'كحيلان'.. دراما بدوية تكشف تناقضات الإنسان

في الصحراء القاسية تتصارع القبائل على النفوذ، بينما يواجه الأبطال خيارات مصيرية بين الحب والثأر وبين النجاة والانتماء.

الرياض ـ يشكّل مسلسل "كحيلان" واحدًا من أبرز الأعمال الدرامية العربية المرتقبة، لما يحمله من طموح فني واضح لإحياء الدراما البدوية بروح معاصرة، تجمع بين الأصالة التاريخية والطرح الإنساني العميق.
ويسعى العمل إلى تجاوز الصورة النمطية التي ارتبطت طويلًا بهذا النوع من الدراما، ليقدّم رؤية أكثر تعقيدًا وواقعية لعالم الصحراء، بوصفه فضاءً إنسانيًا غنيًا بالصراعات والأسئلة الوجودية.

ويجعل "كحيلان" من الصحراء كيانًا حيًا، تتشكّل فيه المصائر، وتُختبر القيم، وتُعاد صياغة مفاهيم الشرف والحرية والانتماء. فالرمال الممتدة ليست مجرد خلفية بصرية، بل عنصر فاعل في السرد، يفرض إيقاعه القاسي على الشخصيات، ويكشف هشاشتها وقوتها في آن واحد.
ومنذ الإعلان عن المسلسل، بات "كحيلان" محل اهتمام واسع لدى الجمهور والنقاد على حد سواء، كونه يسعى إلى تقديم حكاية مشبعة بالصراعات الإنسانية، بعيدًا عن التبسيط أو التجميل المفرط الذي طبع بعض الأعمال السابقة.

وتدور أحداث المسلسل في بيئة بدوية قاسية، تحكمها الأعراف القبلية الصارمة، وتديرها علاقات معقّدة بين السلطة والدم والانتماء. في هذا العالم، تصبح القبيلة هي الهوية الأولى والأخيرة، ويغدو الخروج عن تقاليدها مخاطرة قد تكلّف الإنسان حياته أو اسمه أو مكانته الاجتماعية. وتفرض الصحراء منطقها الخاص، حيث لا مجال للحياد، وكل اختيار يحمل في طيّاته ثمنًا باهظًا.

ويركّز المسلسل على صراعات النفوذ بين القبائل، وعلى النزاعات التي تنشأ بسبب الأرض والزعامة والثأر، لكنه في الوقت نفسه يتوغّل في التفاصيل اليومية لحياة البدو، كاشفًا عن علاقاتهم الإنسانية، ومخاوفهم، وأحلامهم البسيطة في الأمان والاستقرار. هذا التوازن بين الملحمي واليومي يمنح "كحيلان" نكهته الخاصة، ويجعل قصته قريبة من وجدان المشاهد، مهما اختلفت خلفيته الثقافية أو الزمنية.

وفي قلب الأحداث، تبرز شخصية "كحيلان" بوصفها محور السرد الدرامي. وهو ليس بطلًا خارقًا أو نموذجًا مثاليًا، بقدر ما هو إنسان يعيش صراعًا داخليًا مع ذاته ومجتمعه. فكحيلان فارس يتمتّع بالقوة والشجاعة، لكنه في الوقت نفسه يحمل شكوكًا وأسئلة عميقة حول معنى البطولة الحقيقية، وحول جدوى الصراعات التي تُفرض عليه باسم القبيلة. يجد نفسه ممزقًا بين واجبه تجاه أهله، ورغبته في كسر دائرة العنف والثأر التي لا تنتهي.

وتُقدَّم هذه الشخصية بعيدًا عن المثالية المطلقة، إذ يخطئ كحيلان، ويتردّد، ويتّخذ قرارات تجرّ عليه عواقب قاسية، ما يجعله أقرب إلى الإنسان المعاصر، رغم انتمائه إلى زمن بعيد. ومن خلال مسيرته، يطرح المسلسل أسئلة جوهرية حول الحرية الفردية في مجتمع جماعي، وحول إمكانية التغيير من داخل منظومة تقليدية مغلقة.

ويمنح "كحيلان" مساحة لافتة للشخصيات النسائية، مقدّمًا صورة مختلفة عن المرأة في الدراما البدوية. فالنساء هنا لسن مجرد عناصر تكميلية في الحكاية، بل شريكات في صنع الحدث، ومحرّكات أساسيات للصراع. وتظهر المرأة كأم، وحبيبة، وقائدة رأي داخل القبيلة، تحمل حكمة التجربة، وتدرك كلفة الدم والصراعات أكثر من غيرها.

وتعكس الشخصيات النسائية صراعًا مزدوجًا: صراعًا مع الأعراف التي تقيّد خياراتهن، وصراعًا داخليًا بين الخضوع والمقاومة. ومن خلال هذه الشخصيات، يضيء المسلسل على الدور غير المرئي الذي لعبته المرأة في الحفاظ على تماسك المجتمع البدوي، وفي التأثير على قرارات مصيرية غالبًا ما تُنسب للرجال وحدهم.

ويستند البناء الدرامي للمسلسل إلى ثنائية الحب والثأر، بوصفهما قوتين متناقضتين تحكمان مسار الشخصيات. فالحب في "كحيلان" ليس عاطفة رومانسية بسيطة، بل فعل مقاومة في وجه الكراهية، ومحاولة جريئة لكسر دائرة الدم. في المقابل، يبقى الثأر حاضرًا كقانون غير مكتوب، يفرض نفسه على الجميع، ويحوّل الضحايا إلى جلادين في سلسلة لا تنتهي.

وتمنح هذه الثنائية العمل توتره الدرامي العالي، وتدفع الأحداث نحو منعطفات حاسمة، حيث يجد الأبطال أنفسهم أمام اختيارات مصيرية: إما الاستسلام لمنطق القبيلة، أو المخاطرة بكل شيء من أجل مستقبل مختلف.

على المستوى البصري، يعتمد "كحيلان" على رؤية إخراجية تراهن على الصورة بوصفها لغة موازية للنص. فالمشاهد الصحراوية الواسعة، وحركات الكاميرا المدروسة، والإضاءة التي تبرز قسوة الطبيعة وجمالها في آن واحد، تسهم في خلق عالم بصري متكامل. ولا يأتي هذا الاهتمام بالصورة على حساب الحكاية، بل يخدمها ويعمّق أبعادها النفسية والرمزية.

كما يولي العمل أهمية خاصة للأزياء والديكور، في محاولة لإعادة بناء البيئة البدوية بدقة، من دون الوقوع في فخ الفولكلور السطحي. فكل تفصيل بصري، من شكل الخيام إلى ألوان الملابس، يعكس الحالة الاجتماعية والنفسية للشخصيات، ويعزّز صدقية العالم الدرامي.

وأكد المخرج جاسم المهنا، أن "كحيلان" ليس مجرد مسلسل بدوي تقليدي، بل مشروع درامي يسعى إلى إعادة تعريف هذا النوع من الأعمال، مشيرًا إلى أن التحدي الأكبر كان في تقديم الصحراء بوصفها مساحة إنسانية نابضة، لا مجرد مسرح للمعارك أو الاستعراضات البصرية. وأضاف أن العمل ركّز على الإنسان قبل القبيلة، وعلى المشاعر قبل الشعارات.

من جهته، عبّر بطل العمل عبدالإله السناني عن حماسه لتجسيد شخصية كحيلان، معتبرًا أنها من أكثر الشخصيات التي قدّمها تعقيدًا وثراءً. وقال إن الشخصية مليئة بالتناقضات، وتتطلّب مقاربة تمثيلية تقوم على الصدق الداخلي، لا على الاستعراض الجسدي أو الخطابي، مؤكدًا أن التحدي الحقيقي كان في نقل الصراع الداخلي للشخصية بقدر نقل قوتها الخارجية.

و"كحيلان" منح المرأة البدوية صوتًا مختلفًا، وسمح لها بأن تكون فاعلة في مسار الأحداث، لا مجرد متلقية لها، وهذا الطرح يشكّل خطوة مهمة في تطوير صورة المرأة في الدراما التاريخية.

ويأتي مسلسل "كحيلان" في وقت تشهد فيه الدراما العربية بحثًا متجددًا عن الهوية، ومحاولة للتوفيق بين الأصالة والتجديد. ومن هذا المنطلق، يقدّم العمل نموذجًا لكيفية استثمار التراث بوصفه مادة حيّة قابلة لإعادة القراءة، لا مجرد ماضٍ جامد، ما يجعله تجربة درامية واعدة، مرشحة لترك أثر واضح في المشهد الفني العربي.