قدح القهوة المعلى بلا غطرسة

لن تكتفي القهوة بجمع الناس في مجلسها، ولا تعبر عن التصالح وحده حول طاولتها، أنها تجمع أكثر مما تفرق، ويشترك في تقاليدها الشرق والغرب، القهوة مشروب عالمي لا خلاف عليه، وان احتفظ الشاي بقدسيته الآسيوية، وان بقي النبيذ معبرا عن الفخامة.


استثمار اخلاقي في القهوة

القهوة ليست مجرد مشروب منشط آخر، أنها تقليد يمتد عبر قرون من الشرق حتى الغرب ويجعل من النبيذ هامشا له في التقليد وإن كان متكلفا، فالقهوة متسامحة وصارمة أيضا في تقاليدها ولا ترحب بمن يكسر راديكالية الطقوس في الشرق وشعريتها في الغرب.

لقد اخترقت شركات المشروبات الغازية العقول ولعبت على الحواس وجعلت المذاق صورة وكلمة وأنشودة، من أجل شراب بارد صار مثالا في المقاهي والمتاجر منذ أكثر من سبعة عقود.

المشروبات الغازية لا تمتلك غطرسة النبيذ وأبهته، لكنها صارت هاجس الصغار والكبار لتعاطيها يوميا قبل أن تُكتشف أضرارها، ولم تنفع البدائل الخالية من السكر في جعلها أقل ضررا.

اليوم الاعتقاد السائد بأن ضرر المشروبات الغازية لا يقلّ عن ضرر التدخين، وأن المتعة التاريخية لصورة الفتاة المبتسمة وهي ترفع قنينة بيبسي، لا أهمية لها مقابل رجل يتأمل المارة في رواق مقهى، بينما يتبوأ قدح القهوة المكان المعلى أمامه جوار الكتاب.

لا تحتاج القهوة غرور النبيذ لتكون في القدح المعلى، فالزمن زمن قهوة بامتياز، وعندما تعترف شركة كوكا كولا بمشكلة تتعلق بالنزعة الاستهلاكية، فإن هناك خطأ ما. هذا ربما يُفسر اللهجة الدفاعية لجيمس كوينسي، الرئيس التنفيذي للشركة، بشأن الاستحواذ على سلسلة من متاجر قهوة كوستا بدلا من نسخة أخرى من سائل ذي نكهة مميزة.

استمر كوينسي في الإصرار أمام المحللين قائلا “هذه إستراتيجية قهوة، وليست إستراتيجية تجارة تجزئة” وفق تقرير في صحيفة فايننشيال تايمز.

تحوّل شراء شركة كوكا كولا لعلامة قهوة كوستا من شركة وايتبريد مقابل أكثر من أربعة مليار دولار، إلى تغيير في تسمية العصور، فهذا عصر قهوة وبلا منافس، لترقد بائرا أيها المشروب الغازي.

لن تكتفي القهوة بجمع الناس في مجلسها، ولا تعبر عن التصالح وحده حول طاولتها، أنها تجمع أكثر مما تفرق، ويشترك في تقاليدها الشرق والغرب، القهوة مشروب عالمي لا خلاف عليه، وان احتفظ الشاي بقدسيته الآسيوية، وان بقي النبيذ معبرا عن الفخامة، فيما سينتهي عصر المشروبات الغازية إلى نفس مصير السجائر. وإلا ما دراسة الجدوى عند كوكا كولا عندما تدفع هذا المبلغ الكبير من أجل شراء علامة قهوة، هل نسيت خلطاتها السرية في صناعة مشروب جديد؟

أنها إستراتيجية قهوة، وهذا اعتراف جدّي ومعبّر من الرئيس التنفيذي لشركة كوكا كولا. من أجل الذهاب أبعد ما يمكن في مفهوم الاستثمار الأخلاقي من أجل صحة الإنسان.

لقد حان الوقت لصناعة الأعمال لتأتي ببعض التعريفات المناسبة للكلمات التي تتناقلها بشكل متزايد، وعدم الاكتفاء بالمفهوم الحسي للإعلان الترويجي المغري على حساب المفاهيم الأخلاقية والصحية.

وكما يبدو أن كوكا كولا شعرت في وقت متأخر من الثراء الذي اتخمها، أنها ستكون في صفّ الإنسانية عندما تقدّم إعلانا مغريا لقدح قهوة، لن يكون بالضرر الذي تدفع إليه زجاجة كوكا كولا على صحة الصغار والكبار على حدّ سواء.