قمح الحسكة ورقة ضغط سياسية في خضم صراع على البقاء

واشنطن تريد استغلال الموارد في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وضمنها المحاصيل الزراعية كورقة للضغط على النظام السوري في المفاوضات بين الطرفين.



مزارعو الحسكة بين نار الأسد وضغوط الأكراد


نقل المحصول إلى دمشق يهدد بأزمة غذائية في مناطق سيطرة الأكراد


نظام الأسد يستخدم الغذاء سلاحا لضمان الهدوء في مناطق سيطرته


دمشق تقدم أسعارا مغرية لمزارعي الحسكة لوضع يدها على محصول القمح


سباق سوري كردي للظفر بقمح الحسكة


عامودة (سوريا) - يجول عادل عثمان بناظريه على حقله المزروع بالقمح في شمال شرق سوريا، منتظرا حصادا وفيرا هذا الموسم، لكنه كسواه من المزارعين لا يخفي خشيته من تداعيات صراع قائم بين الإدارة الذاتية الكردية والحكومة السورية على شراء المحاصيل.

وبعد سنوات من تراجع الإنتاج، من المتوقع أن تُنتج محافظة الحسكة أعلى محصول قمح مقارنة مع السنوات الماضية، نتيجة الأمطار الغزيرة. وتحتاج كل من الإدارة الكردية ودمشق هذه المحاصيل الحيوية التي يعتمد المواطنون عليها في قوتهم اليومي.

وكانت محافظة الحسكة الواقعة منذ سنوات تحت سيطرة المقاتلين الأكراد، تُعد خزان قمح لسوريا، قبل أن يتراجع الإنتاج تدريجيا جراء تداعيات النزاع المستمر منذ العام 2011، بالإضافة إلى تراجع معدلات هطول الأمطار.

وتُشكل الحسكة منذ سنوات إحدى أقاليم الإدارة الذاتية الكردية في سوريا، بينما يقتصر تواجد القوات الحكومية فيها على بعض مؤسسات الدولة.

ويجد مزارعو الحسكة أنفسهم اليوم بين نارين إذ تطمح كل من الإدارة الذاتية والحكومة السورية إلى وضع يدها على محصول القمح والشعير.

6.5 ملايين سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي أو لا يعلمون من أين سيحصلون على وجبتهم المقبلة وفق تأكيدات برنامج الأغذية العالمي

وفي أرضه المزروعة بالقمح في مدينة عامودا، يقول عثمان (55 عاما) "يجب ألا يتحول رزق الفلاح ولقمته إلى ورقة ضغط سياسية بين الطرفين، بل عليهما دعمه"، مضيفا "من يدفع أكثر سنبيعه محصولنا، فالفلاح يبحث في النهاية عن الربح".

وأقرّ مجلس الشعب السوري في أبريل/نيسان مشروع قانون إحداث المؤسسة العامة لتجارة وتخزين وتصنيع الحبوب ومقرها مدينة الحسكة. وخصصت دمشق مليار دولار لشراء محصول القمح على صعيد وطني ورفعت سعر الكيلوغرام الواحد من 175 (0.4 دولار) إلى 185 ليرة سورية.

وبادرت الإدارة الكردية إلى رفع السعر من 150 إلى 160 ليرة سورية، بعدما أثار قرارا اتخذته بمنع المزارعين من بيع المحصول إلى دمشق نقمة شعبية، ما دفعها للتراجع، مكتفية باشتراط منع "النظام من نقل المحصول الذي يشتريه من الفلاحين" إلى خارج مناطق سيطرتها، وفق مسؤول كردي.

ويأمل المزارعون بيع إنتاجهم لتعويض خسائر تكبدوها خلال السنوات الماضية ولإنقاذ المحاصيل من حرائق التهمت خلال الأيام الماضية آلاف الدونمات وتبنى تنظيم الدولة الإسلامية تنفيذ عدد منها انتقاما من المقاتلين الأكراد الذين تمكنوا من دحره من مناطق واسعة في البلاد.

ويشرح الخبير في الشأن السوري فابريس بالانش أن الأكراد "لا يريدون أن يخرج محصول القمح من مناطقهم إذ بالكاد يكفي الإنتاج لتأمين قوت السكان المحليين".

وقال "من شأن نقل المحصول إلى دمشق جراء السعر المغري أكثر، أن يخلق أزمة غذائية" في مناطق سيطرة الأكراد.

وبحسب برنامج الأغذية العالمي، يعاني 6.5 ملايين شخص في سوريا من انعدام "الأمن الغذائي"، أو لا يعلمون من أين سيحصلون على وجبتهم المقبلة.

وتراجع إنتاج القمح والشعير الصيف الماضي بشكل كبير وبلغ 1.2 مليون طن، وهو المعدل الأدنى منذ عام 1989، فيما كان الإنتاج 4.1 ملايين طن قبل اندلاع النزاع.

ومع ارتفاع معدلات سقوط الأمطار خلال الشتاء، تتوقع دمشق أن يبلغ إنتاج القمح في محافظة الحسكة وحدها 850 ألف طن.

وتوقع مدير مديرية الزراعة في الحسكة عامر سلو أن "تشهد مراكز استلام القمح والشعير إقبالا كبيرا من الفلاحين نظرا للأسعار الحكومية المشجعة"، مشيرا إلى أن الحكومة تسعى  للحصول على كامل إنتاج العام الحالي لسدّ الاحتياجات المتعلقة بتأمين رغيف الخبز للمواطنين".

أكراد سوريا يقامون لانقاذ حقول القمح من حرائق تبناها تنظيم الدولة الاسلامية
أكراد سوريا يقامون لانقاذ حقول القمح من حرائق تبناها تنظيم الدولة الاسلامية

وتضع الإدارة الذاتية الكردية نصب عينيها الهدف ذاته ولذلك عمدت إلى تقديم البذور للفلاحين وافتتاح مراكز لتخزين أكثر من 800 ألف طن، كما وعدت بعدم رفع سعر الخبز، وفق ما يقول الرئيس المشترك لهيئة الزراعة والاقتصاد سلمان بارودو.

ويتهم بارودو النظام السوري بالسعي لـ"افتعال مشكلة وفتنة بين الناس والإدارة الذاتية".

وقال "ما يقوم به عبارة عن ضغط سياسي ليتوهم الناس أنه يفكر بالشعب، لكن نحن نعلم أن الناس في الكثير من مناطقه يعانون من الجوع وارتفاع أسعار المواد" الغذائية.

وأنهكت الحرب المستمرة منذ 2011 الاقتصاد السوري واستنزفت موارده وأدت إلى تدهور الليرة السورية. ورغم أن القوات الحكومية باتت تسيطر على أكثر من ستين بالمئة من مساحة البلاد، إلا أن مناطق سيطرتها تشهد عدة أزمات معيشية جراء ارتفاع بدلات الإيجار وتفشي البطالة وقلة فرص العمل وتراجع القيمة الشرائية.

ويقول الباحث في مركز الأمن الأميركي الجديد نيكولاس هيراس "يحتاج الأسد للوصول إلى شمال شرق سوريا للحيلولة دون وقوع أزمة غذائية في مناطق" سيطرته.

وتريد الإدارة الذاتية الكردية تأمين الخبز للسكان في مناطقها، بينما حليفتها "الولايات المتحدة تريد استغلال الموارد في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية وضمنها المحاصيل كورقة للضغط على نظام الرئيس السوري بشار الأسد" في المفاوضات بين الطرفين.

وخاض الأكراد الذين عانوا لعقود من التهميش من الحكومات السورية المتعاقبة، مفاوضات مع دمشق التي تأخذ عليهم تحالفهم مع واشنطن، حول مستقبل المناطق الخاضعة لسيطرتهم من دون أن تؤدي إلى نتيجة.

ويقول هيراس "القمح هو سلاح ذو قوة عظمى في المرحلة المقبلة من الصراع السوري".

وفي بلدة تل براك في ريف مدينة الحسكة، يقول المزارع بدران حاج علي أثناء تفقده محصول الشعير "النظام والإدارة الذاتية يعلمان أن محصول العام الحالي وفير، لذلك يتحكمان بنا والفلاح المسكين هو المتضرر دائما".

وأضاف الرجل الستيني الذي ينتقد انخفاض الأسعار المقدمة للمزارعين "نمسك قلوبنا بأيدينا خشية أن تلتهم الحرائق محاصيلنا لذلك نسرع في الحصاد قبل الآوان ولا نعلم حتى الآن من سيشتري".