قدرات واشنطن على إلزام نتنياهو
الضغوط الأميركية هي التي قادت إلى وقف إطلاق النار. ما هي هذه الضغوط؟ ما يُمارَس على الفلسطينيين يختلف عمّا يُمارَس على الإسرائيليين، والانحياز حقيقة ساطعة لا جدال فيها. الضغط عن بُعد، إن صحّ القول، لا يفيد مع نتنياهو في التزامه بخطوات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، ولا في تعجيل البدء بمفاوضات المرحلة الثانية. لذلك شاهدنا توالي وصول كبار المسؤولين الأميركيين في حملات دبلوماسية إقناعية، أو في محاولات لضبط السلوك العدواني الإسرائيلي ورغبات نتنياهو العسكرية الذي يريد مواصلة الحرب لسنوات. ولهذا تعتزم الوساطة الأميركية البقاء منخرطة يومياً للتأكد من ترسيخ السلام، عبر استمرار وصول المسؤولين الأميركيين تباعاً للقاء نتنياهو لإقناعه أو الضغط عليه. وقبل وصول جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي، وصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صباح يوم الاثنين 20/10 إلى تل أبيب للتحضير لوصول نائب الرئيس الأميركي، ومناقشة ملفات المرحلة التالية من الخطة الأميركية في المنطقة. وما إن غادرا الشرق الأوسط عقب توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس حتى عادا مجدداً. وتروّج الإدارة الأميركية أن إرسالها نائب الرئيس فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو وجاريد كوشنر صهر ترامب والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف إلى إسرائيل، دليلٌ على رغبة ترامب بألّا تخرق إسرائيل وقف إطلاق النار.
يوم الثلاثاء 21/10/2025 وصل نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس لمراقبة تنفيذ اتفاق الهدنة وخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء الحرب في القطاع. وصرّح فانس بأن "مناوشات حتمية" ستحدث، لكن وقف إطلاق النار سيصمد. ويجب وضع مئة خط تحت كلمة "مناوشات"، حيث استشهد برصاص الاحتلال 242 فلسطينياً وأُصيب 622 آخرون في خروقات إسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار، بينما أبدت المقاومة الفلسطينية التزامها وحرصها على وقف النار.
وبعد إعلان اتفاق شرم الشيخ، افتُتح مركز تنسيق أميركي جديد لمراقبة وتقييم التطورات في حينها، يقع مقره الرئيسي في مستعمرة كريات غات في النقب جنوب فلسطين الانتدابية، ويتمركز فيه نحو 200 جندي أميركي لمراقبة تقدّم اتفاق وقف إطلاق النار. يثير المركز قلق الإسرائيليين بأنه قد يكون البديل العملي لقيادتهم العسكرية في الجنوب، أو أنه قد يؤدي إلى تهميش دور القيادة العسكرية الإسرائيلية في إدارة الملف الفلسطيني في غزة، وربما يتحول إلى أداة نفوذ أميركي مباشر بإدارة فريق الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا يستمر وصول المسؤولين في الإدارة الأميركية؟ يدور في إسرائيل جدل مفاده أن الولايات المتحدة تضع القرار الأمني الإسرائيلي تحت وصاية واشنطن؛ فهي لا تتوسط في وقف إطلاق النار في غزة فحسب، بل تديره. ويصوّر البعض أن ترامب ينتزع قرار الحرب من نتنياهو ويخضعه لرقابة أميركية صارمة بعد فقدان الثقة في نوايا نتنياهو الراغب في استمرار الحرب على غزة. كما يجري الحديث عن تأسيس سلطة إدارية موازية في القدس، بالقرب من إقامة نتنياهو، شُكّلت من كبار مسؤولي الإدارة الأميركية وجنرالات أميركيين كبار. وتختلف الآراء في وظيفتها بين ممارسة رقابة صارمة على سلوك نتنياهو والتأكد من عدم تجاوزه قيود وقف إطلاق النار، وبين تنسيق العمليات العسكرية في غزة.
يوم الأحد 19/10 أدى قصف جوي ومدفعي إسرائيلي على غزة إلى استشهاد 44 فلسطينياً. ولتهدئة الوضع الميداني الذي كان ينذر بانهيار الهدنة، أكد مسؤولون أميركيون أن حركة حماس لم تخرق اتفاق وقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ في 10 تشرين الأول/أكتوبر وحتى 20/10، في محاولة لسحب ذرائع نتنياهو الذي ادّعى أن حماس انتهكت الاتفاق بمهاجمة قوات إسرائيلية في رفح جنوبي القطاع، وهو ما نفته الحركة. كذلك ردّت واشنطن على المزاعم الإسرائيلية التي تتهم الحركة بالمماطلة في تسليم رفات بعض الأسرى بأن حماس تنفذ المطلوب منها، وأن البحث عن الجثامين واستخراجها من تحت الركام أمر صعب ويحتاج إلى وقت. وبانتهاز ضبابية الموقف الأميركي، وبزعم خرق الهدنة وتنفيذ المقاومة هجوماً على جنود الاحتلال، أمر نتنياهو مساء الثلاثاء 28/10 بتوجيه ضربات قوية على قطاع غزة أدت إلى استشهاد 9 فلسطينيين وإصابة 15 آخرين.
بعد ذلك، هل ترامب يضغط على نتنياهو؟ أم يسحب السلطة منه؟ أم يغض الطرف عن تجاوزاته؟ قال كبير المحللين العسكريين في صحيفة "هآرتس"، عاموس هاريل، لشبكة CNN: "قواعد اللعبة تُكتب ونحن نتحدث، لكن من الواضح بالفعل أن الولايات المتحدة هي من تدير الأمور وإسرائيل تلعب وفقاً لقواعدها".
لكن نتنياهو يرفض اتهام المعارضة بأنه حوّل إسرائيل إلى محمية أميركية تقبل الإملاءات المتعلقة بأمنها، وقال إن "فكرة أن إسرائيل دولة تابعة لأميركا هراء". وأشار فانس إلى أن قدرته على إلزام نتنياهو محدودة في الجانب التنفيذي، ويعتمد نجاحه على التنسيق المستمر بين واشنطن وتل أبيب والمجتمع الدولي لضمان الالتزام الكامل بالهدنة. وأكد: "لا نريد دولة تابعة، وهذا ليس ما تمثله إسرائيل.. نريد شراكة، نريد حليفاً هنا".
ويرى مراقبون أن وجود مقر كريات غات الأميركي في النقب هو شكل من أشكال التنسيق المشترك يجمع الجنرال الأميركي باتريك فرانك واللواء الإسرائيلي يكي دولف، ويعكس مستوى غير مسبوق من التنسيق العسكري والدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وقد يزيد من قدرة واشنطن على مراقبة تنفيذ الاتفاق والحدّ من أي محاولة لاستئناف الحرب.
وقد يتحول مقر كريات غات إلى مركز دولي بانضمام دول أخرى إلى القوة الأميركية ليصبح مركزاً دولياً لقوة متعددة الجنسيات للإشراف على الأمن في المراحل اللاحقة. وغداً الاثنين 14/10 يصوّت مجلس الأمن على مشروع قرار قدّمته الإدارة الأميركية حول تشكيل القوة الدولية في غزة، ويتضمن تحديد طبيعة ولايتها بموافقة عدد من الدول العربية، مع دعم متوقع من فرنسا وبريطانيا، واعتراض روسي – صيني على مرجعية هذه القوة عبر "مجلس السلام في غزة" الذي يترأسه ترامب شخصياً وتستمر ولايته حتى نهاية عام 2027، بينما تريد روسيا أن تكون الأمم المتحدة المرجعية.
ويوم الأحد 19/11/2025 وصل المبعوثان الأميركيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى تل أبيب في ثاني زيارة لهما خلال ثلاثة أسابيع، لبحث أزمة نحو 200 مقاتل من حركة حماس متحصنين في أنفاق رفح خلف الخط الأصفر، وقد شكّلت هذه الأزمة تهديداً لاتفاق وقف إطلاق النار. وذكرت تقارير أن إسرائيل تشترط استسلام المقاتلين واعتقالهم ونقلهم للتحقيق، لكن إدارة ترامب أكدت أن أي قرار بشأن هؤلاء المقاتلين سيُتخذ بالتعاون معها. وتضغط الإدارة الأميركية على إسرائيل لحل أزمة المقاتلين في رفح، حيث ترجّح واشنطن توفير ممر آمن لخروجهم إلى مناطق في القطاع تسيطر عليها حماس، أو إلى دولة ثالثة، بعد تسليم أسلحتهم، لاختبار جهود نزع سلاح الحركة في المرحلة الثانية من خطة ترامب. وبعد خمسة أسابيع على إعلان وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما تزال مسألة هؤلاء المقاتلين عالقة بين الأخذ والرد، دون حلّ، فيما تواصل إسرائيل انتهاك الاتفاق بشكل يومي، ما أدى إلى استشهاد المئات وإصابة الكثيرين، ويصفها فانس بأنها مجرد "مناوشات".