الانسحاب بوصفه فعل حياة في 'الهروب'
من يستطيع أن يجزم بأنه لم يُصغِ، ولو مرة واحدة، في لحظة صفاء هشّة أو شرخ داخلي عابر، إلى ذلك الصوت الخافت الذي لا يطلب شيئا سوى التوقّف؟ ماذا لو كان الاستمرار، لا القطيعة، هو الفعل الأكثر عنفا؟ وماذا لو كانت الحياة المستقرّة، في صيغتها الاجتماعية المقبولة، مجرّد نظام مُحكم لإخفاء الاستنزاف اليومي باسم الطمأنينة؟
هذا السؤال، الذي قد يبدو تأمّلا شخصيا أو نزوة ذهنية، يتحوّل في رواية "الهروب" La fugue ل"أوريلي فالوني" إلى بؤرة وجودية حادّة، وإلى مبدأ بنائي يُعيد تنظيم السرد بأكمله. لا تكتفي أورلي فالوني بتعديل نبرتها الروائية السابقة، التي كثيرا ما قُرئت باعتبارها ناعمة أو تصالحية، وإنما تنفّذ انعطافة واعية نحو كتابة أكثر تقشّفا وأقل مجاملة، كتابة تضع معنى الاستمرار نفسه موضع مساءلة، وتتعامل مع الهشاشة لا كعَرَض وإنما كحقيقة أنطولوجية.
إيناس -بطلة الرواية- في السابعة والأربعين من عمرها، لا تُقدَّم بوصفها بطلة تمرّد، ولا تتوسّل خطابا تحرّريا جاهزا، ولا تبحث عن شرعية أخلاقية أو تبرير اجتماعي لانسحابها. ما يحرّكها سابق على اللغة، كثيف، يكاد يكون فيزيائيا. إحساس يتراكم بصمت، إلى أن يصبح العيش نفسه عبئا حسيا لا يُحتمل. غادر أبناؤها، خبا حب زوجها لها، واستحالت أيّامها إلى طقوس مفرغة من المعنى. يتحوّل الزمن، الذي كان يُفترض أن يكون إطارا للحياة، إلى فخّ. عند هذه العتبة، لا يقع الانفجار الدرامي الذي تعوّد عليه السرد التقليدي، وإنما يحدث ما يشبه الانطفاء الواعي: باب يُغلق، جسد ينسحب، وصمت يُبرِم القرار. كأن الرواية تقول إن الأفعال الجذرية تفقد صدقها حين تُحمَّل فوق طاقتها التفسيرية.
بهذا المعنى، تدخل رواية "الهروب" في حوار غير معلن مع نصوص الهروب الكبرى في الأدب، من "غرفة تخص المرء وحده" لفرجينيا وولف، إلى "اليقظة" لكيت شوبان، أو حتى انسحاب شخصيات "كلاريسي ليسبكتور" إلى مناطق داخلية عصيّة على التحديد. غير أن فالوني ترفض الرومانسية أو المأساة المعلنة. ليس الهروب هنا فشلا ولا بطولة، بل آلية نجاة، اختيار واعٍ لتفادي التآكل البطيء. لا يتجه الانفصال نحو الخارج، ولكن نحو الداخل، نحو منطقة مهملة من الذات لم يُسمح لها طويلا بأن تكون مركزية.
اختيار الكاتبة حرمان القارئ من خلفية سببية واضحة للهروب ليس نقصا سرديا ولا كسلا بنائيا، بل موقف فلسفي صريح. لا ماضٍ مُفصَّل، ولا جرح مؤسِّس يُفسّر كل شيء. تراهن فالوني على فكرة راديكالية مفادها أن الحياة، حين تبلغ حدًّا معيّنا من الامتلاء القسري، لا تحتاج إلى سبب إضافي كي تُصبح غير محتملة. هنا يصبح الاستمرار ذاته شكلا من أشكال الإلغاء، وتغدو القطيعة فعل استعادة للذات لا إنكارا لها.
على أطراف بريتاني، في فضاء مفتوح على الريح والبحر، تعثر إيناس على بيت قديم، هشّ، غير محمي من العواصف. ليس المكان في هذا النص خلفية محايدة، ولكن بنية نفسية موازية. كما في أدب المكان عند "غاستون باشلار"، يتحوّل البيت إلى كيان تفكيري، إلى اختبار للوجود أكثر من كونه مأوى. يعكس الخارج المضطرب الداخل المرتجف، وتُجسّد حركة الموج غير المنتظمة حالة شعورية لم تبلغ بعد شكلها النهائي. الجغرافيا هنا تفكير متجسّد، والسكن سؤال أنطولوجي: كيف يسكن الإنسان ذاته؟ وكيف يتحمّل فراغها بعد أن كانت مكتظّة بأدوار الآخرين؟
ينهض البيت المتداعي بوصفه استعارة مركزية لا تخفى، لكنها لا تُستنزف. لا يُختزل ترميم البيت القديم في فعل تقني، بل يُقدَّم كمسار بطيء لإعادة التشكيل الذاتي. كل جدار يحتاج إلى صبر، وكل شقّ يفرض الإصغاء، كما لو أن المكان نفسه يدرّب إيناس على علاقة جديدة مع الزمن ومع الجسد. في هذا السياق، يمكن قراءة الرواية كصيغة سردية لما تسميه ديبورا ليفي "إعادة التفاوض مع شروط العيش"، حيث يصبح الانتباه فعل مقاومة صامتة.
تُعيد البنية السردية القريبة من اليوميات تعريف الزمن خارج منطق الإنتاج والجدوى. لا ساعات، لا أهداف، لا مردود يُقاس. تستعيد التفاصيل الصغيرة مركزيتها بوصفها نواة التجربة الإنسانية: شاي الصباح، حركة الضوء على الجدار، أصوات الطيور. يتحوّل ما كان يُعتبر فائضا أو ترفا إلى جوهر. ليس البطء هنا خيارا جماليا فحسب، وإنما موقف سياسي غير معلن ضد اقتصاد السرعة الذي يحوّل الحياة إلى سلسلة مهام. لا يُقدَّم الصمت في هذا السياق، كفراغ، ولكن كثروة داخلية، كمساحة شفاء.
لغة فالوني حسّية، دقيقة، تتجنّب الزخرفة، لكنها لا تتخلّى عن الشعرية. يُعاد اكتشاف العالم عبر الحواس، لا عبر المفاهيم. تُطالَب القراءة نفسها بالتباطؤ، وكأن النص يفرض على قارئه إعادة ضبط إيقاعه الداخلي. هنا تلتقي الرواية مع تقاليد كتابة نسائية ترى في الجسد موقعا للمعرفة، لا مجرّد وعاء لها.
تصل إيناس إلى هذا المكان خفيفة، شبه مجرّدة من الحمولة الاجتماعية. الجمال الذي تبحث عنه لا يُقتنى، ولكن يُستحضَر عبر الانتباه. ما يبدو عزلة قاسية في البداية يتحوّل تدريجيا إلى مسار تصاعدي نحو الضوء. في قلب هذا التحوّل، تبرز المكتبة النسائية التي تركتها صاحبة البيت القديم السابقة: أثر بالغ الفعالية. الكتب، المكتوبة بأقلام نسائية فقط، تشكّل أرشيفا للنجاة، وسلالة بديلة لا تقوم على الدم بل على اللغة.
القراءة هنا مصاحبة روحية، وحوار عبر الزمن. فيرجينيا وولف، أليس مونرو، ديبورا ليفي، وغيرهن، يحضرن لا بوصفهن مراجع ثقافية، ولكن كذوات عاشت التشقّق وكتبته. تتراخى الحدود بين الأصوات، وتتشكل جماعة رمزية عابرة للأجيال. لا يرفع هذا التضامن النسائي -غير المعلن- شعارا، لكنه يشتغل بعمق، كتيار تحتي يُعيد تعريف الانتماء.
تصبح المكتبة مأوى للروح، والبيت فضاء علاج طويل للنفس. ومع الوقت، تنفتح إيناس على محيط بشري محدود، نسائي في معظمه، يقوم على الحذر والمسافة. علاقات لا تُبنى على الامتلاك أو الاندماج القسري، وإنما على احترام الحدود. تضيف كل امرأة تدخل المشهد طبقة جديدة إلى التجربة، كما لو أن الذات لا تُستعاد دفعة واحدة، بل عبر تراكمات صغيرة، غير مرئية أحيانا.
بهذا العمل، تخرج أوريلي فالوني نهائيا من خانة "الرواية المريحة". اللغة أكثر كثافة، والبنية أكثر وعيًا بذاتها، وثمة حضور واضح لكاتبة تفكّر في علاقتها بالزمن وبالكتابة وبالوجود الأنثوي في منتصف العمر. صوت إيناس وصوت فالوني يتجاوران دون أن يتطابقا، في توتّر خلاّق يثري النص بدل أن يُضعفه.
"الهروب" نص هادئ في ظاهره، لكنه عميق في تياراته الخفية. يُنصت إلى النساء اللواتي تاهت ذواتهن في ازدحام الأدوار المفروضة، ويميل إلى جمال غير استعراضي، وإلى تحرّر لا يشترط الصدام. "الهروب" رواية عن ولادة ثانية لا تُعلَن، وعن تضامن نسائي صامت، وعن حقّ غالبا ما يُساء فهمه: حقّ الانسحاب بوصفه فعل حياة. أحيانا، لا نحتاج إلى ثورة، ولكن إلى أن نغادر، أن نغلق الباب خلفنا، وأن نعيد رسم الطريق خارج الخرائط الجاهزة.