المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في البنتاغون
تنطلق جولة مفاوضات متتابعة بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، وفي البنتاغون تحديداً، وهي سابقة من حيث نوعية التفاوض ومن يقوم بها، فهي مفاوضات أمنية سياسية تُجرى بين اختصاصيين أمنيين وعسكريين، ذات طابع سياسي.
وقد سبقها ثلاث جولات أدت إلى كسر حاجز الخوف من التفاوض المباشر بين الطرفين اللبناني والإسرائيلي، وأدت، في حدها الأدنى، إلى تمديد وقف إطلاق النار لمدة 45 يوماً في إطار إنشائي، فيما لا تزال الضربات العسكرية مستمرة حتى الآن. ويُشار إلى أنها تُعد مرحلة غير مسبوقة، وهو مسار تفاوضي جزئي نُقل إلى وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، في خطوة تعكس انتقال الملف من مجرد ترتيبات ميدانية مؤقتة إلى محاولة صياغة إطار أمني وسياسي طويل الأمد على الحدود الجنوبية اللبنانية.
إن نقل مسار التفاوض الجزئي إلى وزارة الدفاع الأميركية يُعد انتقالاً للولايات المتحدة من دور الوسيط إلى الراعي التنفيذي لما يمكن أن يتم التوصل إليه، فهو دور يتخطى الرعاية الشكلية إلى الرعاية التنفيذية بين فريقي تفاوض متسلحين بملفات ذات طابع استراتيجي، تُحدَّد من خلالها مستقبلاً طبيعة التعاطي بين لبنان وإسرائيل وفق قواعد محددة سلفاً، فواشنطن لا تكتفي بإدارة الحوار، بل تسعى إلى بناء منظومة مراقبة وضمانات ميدانية تمنع عودة التصعيد على الحدود اللبنانية - الإسرائيلية.
ولذلك، فإن إدخال المؤسسة العسكرية الأميركية مباشرة في ملف المفاوضات يعني أن واشنطن تعتبر الجنوب اللبناني جزءاً من الأمن الإقليمي الأوسع المرتبط بالتوازنات في الشرق الأوسط، وخصوصاً التصعيد الأميركي - الإيراني الأخير.
يستند الوفد اللبناني إلى نقاط رئيسة تنطلق من أولوية تثبيت وقف إطلاق النار، ووقف الاستهداف الإسرائيلي للقرى الجنوبية، وتأمين انسحاب إسرائيلي كامل من النقاط المتنازع عليها، إضافة إلى ضمان عودة النازحين وإطلاق عملية إعادة الإعمار، واعتبار أن أي تفاهم يجب أن يحفظ السيادة اللبنانية كاملة، وأن السلاح يُحل في الأطر اللبنانية الداخلية.
أما إسرائيل فقد دخلت المفاوضات بهدف تحقيق أمرين أساسيين: الأول تثبيت ترتيبات أمنية تمنع أي نشاط عسكري لحزب الله قرب الحدود، والثاني ربط أي انسحاب أو تهدئة طويلة الأمد بمسألة السلاح في لبنان. وتشير المعطيات الدبلوماسية إلى أن الولايات المتحدة تحاول إيجاد صيغة وسطية بين المطلبين اللبناني والإسرائيلي، عبر مقاربة تدريجية تقوم على التهدئة الأمنية أولاً، ثم الانتقال إلى ملفات أكثر حساسية في مراحل لاحقة.
وتضع الولايات المتحدة ثقلها في المفاوضات الحالية انطلاقاً من أوضاع إقليمية شرق أوسطية خطرة جداً، سواء لجهة التصعيد الأميركي الإسرائيلي مع إيران، أو سعي واشنطن إلى تحقيق خرق ذي وزن في وقت تشهد فيه الساحة الداخلية الأميركية حراكاً تنافسياً قوياً في إطار الانتخابات التشريعية.
وفي الواقع، لا تبدو هذه المفاوضات سهلة، فلبنان يعاني انقساماً داخلياً حاداً حول العديد من القضايا، كطبيعة العلاقة مع إسرائيل، وحول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه الدولة في ضبط الوضع الأمني جنوباً. كما أن إسرائيل تعاني من ضغوط سياسية وأمنية تجعل حكومتها أقل قدرة على تقديم تنازلات كبيرة. أما العامل الأكثر تعقيداً، فيبقى ارتباط الساحة اللبنانية بالصراع الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة، إذ يصعب فصل دور حزب الله عن الحسابات الإيرانية الأوسع في المنطقة.
في الواقع، يبدو أن الولايات المتحدة تضع ثقلاً كثيفاً لإنجاز خرق ما، وهو أمر ليس بالسهل استناداً إلى طبيعة الطروحات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي. ورغم عدم إمكانية التوصل إلى خروق ذات وزن عالٍ، إلا أنه يشكل مساراً يُبنى عليه في مفاوضات أمنية سياسية متتالية خُطط لها في يونيو/حزيران القادم.
وفي المحصلة، تمثل مفاوضات 29 مايو/أيار 2026 محطة حساسة في العلاقة اللبنانية - الإسرائيلية، لأنها المرة الأولى التي يُنقل فيها الملف إلى مستوى أمني - استراتيجي تديره مباشرة المؤسسات الأميركية المركزية.
وإذا تمكنت هذه المفاوضات من تثبيت التهدئة، فقد تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار النسبي على الحدود الجنوبية. أما إذا فشلت، فإن المنطقة قد تعود سريعاً إلى دائرة التصعيد العسكري، خصوصاً في ظل هشاشة التوازنات الإقليمية واستمرار الصراعات المفتوحة في الشرق الأوسط.
إن التدقيق في المسارات التفاوضية التي جرت بين العرب وإسرائيل سابقاً، وبخاصة الجانب اللبناني، يُظهر حساسية الملف اللبناني وصعوبة التوصل إلى نتائج سريعة ومحققة مقارنة بباقي المسارات. لذا، فإن التعامل مع الملف اللبناني له خصوصياته وطرقه الخاصة، بحيث تتداخل الكثير من الوقائع والعوامل التي يمكن أن تؤثر سلباً في أساس الموضوع.