قاليباف العراب، هل بدأ تقنين 'المرور البريء' في هرمز؟

قاليباف أكاديمي متخصص في الجغرافيا السياسية وقائد سابق في الحرس الثوري، يعتبر أيضا الرجل المفضل لدى واشنطن على طاولة التفاوض.

ما تزال أصداء قمة بكين التي جمعت الرئيسين الصيني شي جين بينغ والأميركي دونالد ترامب مستمرة في صناعة الأحداث لتشكيل المشهد السياسي.
عدم اتخاذ بكين موقفاً حاسماً بشأن الملف الإيراني خلال القمة، فسرته طهران باعتباره دعماً ضمنياً لصالحها، ورأت فيه فرصة قابلة للاستثمار. وبالفعل قررت تعيين "ثقل سياسي" بحجم القيادي محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان حالياً، مبعوثاً للصين، سعياً منها لترجمة هذا "الدعم" إلى إجراءات عملية لتعزيز مركزها الإقليمي.

قاليباف أكاديمي متخصص في الجغرافيا السياسية وقائد سابق في الحرس الثوري، وهو أيضا كان الرجل المفضل لدى واشنطن على طاولة التفاوض، مما يجعله الشخص الأنسب لترجمة سياسة "تقنين هرمز" الجارية حالياً إلى لغة المصالح الاستراتيجية مع بكين.
تعيين المبعوث الخاص تزامن مع نجاح المفاوضات التي أجرتها بعض الدول الأوروبية، بالإضافة إلى اليابان والهند، مع طهران من خلال ما يُطلق عليه "المكتب الإيراني لإدارة الملاحة"، للإفراج عن جزء من سفنها المحتجزة في الخليج.
وهو نفسه المكتب الذي وقّع قبل أيام مع دول مثل العراق وباكستان اتفاقات تقنية لتأمين مرور شحنات محددة من النفط والغاز المسال. وتسعى إيران من هذه المفاوضات إلى استبدال مفهوم "المرور العابر"، وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، الذي لا يعطي للدولة الساحلية حق المنع، بمفهوم "المرور البريء" الذي يتطلب تنسيقاً، وهو ما يمنحها سلطة الشرطي الوحيد للممر، وفي نفس الوقت يمثل تعدياً على القانون الدولي.

بالطبع هناك انقسام واضح في كيفية قراءة هذه المفاوضات؛ فالموقف الأميركي- البريطاني يرى أن أي تفاوض مع إيران حول حق العبور هو استسلام لمبدأ قانون القوة بدلاً من قوة القانون، ويعتبر الإجراءات الإيرانية قرصنة دولة وليست تنظيماً ملاحياً.

بينما تميل الدول المتضررة من الغلق إلى البراغماتية، فزيادة أسعار الطاقة بنسبة 50 بالمئة منذ بدء الأزمة جعلت من الصعب انتظار الحلول العسكرية أو القانونية طويلة الأمد، مما دفعها إلى التفاوض كآلية لإدارة الأزمة وليس اعترافاً بالسيادة.
بمعنى آخر، هذه الدول ترى أن المفاوضات لا تعتبر اعترافاً أو سنداً قانونياً كاملاً، لكنه تعامل واقعي مع متغيرات القوة على الأرض، دفعها إليها فشل واشنطن في انتزاع موقف صيني مضاد لإيران خلال القمة.

طهران لا تكتفي بالإفراج عن السفن، بل تسعى إلى انتزاع تنازلات تثبت حقها السيادي في الرقابة من خلال بروتوكولات الإدارة، حيث أعلن الحرس الثوري مؤخراً أن السفن التي سُمح لها بالعبور، خاصة من دول شرق آسيا، وافقت على بروتوكولات إدارة المضيق، والتي تشمل الإفصاح عن الوثائق ودفع رسوم خدمات.

فالنظام الإيراني كان قد بدأ، بحذر، في تطبيق ما يوصف بـ"السياسة الجديدة لتشغيل المضيق"، والتي تعتمد على حصول السفن على إذن مسبق من السلطات الإيرانية قبل عبورها للمضيق، وهو ما تعتبره تكريساً لسيطرتها الاستراتيجية، ويضعف في ذات الوقت الموقف القانوني الدولي الذي يصر على أن المضيق ممر مائي دولي مفتوح.

وفي الوقت نفسه بدأت أيضاً في فتح ممرات شمالية حصراً بالقرب من جزيرتي قشم ولارك للسفن التي تلتزم بالتعليمات الجديدة، بينما يظل الممر الدولي التقليدي منطقة مخاطر عالية.

المشكلة أن هناك واقعاً يتبلور بخطى سريعة فيما يتعلق بالمضيق، وقد يكتسب زخماً دولياً من خلال هذا التفاوض، ليس هذا فحسب، بل إن طهران أصبحت بالفعل تستخدم المضيق كأداة اختيارية للضغط السياسي والاقتصادي، وقريباً كمصدر دخل يمكن أن يجلب لها مليارات الدولارات شهرياً (معدل المرور اليومي قد يتجاوز 100 سفينة، برسوم قدرها مليون دولار لكل سفينة كما أعلنت إيران).

لذلك تخشى الأوساط القانونية الدولية أن تتحول هذه المفاوضات إلى سابقة؛ فإذا استمرت الدول في التنسيق مع مركز إدارة المضيق الذي استحدثته إيران، فإن ذلك قد يتحول بمرور الوقت إلى عرف إقليمي يحل محل القواعد الدولية التقليدية. وهنا ربما تلتقي الخطة الإيرانية بالرغبة الصينية التي قد تسعى إلى تكرار التجربة في مضيق تايوان.

إيران لم تنتظر انتهاء الحرب، لكنها بدأت في مرحلة الانتقال القسري لنظام الملاحة في المضيق، وفرض واقع قانوني وأمني يعيد تعريف قواعد الملاحة الدولية، بحيث يصبح العبور مرتبطاً بمدى التنسيق السياسي والأمني مع طهران، وهو ما يبدو أنه الثمن الذي بدأت بعض الدول في دفعه لتأمين إمداداتها.

فإذا انتهت الأزمة باتفاق دولي يمنح دوراً رقابياً أكبر لإيران مقابل إعادة فتح المضيق، فسيكون ذلك بمثابة تقنين رسمي لإرث هذه الأزمة، وهو ما تسعى طهران إلى تكريسه، بحيث يتحول المضيق إلى أداة جيوسياسية دائمة، وليس مجرد ورقة ضغط مؤقته، ويبدو أن تعيين قاليباف، سيعزز عملية التكريس من خلال التعاون مع بكين كخطوة استباقية قبل أن تتبلور أي مواقف أمريكية قد تتم على حساب السيادة الإيرانية التي تحاول فرضها الآن.

حتى الآن نتائج القمة تمنح إيران ثقة ضمنية في موقفها التفاوضي، وتعزز مكاسبها السياسية والميدانية، وتساعدها على فرض واقع جديد يسبق أي جولة مفاوضات أو حتى حرب مرتقبة مع واشنطن.