قبور محمود سعيد

لوحة الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي للمقبرة العربية التي رسمها عام 1909 لم تعجبني فقررت رسم المقابر بطريقتي الخاصة.


وددتُ لو أُدفن تحت البحر، تحت الأزرق، وأصافح أسماك البحر سمكةً سمكةً، قبل أن أُدفن


الأهرام لم تكن سوى مقبرة كبيرة لبعض حكام مصر القديمة

هل أصمِّمُ لنفسي قبرا؟ أم أُدفن في مقابر العائلة؟ وددتُ لو أُدفن تحت البحر، تحت الأزرق، وأصافح أسماك البحر سمكةً سمكةً، قبل أن أُدفن. سأوصي جنية البحر أن تختارَ لي حفرةً بحريةً لأُدفنَ فيها. تختارَ لي مقبرةً شرقيةً تتلألأُ تحت ضياءِ القمر .. تتراقصُ ليلا على نغمات الرفاتْ .. تتمايلُ صبحًا على همساتِ النسيمْ .. مقبرةً لا تنتحب .. تغني لباقاتِ وردٍ وموتٍ جميلٍ .. تمرُّ على ذكرياتِ الفراق .. تتساءل عن حالنا .. تتفاوض من أجلنا .. مقبرةً تحب الحياةَ .. وتعشقُ لونَ العيونِ ولون الشفاه .. وكلَّ الفنونْ .. مقبرةً معمورةً بالأواني وفرشاةَ رسمٍ وحامِلَ لوحٍ .. ومزدانةً بالحجارِ الكريمةِ .. محروسةً من عيونِ الحسودِ .. ومنقوشةً بالحنانِ .. ومفروشةً بالضياءِ .. ومكشوفةً للسماء. مقبرة رملية وليست ترابية، فالرمل يسترنا، الرمل يشغلنا، الرمل يُلهمنا، للرملِ ألوان والإسكندرية سماؤها .. فهل يحس بي سكان القبور؟ وهل يعلمون أنني قادم إليهم بعد قليل؟
لقد رسمت قبورا كثيرة من قبل وخاصة في لوحتي "قبور باكوس" عندما كنت شابا عام 1927، كنت خاشعا وجذعا وأنا أرسمها، كأن كل من يسكن تلك القبور هم أهلي وأقربائي وأصدقائي، ساعتها تخيلت أن يكون قبري على الماء أو تحت الماء، بعيدا عن التراب والحجارة والغبار والبكاء المرير.

المقبرة العربية
لوحة الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي

لم تعجبني لوحة الفنان الروسي فاسيلي كاندينسكي للمقبرة العربية التي رسمها عام 1909 (زيت على كرتون) فقررت رسم المقابر بطريقتي الخاصة. بينما أعجبتني لوحة الفنان الفرنسي أوجين دولاكروا "يتيمة في المقبرة" التي رسمها عام 1824 (زيت على قماش) وشاهدتُها في متحف اللوفر. شعرت بالحزن الذي تخلفه تلك الفتاة اليتيمة في ناظريها. لقد جسّد الفنان الحزن واليأس في عين الفتاة فاغرة الفم، ذات اليد الملقاة بفراغ صبر على فخذها. حتى قميصها المنزلق عن كتفها الأيسر يشعرنا بيأس الفتاة. وفي خلفية اللوحة، رسم الفنان سماء ومقبرة بطريقة ضبابية، بينما رسم الفتاة بدقة متناهية كي تستقطب اهتمامنا. إنها فتاة يتيمة حزينة يائسة جالسة في مقبرة تنظر إلى شيء ما، لا نعرف ما هو؟
لا أعتقد أن هناك شعبا اهتم بتخليد موتاه في مقابر فاخرة مثل الشعب المصري قديما وحديثا، فالأهرام لم تكن سوى مقبرة كبيرة لبعض حكام مصر القديمة. وإذا تتبعنا تطور تاريخ المقبرة عند الفراعنة لوجدناها في البداية حفرة تحت سطح الأرض يوضع فيها الميت ويُهال عليه التراب ثم أصبح لها سقف من الخشب والبوص، ثم حجرة أو حجرتين تحت سطح الأرض، ولها درج يوصل إليها، ثم حجرة أو حجرتين تحت سطح الأرض وفوقهما مصطبة فوق سطح الأرض، ثم الشكل الهرمي الكامل، ثم الشكل الهرمي المكوّن من ست مصاطب كل منها أصغر من التي أسفلها. وكان الميت يدفن ومعه متعلقاته وحاجياته.
هل ستكون معي متعلقاتي وحاجياتي من لوحات وأدوات رسم في مقبرتي؟ ربما يخرج القبر من شكله، ربما يعبر الليل نحو فضاء النهار، ربما يعلن عصيانه، ويغادر ذراته ويقاتل أحجاره، ورفات الملوك الغزاة تفر إلى صحراء العدم. وأنا أريد أن أرسم تلك الرفات وهي تفر إلى صحراء العدم، أما أنا فسوف أفر إلى شطآن النغم، وأفتح جبَّانة الشرق عند انتصاف الشتاء، أقيم طقوس الجنائز، أرى الرخام يقبِّل أقدام هذي الهياكل ويمسح حزن القلوب ويجلو النفوس .. يضمُّ العظامَ إلى صدره. الرخام انطلاقٌ لروح الصباح، انبثاقٌ لفجر الزمان، الرخام الأمان.
ومع ذلك يترامى إلى أذني صوت فرعوني يقول لي: "إنك تعيش، إنك تعيش، ارفع نفسك، إنك لن تموت، فقم، ارفع نفسك".
كما يرتد إلي قول تيوفيل جوتييه: "خرجت زهراء الأدرياتيك من الماء بيضاء الجسد وردية، ومن ثدييها تساقط الدر على بساط تدرَّجت فيه الألوان تدرُّج الأنغام في السلم الموسيقي". ولكنها لم تكن تخلو من بقايا قبح قديم."

لوحة ديلاكروا
يتيمة في المقبرة

تراودني صورة بائع الوجوه الذي بلا وجه، وصورة بائع العرقسوس صاحب القربة المليئة بالدموع وحكاية نهاية العالم. وحقيقة ارتباط العقل الإنساني بالعقل الإلهي ليشكل خلودا نوعيا، وحضور اللامتناهي في المتناهي، وحضور البحر 33 مرة في آيات القرآن الكريم، وأنا أسبّح للخالق 33 مرة عدد حبات سبحتي الكهرمانية. أين هي؟ يبدو أنني تركتها في حجرتي بالمستشفى.
اكتشفت – وأنا على الكورنيش - أنني اتجه إلى الشرق من المركز المحترق في الشاطبي، وينبغي لي أن اتجه إلى الغرب حيث بحري والأنفوشي والمرسي أبو العباس وقلعة قايتباي وبيتنا القديم، فيه ولدت، ومنه أغرب عن الحياة، رغم الصوت الفرعوني الذي يتناهى إلى سمعي.
مررت في عودتي وارتدادي إلى الغرب، على المركز المحترق والجثث المتفحمة واللوحات السوداء، ومن الغريب أن صوت "الليلة الكبيرة" لا يزال يملأ الفضاء الرمادي. أسمع الأراجوز يقول: (تفضل كدا تمشي وتدبّ.. وتخش من مطرح ما طلعت). يبدو أنه يقصدني.
أسير .. بل أمشي وأدبّ كما قال لي أراجوز صلاح جاهين وناجي شاكر وسيد مكاوي .. تقبِّل أقدامي طريقَ الكورنيش، الشمس تتجه إلى الغروب، والقرص الأحمر يحدق فيَّ مؤكدا أن هذه هي المرة الأخيرة التي سيراني فيها. إن ثواني قليلة من الحياة تسمى الحياة.