قويدر ميموني ينحت الزمن في 'رسائل إلى تافيت'

الرواية تغوص في دهاليز الذاكرة عبر سردية الرسائل، محولةً 'تافيت' من مجرد شخصية إلى فضاء فلسفي لترميم الذات ومساءلة الزمن بطبقاته المتداخلة.

تمتد رواية "رسائل إلى تافيت" للأستاذ قويدر ميموني كخطّ نابض يتشكّل من الذاكرة وتراكم الرسائل، وعودة دائمة أشبه بمحاولة لاكتشاف ما يعاد ويتسرب ويبقى عصيّا على الإمساك. فالعالم الروائي هنا لا يتأسّس على تسلسل حكائيّ مألوف، بل على حركة دؤوبة بين زوايا الوعي، تتقاطع فيها الأزمنة والأمكنة والوجوه لتُنتج معنى لا يصاغ دفعة واحدة؛ معنى يعاد ترميمه كلّما خطّ الراوي رسالة أو استدعى شظية من الماضي.

تقف تافيت أو غيداء، في الرواية، ككائن يتجاوز كونه شخصية روائية. فهي فضاء يُعاد عبره تشكيل الذات، وتجسيد لقدرٍ يمرّ من خلاله البطل وهو يبحث عمّا يجعل الحياة قابلة للفهم. ليست تافيت امرأة تقتصر وظيفتها على تأدية دور درامي؛ إنها رائحة تستيقظ في الذاكرة فجأة، صوت يفتح باب الأسئلة، شرارة تُحدِثُ اهتزازا في النظرة إلى الذات وإلى العالم. ومجرّد ظهورها في لقاء يبدو بسيطا للوهلة الأولى، يكفي ليجعل السرد يدخل منطقة من الأسئلة التي تظلّ مفتوحة حتى الصفحة الأخيرة: ما الذي يجعل ارتباطا ما يعيد صياغة حياة كاملة؟ هل الذاكرة مخزن، أم قوة تعيد ترتيب الحاضر؟ وما الذي يحدث حين يصبح الآخر مرآة تُظهر ما كنا نخشى أن نراه؟

في هذه الرواية، ألفيت الأستاذ قويدر ميموني يتعامل مع الزمن كمرآة قابلة للكسر وإعادة اللصق. لا يأتي التنقّل بين 2018 و1996 حتى 1917 بوصفه لعبة تقنية، بل كحركة تحاول الإمساك بالمفاصل التي تصنع الإنسان: انكسارات العائلة، ترهلات التاريخ، خيانات صغيرة تكبر بمرور السنوات، قلق الأحلام المؤجّلة. بهذا التمدّد بين الأزمنة يتعلم القارئ أن الزمن ليس خطّا، بل طبقات متراكبة تحتاج إلى من ينقّب فيها. وما يُظنّ في البداية تشتتا يتحوّل مع التقدّم في النص إلى نسيج متشابك يشبه خريطة قلب: التواءات، التباسات، محطات حادة، ومساحات هادئة لا يدوم هدوؤها.

ليس اختيار الرسائل كشكل للتعبير زخرفا، بل هو محاولة للاقتراب من الروح البشرية حين تكون عارية تماما. كلّ رسالة هي نافذة صغيرة، لكنّها تنفتح على فراغ واسع من الأسئلة والاعترافات والتردّدات. تُروى الحكاية هنا كما لو أن كل جملة وُلدت في منطقة لا ترى النور إلا إذا كُتبت لشخص غائب. ولأنّ الرسالة تُكتب لمن هو بعيد، فإنها تسمح للكاتب بأن يلفظ ما لا يمكن قوله وجها لوجه: تأمّلات، ارتباكات، رغبات في المصالحة، غضب مكتوم، وحنين يعيش في منطقة بين ما حدث وما كان يمكن أن يحدث. هكذا تتحول الرسائل إلى أداة لاستنطاق ما لا ينطق به السرد التقليدي، وتتيح للرواية أن تجمع بين الاعتراف الفلسفي والسرد الحيّ.

يعمل أسلوب الكتابة كحركة من الخارج إلى الداخل: التقاط حسيّ دقيق للمشهد، ثم تضييق للعدسة نحو الداخل، ثم إعادة ترتيب العناصر لتكوين صورة، ثم منح هذه الصورة حياة ذاتية تتجاوز الراوي نفسه. لا يعود المكان في هذا السياق مجرد جغرافيا. تصبح وهران ذاكرة ثقيلة، والدوحة إطارا يحاول البطل أن يفهم من خلاله نفسه، ويتحول المقهى والرصيف إلى علامات دالّة على لحظات وعي وتحوّل. كلّ فضاء يحمل معنى مركّبا: الهوية، الانتماء، الالتباس الأخلاقي، وإمكانية النجاة.

يتسلّل إلى النص سؤال المسامحة، لا كقيمة أخلاقية جاهزة، بل كتجربة إنسانية صعبة. فالشخصيات لا تُدان ولا تُبرَّأ، بل تُترَك لتقف عند حدود غير واضحة. لا يُعرّف الذنب هنا تعريفا حادا، وليست البراءة خلاصا بسيطا. وبين هذين الحدّين يُترك القارئ ليخوض امتحانا داخليا: هل نغفر لأننا نفهم، أم لأننا تعبنا من الحقد؟ وهل يمكن أن يبدأ المستقبل فعلاً إذا بقيت خيوط الماضي مشدودة في الحنجرة؟ يجعل هذا التوتر الأخلاقي النص أقرب إلى دراسة للنفس البشرية منه إلى حكاية تبحث عن حدث صادم أو نهاية مُحكَمة.

يتقاطع الخاصّ والعامّ في الرواية بطريقة تُظهر أن الإنسان لا يعيش داخل نفسه فقط، بل داخل تاريخ وجماعة ومخيال جمعي. تندمج التفاصيل الصغيرة (أسماء، ملامح عائلات، ذكريات بعيدة، آثار حروب) مع هموم كبرى: هوية تتشكل عبر أجيال، ذاكرة جماعية تُعاد كتابتها من خلال الحكايات الفردية، وزمنٌ لا يتوقف عن إعادة صياغة ما نظنه ثابتا. هكذا يصبح الفرد مرآة للتاريخ، كما يصبح التاريخ جسدا يتنفس عبر الأفراد.

ليست اللغة التي كتب بها العمل محايدة. إنها لغة مشغولة بالعمق، تكاد تشبه نحتا في طبقات من الشعور والمعنى. ليست كلماتها غنية فقط، وإنما مشدودة إلى جذور تراثية تعمّق وقعها. لكنّ هذه الفخامة لا تأتي كزينة؛ إنها جزء من البناء، لأنها تطلب من القارئ جهدا في الإصغاء، وتدعوه إلى أن يكمّل ما لا يقوله النص مباشرة. وبسبب هذا الأسلوب فإن القارئ لا يبقى خارج العمل، بل يصبح مشاركا: يملأ الفراغات، يقرأ الصمت، ويجرب أن يخمّن ما الذي كان يمكن أن يحدث لو اختار البطل غير ما اختار.

بهذه الطريقة تصبح "رسائل إلى تافيت" رواية لا تغلق بآخر صفحة. إنها رواية تتغيّر مع كل قراءة، لأنها مكتوبة بطريقة تجعل نهايتها مفتوحة لا بمعنى الفراغ، بل بمعنى الاستمرار: استمرار الأسئلة، واستمرار البحث عن معنى العلاقة بين الذاكرة والزمن، واستمرار رغبة الإنسان في أن يفهم ما يظلّ عصيا على الفهم. رواية تجعل التفاصيل اليومية نوافذ إلى أعماق بعيدة، وتحوّل اللحظات العابرة إلى إشارات أخلاقية ووجدانية مشحونة. ليست قراءة هذا العمل ببطء ترفا، وإنما ضرورة: ضرورة لإدراك أن ما يبدو مجرد رسائل إلى امرأة هو في الحقيقة رحلة نحو منطقة من الوعي لا تُكتشف إلا عندما نتعلم الإصغاء لما يقوله النصّ بين السطور، ولما يكتمه.