"كارول" .. وأد قلب الفتاة وتجليات زمن السرد

رواية مصطفي الأسواني تتسم بالعناية بالجانب النفسي المشتعل من وجع اجتماعي للشخصيات الروائية.


التمهل جاء مستندًا على فكرة التواتر السردي، أو الاستنساخ السردي، أي تكرارية الأحداث وتناظرها وتشابهها


مستوى الخطاب جاء مستندًا على البناء الدرامي المتمهل المشوق

تتسم رواية "كارول" للروائي مصطفي الأسواني، والصادرة بمطبوعات الهيئة العامة لقصور الثقافة، بالعناية بالجانب النفسي المشتعل من وجع اجتماعي للشخصيات الروائية، وحققت الرواية التماسك والإشباع السردي من خلال التشغيل الحكائي، بسرعة تجهيز البنية السردية الأساسية بطرقات كثيفة على مستوى "الحدوتة" لثيمة المثلث الشهيرة.
أما مستوى الخطاب فجاء مستندًا على البناء الدرامي المتمهل المشوق، فخلال صفحات قليلة نقف أمام الشخصيات الرئيسة في السرد، وندرك تشابك العلائق بينها، وندري عقدة الرواية حيث "كارول صلاح" كانت تحب شابًا لم تقبل أسرتها زواجها منه لأنه لم يكن غنيًا بالقدر المطلوب، وتم نحر فؤادها، ورغم أن الروائي لم يقدم لنا هذا الشاب على مسرح السرد، ولم نعرف حتي اسمه وصفته، لكن مذبحة هذا الحب ظلت كلمة السرد المهيمنة في التداعيات التي امتدت لسنوات حتى الخاتمة، حيث تزوجت "كارول" من "مجدي" وأنجبت ابنها الوحيد "هيثم"، وقررت الإنفصال عنه بعد ما لاقته من عذاب ومهانة خلال سبع سنوات هي مدة زواجها منه، حيث كان يعاملها وكأنه اشترى حق ملكيته بماله، يتصرف معها دون احترام أو تقدير لها أو لأحد من عائلتها، بعد ما دفع ثمنها لأهلها (ص 13 الرواية)، وظلت مطلقة لسنة واحدة، ثم قبلت الزواج من "فؤاد" على مضض حتى تنال حريتها من حصار أهلها.
يقول الراوي في كلمة اختارها الروائي لتكون كلمة الغلاف الأخير: "في بداية زواجهما كانت كارول لا ترفض طلبًا لفؤاد، في سبيل أن تنال حريتها منه أيضًا، وحتى يلبي لها متطلباتها كافة، وبعد عام من زواجهما، بدأت تعافه وتتجنبه في كل شيء، وكأن شيئًا ما قد انطفا بداخلها نحو هذا الرجل (ص 15)، وكان ظهور شخص جديد بحياة "كارول" فورًا وفي الكلمات الأولي من الرواية وهو "د. أحمد حسن"، لتدور عجلة السرد بعد ذلك متمهلة في إطار نفسي. 

القارئ عندما يحط رحاله على مرفأ كلمة الخاتمة في هذه الرواية يستشعر أنه يجب عليه إعادة تصور وبناء العلاقة الإنسانية الأسرية وإعادة ترميمها، حتي ينجو سفين المجتمع من لجة إعصار لاهب، معنى قالته الرواية بحضورها الجمالي والفكري

ومن خلال بحث الإيقاع السردي، وهو من تجليات الزمن روائيًا بعقد الصلة بين المدة الزمنية الطبيعة المستغرقة في الأحداث، والمدة الزمنية التي استغرقها السرد مقاسًا بعداد الصفحات، فبينما كانت فترة الحكاية حوالى 11 سنة، وفترة سابقة عنها مضمرة لم نعلم عنها أي تفاصيل، وهي محبة "كارول" وودأ قلبها، والتى تشكل الجذر المعنوي للرواية، بينما ما تم تناوله سرديًا حوالي خمسة شهور من فترة الـ 11 سنة. 
والتمهل جاء مستندًا على فكرة التواتر السردي، أو الاستنساخ السردي، أي تكرارية الأحداث وتناظرها وتشابهها، فرغم سرعة تجهيز البنية السردية، بتحديد معالم وأجواء وجذور الحكي منذ اللحظة الأولي، لكن لاحقًا كان إيقاع السرد متمهلًا بالتواتر الحكائي، وحيث شحوب حركتي التسريع في وتيرة السرد والإيقاع وهما: حركة "التلخيص الروائي" لضمان متابعة القارئ وعدم إفلات الخيوط الروائية، ولم يأت هذا التلخيص في موضعه الطبيعي في المفاصل الروائية – بالرواية مفصلين فقط - بل جاء التلخيص الوحيد بالخاتمة، يحمل الإيضاح التام لقصدية الروائي، يقول الراوي: "وبدأت تتحدث عن أهلها، عن شاب وسيم أحبته من قبل، تتحدث عن وحدتها ورغباتها واحتياجاتها، وعن حلم كبير لم يكن زوجها الأول "مجدي" بطلًا ولا كومبارسًا فيه، وسردت لفؤاد قصة اضطرارها للزواج منه حتي تنال حريتها من كل قيد ُفرض عليها منذ أن تطلقت .."  (ص 239).
أما حركة التسريع الأخرى "الحذف"، فجاءت داخل زمن الحكاية بعد انطلاق قاطرة السرد مباشرة، ولمرة واحدة فقط، لتقديم خيوط الحكي الأولى. 
وأثمر التمهل في الإيقاع هذا الإشباع السردي على مستوى المناجاة المؤطرة، ومشهدية الحوارات المكثفة بالرواية، والحديث الشاعري بالعيون، والتعبير بالعطش العاطفي، والتعبير المجازي بعامة، المخصب به جنبات الرواية، والتبحر النفسي لشخصية فتاة مأزومة في مجتمع مأزوم اجتماعيًا. 
من عناصر البنية الدرامية داخل الزمن الحكائي بالرواية، الإلتزام الصارم بعنصر الراوي العليم كلي الإحاطة، الذي يدري الماضي والحاضر والمستقبل، ويتدخل في العالم السردي معقبًا وشارحًا وغائصًا في دواخل شخوصه الروائية، ويُستعمل لهذا النوع من الرواة تعبيرًا لطيفًا أنه الراوي الخبير بعالم الجاسوسية الذي يزرع أجهزة رؤية واستماع في كافة أنحاء مجتمع الرواية لينقل للقراء كافة التسريبات السردية عن كامل عناصر البنية الروائية، ولأن الرواية في روحها – طبقًا لتأويلي - تعبر عن عواصف اجتماعية شارحة لتصحر العاطفة ووأد قلب الفتاة، وإهالة التراب عليه وهو ما زال ينبض بالحياة، وما يصاحب ذلك من موجات ثلجية عاتية، فهذا الجانب النفسي تطلب التنقيب داخل خواطر الشخصيات، من خلال تقنية "المناجاة"، والتي جاءت مؤطرة بمؤشرات لفظية، وهي كثيفة جدًا في الرواية، أمثلة يسيرة (وهي تتحدث إليه في سرها / قالتها في سرها لنفسها / ويحدث نفسه قائلًا / وكانت كارول تحدث نفسها بدورها / ...)، وهذا الشأن يلزم الإبحار النفسي للشخصيات.
ويمثل روائيًا جذور العلاقات المحرمة أو "فاكهة الشيطان" بتعبير الرواية البلاغي، هذا الوأد المبكر لقلب الفتاة بنظرة مادية جاحدة، يقول الراوي: "تحكي له عن وحدتها، عن مرارة حرمانها من الشاب الذي أحبته من قبل، وعن المهانة التي عاشتها مع زوجها الأول .. وما تعانيه من ضجر الآن في وجود زوجها الثاني فؤاد  (ص 50)، وطالع أيضًا الصفحتين (249 - 250) واللتين تمثلان آخر كلمات الرواية فيما بعد إسدال ستار الخاتمة، حيث لحظة التنوير الروائية عن أهمية التكافؤ بين الزوجين. 

Egyptian novel
جذور العلاقات المحرمة 

يقول الراوي: "إن نظرة واحدة إلي الزوجين تكفي لتلك - في غير مشقة - على أنهما ليسا من طراز واحد، ولا نسيج متآلف، فالتنافر الجسماني بينهما كبير، وأما من ناحية التفكير والعاطفة، فبينهما فوارق جسام" (ص 13).
كما كانت طريقة "فؤاد" الفظة في نيل حقوقه الزوجية، وكأنها طعام يلتهمه في تقزز بلا تقديم أو رعاية، يقول الراوي: "رأت كارول نفسها في موقف بشع .. إن ممارسة الحب هي أساس الأسرة والحياة الزوجية، أما ضرورات المجتمع فهي الإستثناء، فكيف تستطيع زوجة أن تحيا تحت سقف واحد مع زوج هو زوجها أمام الناس فقط؟!" (ص 47).
وحيث: "لم يكن يجبرها على شيء ترفضه سوى أمر واحد وهو عندما يطلبها للفراش، فكان يجبرها ولو وصل الأمر لضربها"، وكارول معه جثة هامدة يفترسها في شراهة مقيتة، ففؤاد إذن يعالج نقصًا في شخصيته، ويصاب بعمي البصيرة عن جمال زوجته الأولي "نادية"، ويتزوج بكارول للتباهي بجمالها في زخرفة اجتماعية فارغة، فهي لديه قطعة ديكور ثمينة – بلا روح - يقتنيها ويجردها من إنسانيتها، إذن الرواية تجذب القارئ إلى عالمها، وتنسج بأجواء حبكتها وبنيتها الدرامية لجوانب من التصحر العاطفي بالأسرة، والجذور اليابسة لهذه الحالة وتأثيرتها بالمجتمع. 
والرواية – رغم الجذور السامة - لا تقدم تعاطفًا أو تبريرًا مع السلوك التدميري أو الشيطاني بتعبير الرواية، فشواهد المغزي الأخلاقي، وإدانة الفعل الأثيم الملوث اجتماعيًا، كثيفة في المشهد السردي، إنما القصدية صيحة الروائي المبطنة للسرد، انظروا هذه الجذور اليابسة في تربة المجتمع التي تثمر رؤوس الشياطين، واستعمل عدسة مكبرة للترويع حتي تكون الصيحة مدوية، كما أتى المغزى جليًا في لافتة روائية: "عليك أن تعتني بنفسك، وألا تدوس قلب امرأة قط، وأن تظل محترمًا للعاطفة الإنسانية الكريمة، ومقدسًا للمشاعر والحب حيثما وجدته، وفي أي قلب التقيت به" (ص 232).
كما أتت أفكار من رحاب "فقه القلوب"، حول حقيقة جمال الروح "ليس مجرد ملامح وتقاطيع .. الجمال روح" (ص 59)، وأن يري الإنسان ويؤمن بجماله الحقيقي، تقول الرواية للفتاة: "أنت تستحقين رجلًا جميلًا، جميلًا من الداخل ...، حتي يحس بحلاوتك وجمالك، لكن عليك أنت أن تحسي بذلك أولًا" (ص 59 بتصرف). كما تتحدث عن حكمة الاختيار ودوره: "أوافقك في أن الإنسان لا بد أن يضع مشاعره في المكان المناسب، وإلا فما قيمة أن نغرس شجرة في بئر من الملح، أو أن نلقي زجاجة عطر فوق كومة من القمامة، لا بد وأن تضع قلبك في مكانه، أن تعطيه لمن يستحق مشاعره وإحساسه ... إن أجمل ما في الحب التواصل .. والتواصل لا يمكن أن يتم إلا من خلال مشاعر عميقة وقلوب حية" (ص 114)، بمعني أن القارئ عندما يحط رحاله على مرفأ كلمة الخاتمة في هذه الرواية يستشعر أنه يجب عليه إعادة تصور وبناء العلاقة الإنسانية الأسرية وإعادة ترميمها، حتي ينجو سفين المجتمع من لجة إعصار لاهب، معنى قالته الرواية بحضورها الجمالي والفكري.