قصائد شعرية لفاتن متولي تحت مجهر النقد والتحليل

الشاعرة في ديوان 'شبه غيبوبة' تجعل نفسها خارج التكرار في المعنى والشكل والبناء والتركيب، فشعرها ينتمي لنفسه ولخصائصه.

إن سيمياء الخطاب الشعري لدى الشاعرة فاتن متولي يكمن بين كآبة المعاني وانزياحاتها الشاردة لفظا ومعنى لهو بين السطور والمضمرة خلفياتها البلاغية تحت الكلمات المتوارية مقاصدها في الإسقاطات الدلالية بين الحقيقة والمجاز في النصوص الشعرية للشاعرة فاتن متولي.

تغوص في لحظات شعرية رائعة في رحلة مع صوت شعري نسائي شاعري وشجي وحزين قراءة وبحثا وتنقيبا ونقدا في مكنوناته وأعماقه لعلني أنجح في سبر أغواره أو بعض منها... كما هي رحلاتي مع الشاعرات والشعراء المصريين والعرب في أبحاثي السابقة.

فهل الشعر النسوي أو النسائي في مجتمعنا المصري جديد الولادة حتى نخصه بالدراسة والتحليل بنفس مستوى اهتمامنا بدارسة الشعر الذكوري؟ أم أن البحث في ذلك ليس بنفس الأهمية ... وليس له نفس الجدوى؟، وللإجابة على هذا السؤال وكمدخل لدراسة الشعر النسائي في شخص الشاعرة فاتن متولي، لم أجد من إجابة تشفي الغليل إلا من خلال مفتتح ديوانها الشعري "شبه غيبوبة" بهذا الإهداء المتفرد بكل ما تحمل هذه الكلمات من معنى ومشاعر جياشة انك عن كل ما ستكتب داخل الديوان.

إهداء: الألم... ذلك المخلص من الآثام، وتلك العطية التي وهبت لنا؛ لتمنحنا حياة أخرى، وعالمًا آخر، قد تفجعنا الأحداث، وتدمينا المواقف، قد يخذلنا العالم أجمع، لكنه ذلك البريق الذي يبرق في سمائنا الدنيا؛ لنرفع القبعة لكل من آلمونا، وكل من تخلوا عنا، وكل من رحلوا، وتركونا نعاني الوحدة، والبرد وتكرارية التذكر. أكتبكم أحبائي كما أكتبني ... سطرًا دامع الحرف كثير النقاء كالحياة والموت. لكنه في نهاية الرحلة المضنية.... ثمة ضوء في آخر الرواق..!! ... إن الشعر النسوي أو النسائي في مجتمعنا المصري بصفة خاصة والشعر العربي بصفة عامة.

فتح جديد لهذا العصر أو عودة إلى أصل الأشياء، ولعل من الخطأ الشائع أن فكرة  فحولة الشعر منوطة بالذكور كجنس دون الإناث، لكن تاريخ الأدب المصري عامة وتاريخ الشعر خاصة غني بالشعر النسائي كما في الإبداع بكل لغاته، بل كان لهن توهج مدوي في مراحل عديدة من تاريخ الأدب المصري القديم والوسيط والمعاصر.

وسأشد الرحال في مداخلتي هذه في البحث والتحليل والتنقيب في الشعر النسائي من خلال نصوص الشاعرة فاتن متولي كنموذج والتي هي صوت شعري نسائي مصري معاصر يتسم بشاعرية حزينة وبصدق البوح الذاتي في انطواء ملحوظ على النفس كأنها تتوارى عن الأضواء لتعيش في برجها عازفة عن الظهور في الساحة الشعرية المصرية قانعة بما ترسلــــه أو تبثه خارج بلدها العريقة والجميلة بورسعيد جاءت نصوص غاية في الإبداع.

ومن خلال قراءاتي المتعددة لنصوصها وجدت عندها ما لم أجد عند غيرها من لحظات مؤثرة تتغشاني بقشعريرة من الكآبة والأمل في مزيج غامض أستشعره كأنني أعيش تجربتها أو كأنني جزء من كيانها ثم لحظات من قبس يتحسسنا وينقلنا إلى عالمها لنغوص في متعة غريبة من الحزن الممزوج بالوهن مع بصيص من المقاومة الذاتية والصراع من أجل الاستمرارية ..

ورغم متعة القراءة وروعتها مع شدة الأحاسيس وضغطها السيكولوجي، فقد جاءت لحظات من التأمل في كآبة المعاني وفي انزياحاتها الشاردة بين السطور والمضمرة خلفياتها تحت الكلمات المتوارية المقاصد كمدخل الأساس لتحليل قصائد من ديوان الشاعرة فاتن متولي.

ومن خلال قراءات لجُل قصائدها المنشورة في ديوان "شبه غيبوبة"، فإن قصائد بعينها دفعتني ... بل جعلتني أميل إلى الغوص في مضمونها وأبحث في خلفياتها من حيث البناء التعبيري/الإنشائي ومن حيث المهارات اللغوية والوظيفية للنصوص فيما تتناوله من ظواهر لغوية وبيانية وبلاغية... وفيما تتضمنه من تحسينات تقعيدية من علوم اللغة، فجاءت في نصوصها بالتشبيه بجل أقسامه مع توظيف أركانه في مواضع الإضافة إلى النعوت والصفات كما أتت بذلك في مواضع العطف في أحايين أخرى رابطة إياه مع التوابع التي تأتي بالوصف غاية في البناء الشعري، كما استغلت الاستعارة في أماكن شتى بأركانها الثلاثة مع تقريب المجاز بأقسامه في أسلوب سلس في أبياتها من القارئ وربطه بالإيحاء أحيانا لتقترب بنا نحو الحقيقة المندسة مجازا خلف الكلمات... كما أجد الشاعرة لها خاصيات دقيقة في المقاربة بين الطباق والمقابلة فتأتي بالألفاظ المتضادة المعنى في عبارة واحدة كما تأتي بها في عبارات متقاربة مما يضفي على نصوصها شيئا من التنميق المزخرف بزينة اللفظ فيطمئن الذوق ويستمتع المتلقي ونجد ذلك عندها في التضاد بين كلمات والأساليب مثل ... فرح/حزن وأمل/يأس وابتسامة/تجهم وحنين/هجر وموت/حياة.

كل قصائد الشاعرة مرآة تعكس المواضيع الاجتماعية والنفسية والوجدانية والسيكولوجية التي يعج بها المجتمع في مختلف طبقاته عموديا وأفقيا

أما بالنسبة إلى منهج الشاعرة في قصائدها نلاحظ أن منهجها العام يتضح من خلال عناوين قصائدها بحيث كل عنوان يتضمن في عمقه ملخص النص في كلمة واحدة أو كلمتين في الغالب بما يحيلنا على توظيف الشاعرة للإشباع اللغوي وذلك بأداء المعنى بأقل ما يمكن من الألفاظ وهي في ذلك تنحو إلى مقولة المفكر والأديب المصري العالمي البلاغي الكبير الراحل الأستاذ نجيب محفوظ، حيث حدد هذا المفكر قوة البـلاغة وشكـيمتها في قولته الشهيرة ـ إجاعة اللفظ وإشباع المعنى ـ .

إن الشاعرة فاتن متولي تطرح لنا من خلال نصوصها تجارب حياتية متعددة، كما تطرح قيما إنسانية وعينات من ردة الفعل الانعكاسي اتجاه الأحداث واتجاه المجتمع ومن قصائدها التي تتسع لهذه الخاصيات نذكر على سبيل المثال لا الحصر قصائد ... 

ـ وكأني بهذه القصيدة سيرة ذاتية تربطها بالحياة وكالحبل السري في ارتباطها بشعرية اللغة حين وصفها لمقومات وأسس القيم الإنسانية التي تتداخل في تكوين الشخصية كما تتدخل في المواقف الانفعالية وفي الأحداث اليومية المعاشة. ومما تقوله الشاعرة في هذه القصيدة نقتطف التالي...

قتلتني التي. أنا..؟

كان السكين ثقيلًا كذنوبنا 

والدم الساقط.. 

فائر وثائر ..! 

حتى شويت يدي 

رائحة الشواء ذكية 

والألم مبارك 

جثتي... أمامي 

هي التي أودت بنهايتها 

ظلت تصرخ بالحقيقة 

وتنادي الفضيحة 

كان التبغ صديقًا وفيًا

ساعدني لأداء مهمتي 

(اقرا.. الحادثة)

حاولت إنزالي. 

علقت رأسي على طرف السلم 

تركتها 

تبرق، وتضحك ضحكتها الاستفزازية 

تهنئني بفشلي الذريع 

جريت للشارع 

الزحام 

الناس 

الضوء

الضجيج

صوت بائع الجرائد منتشي 

(اقرا... الحادثة...) 

وجدتني 

أتدافع بغباء.. مخيف 

فوق أطنان الخطيئة 

وطنين الصدمة 

أجري... فيجري ورائي 

ظلي.. 

ألهج. بأنفاس ضالة 

تلفظني أقدامي

تعتلي المشهد 

تستند.. يقظتي 

على جدار متهدم 

يعلن شجاعته للبقاء 

وسط براثن لثراء فاحش 

الجرم البائن 

حداثة البنايات 

تخرج لسانها.. تضج انتشاء 

تضحك في هستيريا محمومة 

اهتزت طوابقها 

تدافع بلدوزر إلى مبنى عتي

يتيم.. 

وحيد ..وبارد 

في قاع الحقيقة.. 

يرم بذكريات كانت 

يلفظه الشارع وساكنوه 

يفتحون حقائبهم 

لأوراق الدولار السخية 

تتفتق كروشهم إلى ثريد الحكايات 

يبذلون الدمع شفاعة فعلتهم 

تزهد عقولهم التريث 

على ماض فات

وعمر كسيح 

رآني.. ذلك المسكين 

وأنا أذبحني 

جريت إلى الشارع 

الزحام 

الناس 

الضوء 

الضجيج 

وصوت بائع الجرائد منتشي 

(اقرا.. الحادثة... اقرا الحادثة).

ـ ثم قصيدة... "جريمة" التي تعيد الشاعرة من خلالها الحكاية السرمدية في إشكالياتها المتعددة والمختلفة بين النور والظلام وبين الحق والباطل وبين الأبيض والأسود وبين الجور والعدل... إنها لا تتوانى عن الصراع من أجل الإقناع بالحجة والإمتاع بالتشويق وتقنيات البناء الإنشائي/البياني في نفس الوقت. وتقول في جزء من قصيدتها هذه...

جريمــــــــــة...!!

كانت الفضيحة أكبر 

من إخفاء معالمها 

حين أنجب العرب 

ولد سفاح 

الأنكى يا سادتنا 

المجرم لم ينفِ الفعلة عنه 

كلفونا بالتوقيع.. لذبحه 

حين يأذن الديك ثلاثًا 

ألبسوه الشوك 

وأطعموه الخل والمر

 وحين سيق للذبح..

مكبرين .. 

الإخوة الشرعيون 

التزموا الصمت ادعاء.. 

"من خاف غنم" 

بين دجلة والفرات 

خلصوه من دنس البقاء طويلًا 

تدلى كعنقود عنب مشتهاه 

فالموت كريم معنا 

إذ لا يمنحنا أقنعة. . 

هشة ووضيعة 

لم يحترف ممثلوها المبتدئون حرفية الإجادة 

لذا لملموا حقائبهم 

وقرروا الاعتزال 

حيث اللعبة في مشهد" الفاينال" 

حقيرة للغاية 

ليرفع الجمع 

القبعة ... بعظمة متفردة 

يمنح من يختار نهايته 

ليصير الموت 

مدهشًا كالحياة!. 

ـ وفي قصيدتها الرائعة ... ـ 

هي بــــــــــــــلادي..!!

في بلادنا نتعلم 

كيف تكون ماسوشية  الألم متعة كبيرة 

كما هي شراهة الأكل 

في مطاعم أرستقراطية 

تضج بالمتخمين رفاهية 

أرتشفه صباحًا مع فنجان الشاي 

ليلًا أحشو به (ساندوتش ) ذكرياتي المتعبة 

وأتبع في أحلامي حمية البكاء المفعم بالضجر 

أمارس لعبة التذكر اللعينة 

في لقطات أرشيفية "يتكأكأ" فيها دماغي

 ألتقط وجعي كما ألتقط منديلي 

من على (كومودينو ) يحمل أفكاري المرهقة  

مطعمة بأقراص البنادول 

وبكاء قط وحيد في الشارع 

يخلع صمت الليل البليد 

هكذا.. 

يحتمل الحزن أن يكون 

جميلًا ورائعًا 

عادي جدًا في بلادنا البكاء كثيرًا 

حد السقوط 

والانتشاء .. 

أحيانًا يبكي الناس مجاملة

حين لا يستطيعون أن يدفعوا ثمنًا 

لأشياء صعب أن يبذلوها!!

ـ تجعل فيها من حرفها ميزان بوحها وإيقاعها الداخلي الصادر من أعماقها لحل القضايا الشائكة في محيطها فتجعل من الحرف الوسيلة الأساسية للقضاء على القصور بمختلف أنواعه الفكري والأخلاقي بفلسفتها البسيطة والبليغة الأداء والتواصل قصد الإفادة ونجدها مندمجة بحرفها مع الواقع حين تقول في قصيدتها هذه...

معاودة لإيقاظ الحلم

مت دون أن .. 

أقترف جريمة قتلك 

رغم أنك 

تقتلني كل يوم 

وكل ساعة 

وكل دقيقة.. 

أنا في قاع البئر مسجاة 

على سرير جاثوم 

يغتالني.. 

كلما هم بي النوم

معلقة 

بين جحيم وسراب 

مهزومة 

بين خبر وفعل 

مقسومة 

بين عبارات تود أن تنطق 

أو أقدام تود أن تطلق.. 

وقعها على رصيف الشارع 

قدمي لا يعرف طعم 

الجري.. حافية 

كصغار الحي المقابل

تيبست أصابعي 

داخل حذاء يشتكي البراح 

لماذا نصاب بالصمم 

عندما تبلغنا السماء رأيها 

ويستحثنا الله 

على فعل الصواب؟! 

لماذا نعاند 

ما تقوله الطبيعة؟ 

ليس هنالك 

طريقة أخرى 

لإرجاع ما سلب منا

هنالك مغفرة 

لما اقترفناه في حق أنفسنا.. 

أنا تلك المكبلة 

بالبكاء 

وبالأمنية الوحيدة 

التي لن تتحقق 

عذاب 

عذاب 

صراخ 

صراخ.. 

وأنا وحدي

في سرادق العزاء 

لا أحد غيري يشيعني 

يعزيني 

أراه. 

من الحرير الأبيض 

وأنا منساقة كالذبيحة في هدوء سلبي 

ذلك السرير 

ليس سوى قبري الأبدي.. 

دجاجة وحيدة 

تنساق لنهاية لا تستحقها 

عندما يموت الناس

يكون هنالك مكافأة 

لكني أنا الميتة الوحيدة 

التي تعذب مرتين 

أنا التي 

أموت مرتين 

وأنهزم مرات ومرات 

حضروا بخوركم.. زغاريدكم 

رقصتكم المتجهمة 

على استعراض جنائزي 

يليق بفجيعة المشهد 

كيف تستغربون حزني

فأنا ابنة الصبار اليتيمة 

أنتم.. 

لستم سوى كومبارس 

فاشل 

ما زالت سياط القاتل تنهشني 

ككلب جائع.. هو..! 

كما نجد في قصائد أخرى للشاعرة مواضيع تختلف من البوح المباشر إلى الإيحاء إلى الإسقاط إلى الإضمار... ولكل منها موضـوعها المعنوي الخاص بها ومنها قصـائد... ـ معاودة إيقاظ حلم، وهي بلادي، وجريمة، وقتلتني التي أنا، واضطراب، الخلاص، وجيم أوفر.

ديوان 'شبه غيبوبة'

وكل قصائد الشاعرة هذه مرآة تعكس المواضيع الاجتماعية والنفسية والوجدانية والسيكولوجية التي يعج بها المجتمع في مختلف طبقاته عموديا وأفقيا، بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من جمالية في اللغة وفي منهجية البناء وتوظيف المفاهيم، في خطوات مدروسة ومحددة المعالم والأهداف، ولها القدرة على تشغيل أنواع من المقاربات من تجربتها الحياتية الشخصية من أجل وصف الظواهر ومعالجتها أدبيا وذلك بتأويلها إلى حكي شعري متكامل الجوانب ... بل بجمالية رائعة وممتعة، كما نجدها توظف معارفها المتنوعة المشارب والضوابط شكليا ولغويا بعيدا عن اللحن في أشكال وسياقات متنوعة للإتيان بالتواصل الإبداعي في أبهى صوره الشعرية، وذلك بما يتوفر عليه مخزون الشاعرة من أدوات الإبداع  وأسلوب الإقناع وتقنيات الإيقاع في التعبير كتابة وصوتا أي ـ أداء ـ عن مكتسباتها عندما تحولها شعرا منغما سلسا يسري على لسانها رقراقا يؤدي وظيفته الأدبية بكل يسر وسهولة وإشباع معنوي وحتى مع أشعار الألم والحزن والحسرة التي تجثم على جل أشعارها، إلا أنني أجد فيها ما يعزز قيم الثقة بالنفس والتشبث بالأمل وقيم التفتح والحرية، كما نجدها تعزز أشعارها بأساليب الانتماء إلى الأرض والوطن بقوة وعزم، وتأتي في بعض أشعارها بدلالات الارتباط بالهوية المصرية والعربية ثقافة وحضارة وتاريخا ويتجلى ذلك في صرختها الشعرية من أعماق القلب الحزين على الموت مرتين  حين تشدو لحنا يداري حزنها وألمها مسقطة شخصيتها على الموت والوجع والمكابدات، فتقول في مطلع قصيدة 

كيف لـــــي ......

فجيعتنا لا تحتاج رثاء 

المؤامرة خطيرة 

والذبيحة مقوضة 

لا تستطيع فعل شيء

سوى الحزن القاتل 

الذي يلومها 

كيف صرت إلى هذا الحبل 

البكاء صامت هذه الليلة 

والسكين سيد الفعل 

كيف اقترفت جريمة البراءة

 في زمن موبوء

ينضح بالخسة والدناءة 

كيف لكم أن تلوموا الذبيحة 

ولا تلوموا أنفسكم 

كيف لزهر الحديقة أن يورق 

والعصافير أن تغرد 

وقد اعتلتها الغربان 

تصفق في ليل بهيم وغبي 

كيف للابتسام أن يحتضن الشفاه 

والكل غارق في اللعنة 

الدم معلق في رقاب الجميع. . الكل

 والموتى يلعنونكم كل مساء 

حط على تلك المدينة 

بعض اللصوص والأفاقين 

سحقوا أعناق الأطفال 

وقطعوا أيادي الشيوخ 

وادعوا أن الرحمة باقية 

لأجل نسائكم 

من ثم جعلوهن وليمة 

لعشاء متخم بالشهوة 

الصوت ليس صوتي 

ليس هنالك وقت

 السكين بارد والنصل 

مؤلم إلى حد الرغبة في الخلاص 

أين ذلك المدعي البراءة 

الحربة 

في جنبي.. 

لم تعد لي رغبة في عشائكم الأخير 

مصلوبة.. 

هي سذاجتي 

أسلمتني ليهوذا 

أول.. 

وثان..

وثالث.. 

كم أنا راضية 

بتلك النهاية 

لأرتفع إلى السماء 

حيث غناء الملائكة واضح بشكل 

رائع.. 

حيث لا ألم 

لا لغو 

لا رياء 

هلموا 

أيتها النجميات

اجلبن السعادة 

مع قمر متحضر 

يعلم كيف يكرم مضيفيه!.. 

والشاعرة تعبر بما يختلجها بالظاهر والمضمر حسب السياق والبناء والوضعية وكل ميولها في ذلك إيجابية حيث تعززها بالروح الدينية العالية المشعة آثارها من خلف نصوصها وتلتجأ في كل ذلك إلى استعمال بلاغة اللغة ومحسناتها، فنجدها فصيحة اللفظ، بالغة البيان حين تنوع أغراض الخبر وتختزل بلاغة الإقناع بدلائل وتبدي فصاحة في الإبداع لفظاً ومعنى وتركيباً لتأتي بخاصية الإمتاع في صور إنشائية غاية في التشويق مستغلة الجناس والسجع وأحيانا الاقتباس في عدة مواطن، والشاعرة في ذلك تربط بين البلاغة والمقاصد والوزن والإيقاع لتأتي قصائدها محفوفة بالجمال وسلسة في البناء وسهلة في الأداء... مما يجعل المتلقي مهتما بها بل متشوقا لقراءتها أو للإنصات لها.

وأبيات الشاعرة أحيانا يستوطنها التشبيه والمقابلة بالتضاد فيما بين المشبه والمشبه به بالنقيض كما بين الصالح والطالح لما تأتي بهم في مواقع لتقدم للقارئ مختلف وجوه التشبيه في التطابق والتنافر لتضع المتلقي أمام الواقع المجتمعي من خلال تصويرها له بالكلمات، والهدف أنها تسعى لتعرية هذا الواقع المختل لتبني بحكمة أشعارها المثالية التي تنشدها للفرد والمجتمع.

وفي بنائها للأشكال الشعرية تلتجأ الشاعرة فاتن متولي إلى توظيف البؤرة في نصوصها بطرحها لإشكالية جوهرية أو للعقدة... ثم تبحث من خلال التساؤلات الدلائلية عن الحل بأسلوبها الشعري الخاص بها لتقدمه للقارئ كحل يتناسب مع ما يطمح إليه، موجهة إياه بطريقة لاشعورية للانفعال معها والتجاوب مع أسلوب البؤرة في الكتابة لما يحمله من تشويق وإبداع، وتلتجأ لهذه الخاصية التي تعطي أيضا للقصائد نكهة متميزة وتجعلها منفردة بها كما ينفرد بها القليل من الشواعر والشعراء... وإذا بها تشترك في هذا الشكل من البناء الشعري مع استخدام خاصية البؤرة في الشعر التي تستعصي على التحليل، مما جعل اللغويين يهتمون بها وهي مركز التنغيم الصوتي... ويمكن استثمار الشعرية من منطلق البؤرة في الشعر في الدراسات الأدبية عموما.

وكأني بالشاعرة في استغلالها لظاهرة البؤرة تتوافق مع ما ذهب إليه الشاعر العربي الكبير أدونيس في قصيدته "شجرة الثمار" ... فهناك توظيف في شعريتها للبؤرة فنيا بتقنيات مختلفة حيث تتبنى العقدة في تدرجها ثم تبحث في تفكيكها لتجعل من الإشكاليات جدلا شعريا دلائليا بشكل فني من أشكال الشعر العربي الحديث.

ومن خلال ما سبق نجد أن سيمياء الخطاب الشعري ترى أن منهجية الشاعرة فاتن متولي في تعاملها مع إشكاليات النصوص الشعرية بناءً ولفظاً ومعنًى وإيقاعاً وبلاغة ترتكز على خصائص متنوعة من الخطاب الشعري لتضمنه للأدوات اللغوية المختلفة بجل وجوهها مما يجعل ممارساتها الأدبية تركيبا فيزيونوميا يتحرك في إطار اللغة والمجتمع عبر الزمان والمكان ليجيب لنا شعريا عن التساؤلات حول مفهوم النص وما أثاره من جدل سيميائي... فنصوص الشاعرة رؤية تأسيسية للخطاب الدلائلي/البياني في نموذج متجدد يتدرج إلى تحليل المكونات رمزا وتجريدا كما يحللها بالظاهر والمضمر.

وإن النقد الحديث يرى خطابها يلملم المكونات الذاتية والجماعية في نصوصها من أنا الشاعرة ومن محيطها ويتساءل على لسان الباحث بين المعاني في خلفياتها عن ... ما مدى تواصل الشاعرة بتقنياتها الخطابية ومقارباتها اللغوية والفنية شكلاً ومضمونا.. مع الأنا الجمعي والفردي ومدى تأثيرها في ذلك وتأثرها به؟ وإلى أي حد يمكن القول أن دلائل المتلقي تلتقي على المستوى الأفقي في تقاطعها مع ما تذهب إليه الشاعرة في مقاصد أشعارها؟ وهل طريقة اختيارها في ملاءمة النص مع الواقع المعيش عند الشاعرة تؤدي مهمتها السيكولوجية التي ينتظرها القارئ؟

إن قصائد الشاعرة فاتن متولي تعد المدخل الأساس والرئيس للإجابة على الإشكاليات المطروحة مجتمعيا... وأدبيا وفنيا، فقصائدها فيها المتعدد والمتشاكل وتتضمن مقاصد محددة الأهـداف والغايات دون إبهام ولا إبدال ولا مواربة. فتطرح الإشكاليات في بؤر تحللها لتنزع منها بعد القفلة الشعرية خلاصة الحل بعناصر الإفادة والتوجيه بعد الحبكة المشفرة. مع التشويق للدعوة إلى إثارة الرغبة في المتابعة ... ثم من خلال ذلك يتم غرس جذور حب الشعر في نفس القارئ لجعله من جمهور الشعر العربي.

ورغم ذلك، فهو من السهل الممتنع شعرها لأنها تتصف بالبلاغة مع التبسيط في التركيب واختصاره مع إغناء المعنى بفصاحة الإيضاح مما يجعل الظاهر من اللفظ والمعاني والمضمر منهما مثمرا وزاهيا حتى تنتهي إلى الإزاحة من خلف البوح.

تأتي في بعض أشعارها دلالات الارتباط بالهوية المصرية والعربية ثقافة وحضارة وتاريخا

إن المتلقي يستلهم من أشعارها إحساسه بالواقع في أدق تفاصيله لتغنيه عن التجربة، فهي تتواصل مع الجميع لتوقظ دواخلنا فضاء للبحث عن الأمل انطلاقا من حزننا ومشاكلنا وعثراتنا... إنها تحملنا بكلماتها على جناح أمل غائر في نفوسنا فتأوي بأشعارها إلى أعماقنا كما تأوي الحمائم إلى أوكارها كل مساء، لأن أشعار فاتن متولي ملاذ للناس البسطاء والمنسيين المكلومين ليجدوا فيها مفاتيحهم للخروج نحو الفضاءات الأكثر رحابة واتساعا والتي تداوي الجروح من خلالها وتنشر الأمل في الحياة بين نفوس اليائسين.

أظن أن الشاعرة فاتن متولي رغم ثقافتها الواسعة وتكوينها الأدبي الرصين، فإن صدامها مع الحياة بمرها وحلوها على أكثر من واجهة في الآن نفسه هو ما جعل منها شاعرة متميزة، وتظهر شعريتها من خلال البناء الدرامي القوي في ارتباطاته بالإيقاع وتناغمهما مع الأحاسيس الجياشة التي يحسها القارئ في أشعارها.

إن الحياة اليومية في إشكالياتها وتؤثرها هي من أزاحت الستار عن شاعرتنا ودفعتها للكتابة، وهي من مكنتها من اكتساب مهارة البوح من ما يكنه صدرها المكلوم.

إن الأزمات الحادة تنشط الفعل المنعكس ليولد لنا ردة الفعل، فالعديد من الأدباء والشعراء والفنانين وحتى العلماء لا تبرز إبداعاتهم الرائعة والقيمة إلا من خلال ردودهم الانفعالية إبان الأزمات، وكما يقول المثل الشائع... "الحاجة أم  الاختراع".

وإن قصائد الشاعرة بلاغيا وبيانيا مليئة بخصائص الإحساس والمتعة والإدهاش في مقارباتها بين بلاغة الطباق بالتضاد التي نادرا ما يلجأ إليها الأدباء والشواعر حين صياغاتهم الفنية وهم في حالة انفعال .

وأكاد أقول إن الشاعرة انفعالية وجدانيا إلى الحد الذي تتداخل فيه خصوصياتها بشعريتها. وتظهر جلية علاقة الشعر بالمتعة والانفعال والإدهاش في بعض نصوص المبدعة فاتن متولي في تقاطع بديع بين خطوط الشاعرة. وحيث أن أبدا لا يستحق الشعر اسمه ولا الهالة التي تحيط به لدى خاصة الناس وعامتهم إن لم يكن منبعا ثريا للمتعة والإدهاش.

وإن تحليل الخطاب في قصائد الشاعرة فاتن متولي يظهر لنا صورا من المعاني يتجلاها المستتر والمعلن في نكهة خاصة بها تختلف باختلاف الظواهر الحياتية معبرة عليها بمعاني مقصودة أو متوارية، كما تستحضر ذلك عبر التشبيه والاستعارة لتحرر المكبوت من المشاعر بطرق غير مباشرة لتغالط الأنا في غروره وتكبره... فتأتي الأفكار في جل جوانبها متداخلة بين الحزن والحسرة والكآبة وبين الطموح والأمل، فتجرفنا الشاعرة أحيانا لتزلزل بعض المعايير المتوارثة لتبني على أنقاضها أسس الحداثة بتبنيها للنموذج النثري في القصيدة التي تؤديه كما تتبنى الحداثة الاجتماعية بمسحة من التدين يظهر بريقها من وراء كلماتها وذلك في مزج فني يزيد القصيدة رونقا وإمتاعا، والظاهرة هذه لها دلالاتها عند الشاعرة، فهي مترابطة بقصائدها بواسطة الفعل اليومي ويبرز مداها من خلال أفعال لتوقظها في نصوصها بحيث تكون مرتبطة بسلوكيات فردية وجماعية، فتظهر في تقاطعات التطور الذي يعرفه المجتمع المصري ... مما يجعل الشاعرة على تواصل دائم عندما تربط اليومي بالتطور اللغوي والشعري في قصائدها حيث توظف الجديد مع المحافظة على الأصالة لتكون علاقتها بين الكلمات والمعاني تساير التطور الطبيعي للحياة، لأن الشاعرة هي صورة لمجتمعها ... بل هي مرآة صادقة له، وذلك ما جعل فاتن متولي متحولة ومتطورة في لغتها وخيالها وبوحها لخلق لوحة متداخلة بين المعاني واللغة والإيقاع الداخلي وما تعيشه يوميا من إكراهات وانفعالات ... حتى ظهر آثار ذلك واضحا وجلياً في أشعارها.

ولذلك نجد في أحايين أخرى نصوص الشاعرة كلوحات تشكيلية صارخة البوح ببواطنها وبما تخفيه سطورها ليؤولها كل حسب ظروفه وموقعه ورؤيته للأشياء، لأن الحقيقة المطلقة التي نهدف إليها من قراءة الشعـر على الخصوص تبقى سؤالاً مطروحا ومتعددة وجوهه، فكل منا يؤول النصوص من زاويته وحسب رؤيته وأحياناً حسب احتياجاته الذوقية والجمالية، وقد نختلف في التأويل حد التناقض وقد نتفق حد التوافق ... وذلك عندما تكون الأغراض من النص متوارية والظاهر منها مجـازا أو إسقاطا لا يوحي بالحقيقة.

هذه النصوص وبهذه المواصفات تفجر أحاسيسنا ومشاعرنا وتجعل الشاعرة  تتمادى وتتهادى بين ما هو فلسفي/اجتماعي وما هو ذاتي/موضوعي وما هو نفسي/داخلي ... وحجتها أن نصوصها تخاطب عمق الوجدان الإنساني في مكنوناته النفسية والفلسفية والاجتماعية والمادية بعيدا عن النمطية السائدة وعن الأنانية اللاموضوعية، كما تبرز من معالجتها للإشكاليات في مختلف الإنزياحات والتقابلات والمقارنات والتوازيات والإسقاطات الدلالية المعنوية واللفظية وفي استعاراتها الانفعالية اجتماعيا وبلاغيا حيث تظهر الصور الشعرية بقوة في ثنايا إيقاعها الداخلي، فتخلخل بذلك الشاعرة التراكيب الشعرية المألوفة لتبني على آثارها بناء تنحو به نحو خيال القارئ.

إن قصائد المبدعة فاتن متولي كوكبة من الشعر الحديث وليست صدى لتجارب سابقة، وهي تخالف التنميط والتقليد تجعل بذلك نفسها خارج التكرار في المعنى والشكل والبناء والتركيب، فشعرها ينتمي لنفسه ولخصائصه التي تؤثث بهما الشاعرة تأويلاً بتصور شعري خارج الابدال/السائد. فقصائدها من منظورها الفني هذا تجعلها تمنح القارئ لحظات شعرية رائعة الإبداع يفوح بالإمتاع والإدهاش في مقاربات بلاغية توحي بالغواية والانبهار، فمن يرغب في شعرية متميزة بالسهل الممتنع دون تكلف وبخاصيات الإقناع والإشباع.             

أرشح له الانفراد بقراءات قصائد الشاعرة فاتن متولي التي تصالح فيها الشعر مع محيطه والشاعر مع جمهوره والقارئ مع الشعرية المصرية من خلال شعرها النثري الفصيح عبر اعتمادها رؤية جديدة للشكل، للتركيب، للواقع وللفضاء والزمان.