قراءة في التفاهم الأميركي الإيراني
ليست سابقة أن تواجه الولايات المتحدة الأمريكية خصمًا محددًا وصولًا إلى مستوى حرب مباشرة لتحقيق أهداف بعضها لمصلحة أطراف آخرين، وفي المقابل تعتبر إيران الدولة التي واجهت الولايات المتحدة منذ نشأتها بالنظام الإسلامي لأكثر من 46 عامًا، إلى أن انفجرت الحرب في 28 فبراير/شباط 2026 بمشاركة إسرائيلية، ضمن رؤى وأهداف إقليمية وأخرى عالمية. ورغم ضخامة المواجهات وإن ظلت نسبيًا منضبطة ولم تتوسع عالميًا، فإنه ما زال في مضامينها ما يعزز الانفجار الأوسع في حالات متعددة.
ورغم المفاوضات التي بدت غير مباشرة وثنائية بوساطة باكستانية اتفق عليها، رغم وجود أطراف أخرى لها خبرات سابقة كسلطنة عُمان مثلًا، فإن ما تمكنت باكستان من التوصل إليه يعتبر إنجازًا مهمًا بدفع من أطرافها، لحاجاتهم المتبادلة في التوصل إلى مسار حل لاحق؛ فواشنطن وطهران تتفاوضان عن نفسيهما وعن أطراف أخرى غير مشاركين رغم اعتبارهم أساس المشكلة كالطرف الإسرائيلي والقوى الحليفة لإيران والتي شاركت مباشرة في الحرب كحزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وقوات الحشد الشعبي في العراق، وبالتالي تعدد الأطراف شكلًا ومركزية القرارات التي يمكن التوصل إليها مضمونًا.
في أي حال من الأحوال، إن ما سُمي اتفاقًا تم التوصل إليه، هو مبدئيًا مذكرة تفاهم تضمنت أربعة عشر بندًا تشكل مسارًا تفاوضيًا مدته ستون يومًا، وفيها من الإشارات كثيرة الالتباس التي تتم عادة في الصياغات الدبلوماسية التي يتم التوصل إليها، وهي عادة تتيح لجميع الأطراف تفسيرها والاعتداد بها على أنها لمصلحتها أو أقله تغطي مصالحها وأهدافها من الحرب، وهي كانت نتاج مفاوضات معقدة متعددة الأطراف كادت في بعض المراحل تتوقف وينفجر الوضع بشكل واسع.
وغريب المفارقات فيها، أنه استُعملت بعض المواقف والأحداث كنمط من أنماط التشدد للحصول على معادلات محددة من بينها تشكيل قواعد اشتباك مباشرة وأحيانًا غير مباشرة بين أطراف آخرين مشاركين في الحرب كإسرائيل وحلفاء إيران.
في المبدأ تم الاتفاق على وقف دائم وفوري للعمليات العسكرية على كل الجبهات، بما فيها لبنان وإسرائيل وهو مطلب إيراني، وفتح مضيق هرمز أمام جميع العمليات التجارية دون أي رسوم، ورفع الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية، في إطار التمهيد للفترة القادمة تمديد وقف إطلاق النار لمدة ستين يومًا لإجراء مفاوضات تقنية تمهد لإجراءات تنفيذية، كرفع العقوبات تدريجيًا، والتزام واشنطن بعدم توقيع عقوبات جديدة، في مقابل التزامات إيرانية حتى التوصل لتوقيع الاتفاق النهائي، والسماح لإيران ببيع وتلقي العائدات النفطية، علاوة على إعفاءات من عقوبات النفط، إضافة إلى إطلاق 25 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة عبر تحويلات مباشرة وخطوط ائتمان.
في موضوع البرنامج النووي، تلتزم إيران بعدم امتلاك السلاح النووي، وتبقي الملف كما هو في هذه الفترة، لا تخصيب ولا توسيع منشآت، وسيتم خلال الستين يومًا مناقشة مصير اليورانيوم عالي التخصيب وآلية تدميره وإخراجه من الأراضي الإيرانية، وانسحاب القوات الأميركية من محيط إيران وفقًا للمسودة 87، وفي هذه المرحلة تم استبعاد ملف البرنامج الصاروخي، وعدم ذكر تمويل الجماعات المسلحة رغم تأكيد واشنطن لاحقًا على أهمية الموضوع لجهة طرحه لاحقًا.
فمن حيث المبدأ، اعتمدت واشنطن أولوية وقف الحرب وفتح مضيق هرمز لخفض أسعار النفط، كما أن التخفيف من الضغط الاقتصادي مرتبط بإجراءات تنفيذية لاحقة، كتسليم المواد النووية المخصبة وتفكيك المنشآت، وفي كل مرحلة تُقدَّم لإيران مكاسب مالية واقتصادية، علاوة على طلب واشنطن ضمانات تفتيش طويلة الأمد في المراحل اللاحقة، وبالمحصلة قبلت واشنطن بالهدنة وفتح مضيق هرمز وتخفيف العقوبات المالية، مقابل تجميد البرنامج النووي مؤقتًا، مع وعد بمفاوضات صعبة لاحقًا. في المقابل وافقت طهران على تجزئة المطالب والوعود المستقبلية ولو كانت مشروطة.
وبخصوص لبنان، الذي كان موضوعًا رئيسًا على جدول المفاوضات، ومن بين تلك الأسس مشاركة قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في برنامج المفاوضات ولو بشكل غير معلن وفي إطار وضع لبنان بأجواء المؤتمر وما يخص لبنان فيه. وفي هذا الإطار ثمة تأكيدات أميركية أن الوضع اللبناني وإن تمت مناقشة أوضاعه في مفاوضات الباكستان، إلا أن ما يُعوَّل عليه لاحقًا، هي المفاوضات السياسية والعسكرية التي ستتم في واشنطن مع الجانب الإسرائيلي، وهي محاولة لإظهار أن لبنان فُصل عن الملف الإيراني وأوضاعه النهائية مرتبطة بالمفاوضات اللبنانية الإسرائيلية وبرعاية أميركية في واشنطن.
وفي الواقع ربح لبنان مبدئيًا شموله بوقف الحرب في المنطقة، لكن الأمر مرتبط عمليًا بالاستعداد الإسرائيلي لتنفيذ وقف إطلاق النار، وهو أمر لطالما تنصلت منه إسرائيل وتجاوزته.
الاتفاق الحالي هو بمثابة إطفاء الحرائق المشتعلة عبر وقف إطلاق النار وفتح قنوات تصدير النفط وإعطاء لبنان فرصة لوقف الحرب، وهو أمر مرتبط أولًا وأخيرًا بالموقف الإسرائيلي وقدرة واشنطن على ممارسة الضغوط على إسرائيل لكبح فرص تجديد الحرب، وهل ستتمكن طهران من الإفلات من الضغوط الأمريكية والإسرائيلية في الملفين النووي والصاروخي. وفي النهاية يقف لبنان وسط خيارات صعبة منتظرة خلال الستين يومًا القادمة.