كلفة قانون واحد تتجاوز 35 مليارا.. البرلمان العراقي يتحول من سند إلى عبء

إجمالي الإنفاق للدورة البرلمانية الحالية يصل إلى 2.4 تريليون دينار عراقي، مقابل إقرار 69 قانونا فقط.

بغداد - كشفت تقديرات حديثة، استناداً إلى تصريحات الخبير الاقتصادي منار العبيدي، عن أرقام صادمة تُظهر أن كلفة إقرار القانون الواحد في الدورة البرلمانية الحالية تتجاوز 35 مليار دينار عراقي. ويثير هذا الإنفاق الهائل، علامات استفهام كبرى حول تبديد المال العام، بدلاً من ضخه في شرايين المشاريع التنموية التي يحتاجها العراق بشدة.

ونقل موقع "شفق نيوز" الكردي العراقي عن العبيدي قوله إن "الإنفاق الكلي للدورة البرلمانية الحالية وصل إلى 2.4 تريليون دينار، مقابل إقرار 69 قانوناً فقط" وهو رقم يضاعف المخاوف بشأن كفاءة الإنفاق البرلماني.

وتُعتبر رواتب ومخصصات أعضاء مجلس النواب من الأعلى إقليمياً وتتضخم هذه الكلفة بشكل كبير بسبب حزمة الامتيازات الأخرى الممنوحة لهم، مثل منح السكن والحماية والعلاج، مما يخلق فجوة كبيرة بين مستوى معيشة الطبقة السياسية والظروف الاقتصادية لغالبية الشعب.

ويشمل الإنفاق الهائل للمؤسسة التشريعية أجور المستشارين والباحثين والموظفين الإداريين التابعين للمجلس واللجان التشريعية. وترتفع هذه الأجور بشكل مطرد ومستمر، لكنها لا تتناسب غالباً مع الأداء الفعلي للبرلمان أو حجم الإنتاج التشريعي المطلوب. ويمثل هذا التضخم الوظيفي عبئاً إضافياً على الميزانية.

وتُصرف مبالغ طائلة على تشكيل لجان التحقيق واللجان المؤقتة، والتي قد تكون دوافعها سياسية أكثر منها مهنية. ويضاف إلى ذلك رحلات السفر الخارجية للنواب والموظفين، والتي تتم تحت مسميات "المؤتمرات" أو "تبادل الخبرات" وتشير تقارير إلى أن هذه السفريات غالبًا ما تكون ذات فائدة محدودة ولا تعود بنفع حقيقي يقابل تكلفتها المرتفعة. 

وتتفاقم كلفة التشريع بسبب حالة الشد والجذب السياسي داخل البرلمان، حيث يستغرق إقرار أي قانون وقتًا طويلًا نتيجة الخلافات والمساومات بين الكتل. وكل يوم تأخير يعني استمرار صرف الرواتب والمخصصات الباهظة خلال فترة الجمود، مما يضاعف الكلفة التشغيلية للقانون الواحد.

وتُستخدم مشاريع القوانين والموازنات كورقة ضغط وابتزاز من قبل القوى السياسية المهيمنة على المشهد، لتمويل مشاريع معينة في دوائرها الانتخابية أو لصالح الأحزاب، مقابل تمرير قانون أو دعم مرشح.

وسبب هذا الضغط السياسي، تُهمل المشاريع الحيوية التي تخدم المصلحة العامة لصالح قوانين ذات عائد سياسي سريع ومحدود. كما يتم توجيه التمويل بناءً على نفوذ الممثلين في البرلمان بدلاً من الحاجة الفعلية للمحافظات الأشد فقراً.

ويأتي إنفاق تريليونات الدنانير على التشريع على حساب الأولويات الوطنية الملحة، ويؤدي إلى خسارة فرص تنموية هائلة. وكان يمكن لمبلغ 35 مليار دينار، الذي يمثل كلفة قانون واحد، أن يُوجه لتمويل المئات من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي بإمكانها خلق آلاف فرص العمل للشباب، مما يساهم في تخفيف حدة البطالة المرتفعة.

وتُقدر الحاجة العراقية لمشاريع البنية التحتية والخدمات بمليارات الدولارات. وكل دينار يُهدر في النفقات التشغيلية للمجلس هو دينار مخصوم من بناء المدارس والمستشفيات وشبكات الطرق، أو معالجة أزمة المياه.

وتشكل هذه النفقات الباهظة مؤشراً صارخاً على عدم تحمل المسؤولية المالية من قبل السلطة التشريعية، ما يقوض ثقة المواطن في مؤسسات الدولة ويزيد من الشعور بالإحباط تجاه آليات الإصلاح، مما يهدد الاستقرار المجتمعي على المدى الطويل.

ويمكن القول إن البرلمان العراقي، في دورته الحالية، تحول بفعل الإنفاق المفرط والشد والجذب السياسي إلى معرقل للإنفاق التنموي الفعال، مستنزفاً أموالاً طائلة كان يجب أن تُكرس لتحسين مستوى معيشة المواطنين ومواجهة التحديات الاقتصادية الكبرى.