قاآني في بغداد لاحتواء الانقسام الشيعي قبيل الانتخابات العراقية
بغداد – في خطوة غير معلنة تحمل دلالات سياسية تتجاوز الطابع البروتوكولي، وصل قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قاآني، إلى العاصمة العراقية بغداد، حيث التقى بعدد من قادة القوى السياسية الشيعية والفصائل المسلحة، وفق ما كشف مصدر سياسي مطلع مساء الثلاثاء.
وتأتي الزيارة في لحظة حساسة داخلياً، مع تصاعد الخلافات داخل الإطار التنسيقي حول إدارة الموارد الحكومية والنفوذ السياسي في الحملات الانتخابية، ما يعكس توتراً متنامياً في صفوف التحالف الذي يشكّل العمود الفقري للتيار الموالي لإيران في العراق.
تحرك في الظل وبصمة إيرانية متجددة
الزيارة التي لم يُعلن عنها رسمياً لا تبدو مفصولة عن سياق أوسع من التحركات الإيرانية الهادفة إلى ضبط إيقاع البيت الشيعي العراقي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية. فوفق مصادر سياسية متقاطعة، جاءت اللقاءات التي عقدها قاآني مع بعض زعماء الفصائل السياسية والعسكرية لتذكيرهم بأهمية “وحدة الموقف الشيعي” وعدم السماح بانقسام التحالفات بما قد يهدد النفوذ الإيراني في العراق بعد الانتخابات المقبلة.
ويشير مطلعون إلى أن طهران تخشى أن يؤدي الانقسام الحالي داخل الإطار إلى نتائج انتخابية تضعف قدرة قواه الموالية على الاحتفاظ بنفوذها داخل مؤسسات الدولة، في ظل تنامي الأصوات المطالبة بترسيخ مفهوم "الدولة الوطنية" وتقييد سلاح الفصائل.
ومنذ تولي قاآني قيادة فيلق القدس عقب مقتل قاسم سليماني مطلع عام 2020، تبنّت طهران نهجاً أكثر هدوء وأقل استعراضاً في إدارة ملفات نفوذها في المنطقة، خصوصاً في العراق ولبنان وسوري، غير أن هذا التراجع في الظهور العلني لم يعنِ غياب التأثير، بل تحوّله إلى دبلوماسية أمنية مرنة تتعامل مع الفصائل كقوى أمر واقع، مع محاولة مستمرة لتقليل الخلافات التي قد تهدد وحدة المحور الإقليمي الموالي لها.
ويرى مراقبون أن العراق ما يزال يشكّل الركيزة الأهم في الاستراتيجية الإيرانية بالمنطقة، ليس فقط باعتباره عمقاً جغرافياً ومعبراً اقتصادياً، بل أيضاً كساحة اختبار لمدى قدرة طهران على الحفاظ على نفوذها وسط التغيرات الإقليمية والدولية، خاصة بعد تحسّن علاقاتها مع بعض العواصم العربية، مثل الرياض.
انتخابات مفصلية وتوازنات دقيقة
على الصعيد الداخلي، تأتي الزيارة في وقت يُعدّ فيه العراق لانتخابات برلمانية يُتوقع أن تعيد رسم خريطة القوى الشيعية، التي لطالما شكلت حجر الزاوية في المعادلة السياسية منذ عام 2003. وتشير التسريبات إلى أن الانقسامات داخل الإطار التنسيقي باتت تتعلق ليس فقط بتوزيع المقاعد والمناصب، بل أيضاً باستخدام موارد الدولة في الحملات الانتخابية، وهو ما يثير مخاوف من صراع داخلي قد ينعكس على استقرار التحالف الحكومي الحالي.
في المقابل، تحاول إيران، عبر قاآني، منع تحوّل الخلافات إلى انشقاق سياسي دائم قد يضعف جبهة حلفائها داخل البرلمان المقبل، ويمنح القوى المنافسة وخصوصاً التيار الصدري فرصة للعودة إلى المشهد بقوة أكبر.
توازن بين النفوذ والاستقرار
وتُظهر زيارة قاآني الأخيرة أن إيران تدرك حساسية المرحلة، وتسعى إلى الحفاظ على حضورها في العراق عبر سياسة “التأثير الهادئ”، من دون الدخول في مواجهات مكشوفة أو ضغوط علنية. فالمعادلة اليوم لم تعد كما كانت زمن سليماني، إذ تحكمها توازنات دقيقة بين رغبة طهران في حماية مصالحها وبين إدراكها لتصاعد النزعة الوطنية العراقية ورفض الشارع لأي وصاية خارجية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن قراءة الزيارة بوصفها محاولة استباقية لضبط المشهد الشيعي وضمان بقاء العراق ضمن نطاق النفوذ الإيراني، في مرحلة تتجه فيها البلاد إلى انتخابات ستحدد ملامح السلطة المقبلة وتكشف مدى قدرة القوى الموالية لإيران على الحفاظ على تماسكها في وجه التحديات الداخلية والإقليمية.