  مبارك يفرج عن المعتقلين السياسيين، إخوان وكتاَّب وصحفيين وقساوسة وشيوخ،  من الذين اعتقلهم السادات في أحداث سبتمبر 81، أحمد حلمي اتجوز عايدة، كتب كتابها الشيخ رمضان، سلم لي ع المترو، عبدالمنعم مدبولي بابا عبده). وهكذا، تأريخ متقطع وعلامات إاضاءات، ولكل عصر رائحته كما يقول الكتاب.      
ومن هذه الفصول ما تناول الموجات الثورية التي حدثت خلال حكم الإخوان، ثلاث موجات عاصفة كان آخرها يوم 25 يناير 2013 كانت تلك الموجات تمهيدا لثورة 30 يونيو، فالإخوان كما يرى المراقبون وأثبت الواقع فشلوا في الحكم وإدارة الدولة، فلم يكن لديهم فكر أو رؤية أو كوادر، فكان مسعاهم لمجرد السلطة والحكم، وقد دعم الكاتب هذه الفكرة بقصاصة للمرشد الثاني حسن الهضيبي من مجلة المصور عام 1952 يقول فيها "إذا وصلنا للحكم فلن نتركه أبداً"، دخلت جماعة الإخوان في صراع مع الكبار: الحزب الوطني المنحل، ورجال الإعلام، والجيش، والشرطة، والقضاء، وشيخ الأزهر، وبابا الكنيسة، والمثقفون، والفنانون، صراع مع كل مؤسسات الدولة، اختتموه بعزل المشير طنطاوي وزير الدفاع الذي سلمهم السلطة، ورئيس أركان الجيش الفريق أول سامي عنان، وكان ديدنهم هو الإنكار: إنكار حقوق المرأة، وإنكار حقوق الأقباط، وإنكار وجود أزمة بنزين وسولار مثلا، إنكار وجود أزمات بصفة عامة، إنكار وقوعهم في الخطأ، وإنكار ضعف كوادرهم، وإنكار ما يرتكبونه من جرائم، وإنكار وجود سخط شعبي عليهم، وإنكار الحشود الشعبية في 30 يونيو، واعتبار الملايين التي خرجت ما هي إلا "فوتو شوب".
اجتهدت الجماعة في تمكين رجالهم في غالبية مفاصل الدولة، وساد انقسام حاد في المجتمع خلقوه باستفتاء مارس 2011، حين قالوا "الجنة لمن قال نعم والنار لمن قال لا"، استدعوا الجماعات الإرهابية المسلحة من الخارج لتعشش في سيناء شرقا وفي ليبيا غربا، لإنهاك واستنزاف الجيش الوحيد الباقي في المنطقة. 
ويستشهد الكاتب بمكالمات الرئيس محمد مرسي مع زعيم تنظيم القاعدة، يستنجد به  مرسى لإرسال ميليشيات من القاعدة لحمايته، وبالفعل تم الدفع بهم إلى سيناء، سرقوا ثورة يناير وأفشلوها، والتي نادت بدولة المواطنة والمدنية والديمقراطية، كانوا يسيرون باتجاه دولة الأفكار الشاذة كما يقول الكاتب: كفكرة تفكيك الجيش، واستبداله بما يسمى في إيران بالحرس الثوري، وتشكيل ميليشيات من عناصرهم بديلا عن جهاز الشرطة، ومحاولة استبعاد 3500 قاض من الخدمة، والإبقاء على الموالين لهم من القضاة، وتعيين المحامين المنتمين إليهم قضاة، والهيمنة على الأزهر بسيطرة مكتب الإرشاد والجماعات السلفية، تعريض قناة السويس للخروج من قبضة مصر، تسميم مناهج التعليم بفكر الجماعة، وغير ذلك.
بداية ديكتاتورية الإخوان:
1 – يوم الأحد 7 يوليه/تموز 2012، وفي الأسبوع الأول للرئيس محمد مرسي في الحكم، يبدأ أول جملة في حلبة الصراع مع مؤسسات الدولة، فيصدر قرارا بعودة مجلس الشعب والذي كان قد تم حله قبلها في 14 يونيو/حزيران – أي قبل إعلان النتيجة بأسبوعين – لعدم دستورية قانون انتخاباته.
2 – الخميس 11 أكتوبر/تشرين الأول، الرئيس مرسي يُقيل النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود من منصبه، ويعينه سفيرا لمصر في الفاتيكان، فتشتعل المظاهرات الرافضة لذلك المسلك الديكتاتوري.

ويتراجع الرئيس عن قراره يوم 13 من الشهر نفسه.
3 – الجمعة 12 أكتوبر/تشرين الأول، (جمعة كشف الحساب)، تجمعات القوى المدنية بكل أطيافها، ليبرالية ويسارية في ميدان التحرير يحاسبون مرسي على وعد الــ (100) يوم الذي كان قد قطعه على نفسه قبل نجاحه، الإخوان حشدوا أنصارهم بالأوتوبيسات من المحافظات، اقتحموا ميدان التحرير على مظاهرات القوى المدنية.
ثورة 30 يونيو.. ثورة على مدد الشوف:
يرى الكاتب أن البطل الأول لثورة يونيو هو الوعي الشعبي الذي فطن بسرعة لخطورة حكم جماعات الدين، الذي لا هم لهم سوى كل ما يتعلق بالمرأة من حجاب ونقاب وزواج الفتاة في سن التاسعة، والأقباط والجزية، وتربية اللحية، ولعن الليبراليين والعلمانيين واليساريين وتكفيرهم، ولعن السلفيين للشيعة، واستعدائهم، وغير ذلك من توافه الأمور، تاركين العمل والإنتاج، ورغيف الخبز والعدالة، وخروج الملايين في 30 يونيو هو أعظم تأكيد على وسطية هذا الشعب.
إعلان رابعة إمارة إسلامية:
يكشف أحمد عبده عن خيوط المؤامرة : احتلال منطقة رابعة والنهضة، بإيعاز من أميركا، فجون ماكين يوجه النداءات بالتمسك بالأرض، فالهدف هو إعلان رابعة إمارة إسلامية، دولة موازية للدولة تخضع للأمر الواقع، صارت رابعة والنهضة ثكنتين عسكريتين، حشود الإخوان من كل محافظات مصر، الخطب المتطرفة والمتشددة ليل نهار، ظل اعتصامهم 47 يوما، ضجّ أهالي منطقة رابعة ومدينة نصر بالشكوى، تعطلت جامعة القاهرة وحديقة الحيوان، انتشر الرعب في تلك المناطق، وملاحقة الأهالي والاعتداء عليهم، وتعطلت الشوارع والمصالح، وكانوا يقومون بإغارات ليلية ونهارية، على منشآت الجيش والشرطة، وقطع الطرق والكباري، يصدرون النساء في المقدمة، استولوا على مداخل وأسطح العمارات، والتفتيش والتضييق على المارة.
تشكيل مجلس حرب في رابعة، الاستيلاء على سيارتين للتلفزيون المصري، خروج قتلى من اعتصام رابعة بعد تعذيبهم، دخول أجسام ضخمة مُغطاة شوهدت على الشاشة، ظهور أسلحة مع المعتصمين، قيامهم بتدريبات على الاشتباكات، وهم يهتفون بهتافات دموية.
= ويرى الكاتب أن الله سلّط الغباء والجشع السياسي على جماعة هدفها الحكم منذ أكثر من ثمانين سنة، وقد وصلت إليه، لتظهر عوراتها، وتوجهاتها تجاه مصر، وكان الشعب يتوسم خيرا في شعار "الإسلام هو الحل"، ليتضح في النهاية أن المقصود هو إسلام الجماعة لا إسلام الأمة، فتسقط الجماعة، ويبقى الإسلام، ومن المفترض أن الشعب قد استفاد من تجربة حشر الدين في السياسة، فيتخلص سريعا من مظاهر الدجل والتجارة بالدين، ويفصل الدين عن قضايا الحكم، وهذا هو النقاب الذي قصده الكاتب.
= وعن حتمية فض اعتصامي رابعة والنهضة يقول: ثم كان لا بد من فض اعتصامي رابعة والنهضة، أقاموا ما يشبه المعسكرات المحصنة، وبعد 47 يوما، تم الفض في صباح يوم 14 أغسطس/آب 2012، ويسقط 695 قتيلا و1858 مصابا، ومن القوات 10 قتلى و180 مصابا، في الاعتصامين، وكان القتيل الأول في الدقائق الأولى لعملية فض اعتصام رابعة هو أحد الضباط، عقب ذلك مباشرة انطلقت مليشياتهم لحرق العشرات من الكنائس وممتلكات الأقباط، وأقسام الشرطة وذبح وسحل الضباط والأفراد، وحرق المنشآت والقطارات، وانبرى طلبة الإخوان في حرق الجامعات.
= ويرى الكاتب أن وصول المشير السيسي للحكم بإرادة شعبية كاسحة، وكان هو "حاكم الضرورة" الذي اختاره الشعب، ويتساءل: هل سيستطيع قيادة دولة تسلمها جثة هامدة نحو تقدم حقيقي؟ هل سيؤسس لدولة عسكرية ثانية في تاريخ مصر، بعد دورة دامت ستين عاما، تناوب فيها أربعة جنرالات رغم تحديد فترة الرئاسة في الدستور الحالي؟ 
استشراف: ويحاول أحمد عبده أن يستشرف فترة حكم السيسي، فيقول: وماذا لو حكم مصر الفترتين اللتين نص عليهما الدستور، فيطبق العدالة الاجتماعية ولا يخضع لقوى الخارج، يُخرج مصر من التبعية، شجاعا قويا، نظيفا نقيا طاهرا، منحازا للفقراء والبسطاء، هل سيصنع الشعب معه مثلما فعل مع عبدالناصر في 9 و 10 يونيو 1967، فتخرج الملايين لمطالبته بمواصلة حكمه للبلاد، ويصير الدستور في وادٍ ونظام الحكم في واد آخر؟ 
هل سنعود؛ وبفعل دورة حياة حتمية مكتوبة على جبين مصر، فرضتها عوامل وظروف معقدة، ومتكررة في كل عصر، نعود لعصر الرجل الأوحد مرة ثانية؟
 هل تتخلص مصر من عصر الجماهير الهادرة، الصاخبة، تتخلص من الأبوة، وتدخل في أحضان الديمقراطية الهادئة، التي ستستعيض عن الثورة والفوضى بصناديق انتخابات حقيقية، خالية من الأمية ومن رُشا الانتخابات؟ هل سيؤسس السيسي، والمفروض أنه تفهم الوضع المصري تماما، وحاجته لنظام مغاير، لما عاشته مصر في الستين عاما الماضية، هل سيؤسس لدولة، نجد الطبيب فيها رئيسا للبلاد، والمرأة رئيسا للوزراء؟