كيفين أندرسون: أفكار ماركس لا تزال تواجه الخليط السام للعنصرية

أستاذ العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا يدرس ثلاثة مواضيع متشابكة في فكر ماركس وثلاثتها تتعلق بنظام رأس المال والنضال من أجل تجاوزه.


نظرية ماركس في التاريخ نظرية متعددة المسارات وغير اختزالية جعلته يحلل تعقيدات وتباينات المجتمعات غير الغربية وجعلته يرفض الارتباط بنمط واحد من أنماط التطور أو الثورة


أندرسون يؤكد أن ماركس ركز مشروعه على علاقات العمل - رأس المال داخل المجتمعات الأوروبية الغربية وفي أميركا الشمالية

يظل ماركس مفكرا مثيرا للجدل، وإن عمق هذه السجالات التي يستطيع فكره إثارتها تدل على أنه مازال حيا بيننا، وأن شبحه ما زال يطارد معارضيه الذين كانوا قد أعلنوا موت فكره مرات عديدة. تدعي الفكرة الأكثر انتشاراً ضد ماركس في الدوائر الأكاديمية الغربية بأنه قدم فهمًا مغلوطًا للقوة الخلاقة للرأسمالية ولسوقها "الحرة" ولهذا فإن التطور التاريخي قد تجاوز أفكاره. ومن الواضح أن مثل هذه الكليشيهات قد تآكل تمامًا منذ الكساد الكبير عام 2008 والذي أسقط معه النظرية النيوليبرالية المعتمدة. 
كيفين ب أندرسون أستاذ العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا في كتابه "ماركس ومجتمعات الأطراف حول القومية، الإثنيات والمجتمعات غير الغربية" الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، يدرس ثلاثة مواضيع متشابكة في فكر ماركس وثلاثتها تتعلق بنظام رأس المال والنضال من أجل تجاوزه أولها قضايا العرق والإثنية والطبقات في دول بعينها؛ ثانيا القومية والتحرر القومي وأخيرا الكولونيالية ومقاومتها. 
وقد أوضح المترجم هشام روحانا أن رؤيته تشكل دفاعا ناجحًا في وجه الادعاءات التي بدت وكأنها تسود المشهد الأكاديمي وداخل بعض تيارات ومدارس النقد الثقافي وما بعد الكولونيالي والقائلة بأن ماركس ومعه إنجلز أيضًا كان في حقيقة الأمر مفكرا أوروبي التمركز واقتصادوي. والماركسية من وجه النظر هذه تقلل من دور العناصر غير الاقتصادية أي العناصر الثقافية - الحضارية وتختزل مسار التاريخ إلى مجرد مسار اقتصادي صرف. 
وهذه ادعاءات يشترك فيها الفكر اليميني مع مفكرين يأتون من مدارس وتيارت الفكر النقدي المختلفة ويزيد الأخيرون إلى هذا بأن الماركسية تفرض رؤية أوروبية على المجتمعات غير الأوروبية، حتى أنها تشارك الغرب في نظرته الكولونيالية إلى هذه المجتمعات.
وأضاف روحانا أن أندرسون ينقض في فصول ستة هذه الادعاءات ويوضح بأن العكس هو الصحيح؛ ويقدم الدلائل بأن ماركس كان طلائعيا في نقده للكولونيالية، وبطل قضايا كان اليسار المعاصر له قد تجاهلها ومتقدمًا صفوف الجميع في حمل لواءاتها. ويُظهر اندرسون أن ماركس (وإنجلز) في كتاباته وفي ممارسته العملية رأى في النضال من أجل الديمقراطية والتحرر الوطني وفي النضال ضد العنصرية والعبودية والمساواة الجندرية، نضالًا مشتبكًا ومتداخلًا مع نضال الطبقة العاملة ومكونًا أساسيًا في نضالها من أجل التحرر الإنساني. ويعتمد فيه المؤلف على نصوص غير معروفة بشكل كافٍ أو أنها لم تنشر بعد أو لم تترجم لماركس. كما يعتمد على نصوص فرعية لماركس تشكلت من ملاحظاته واقتباساته ومدوناته في دفاتر ملاحظاته على "ومن وفي" مراجع تاريخية وأنثروبولوجية واقتصادية واجتماعية.

العديد من الاستنتاجات النظرية لماركس بخصوص تداخل القضايا الطبقية والإثنية والقومية ما زالت ذات مصداقية مباشرة لأيامنا هذه

وأكد أندرسون أن ماركس ركز مشروعه على علاقات العمل - رأس المال داخل المجتمعات الأوروبية الغربية وفي أميركا الشمالية، لكنه وفي نفس الوقت قضى وقتًا مُعتبرا وصرف جهدا كبيرا في دراسة وتحليل المجتمعات غير الغربية، العرق الإثنية والقومية. ومع أن بعضًا من هذه النصوص يظهر قدرًا إشكاليًا من النظرة الأحادية المسار للتطور التاريخي وفي بعض الأحيان أثرًا عنصري التمركز فإن مجمل المسيرة العامة التي تسير فيها كتاباته حول هذه الموضوعات تتجه باتجاه مختلف تمامًا. 
لقد تبين لنا من هذا النقاش الذي أجريناه أن ماركس وضع نظرية في التاريخ هي نظرية متعددة المسارات وغير اختزالية جعلته يحلل تعقيدات وتباينات المجتمعات غير الغربية وجعلته يرفض الارتباط بنمط واحد من أنماط التطور أو الثورة. 
وأوضح أن كلا من ماركس وإنجلز في عام 1848 وضعا نموذجًا نظريًا للمجتمع الرأسمالي وتناقضاته الجوهرية بنفاذ بصيرة جعلت من البيان الشيوعي فريدًا في قوة بيان لا نظير لها حتى في أيامنا هذه. لكنها يتبنيان في البيان وبشكل ضمني وإشكالي مفهومًا للتطور الاجتماعي يسير في مسار أحادي. وكتبا على المجتمعات ما قبل الرأسمالية، وخصوصًا الصين، والتي وصفاها بمصطلحات عنصرية التمركز "كالأكثر بربرية"، مصيرًا يحتم تغلغل هذا النظام الدينامي فيها وتحديثه لها. 
وفي مقالاته عام 1853 لصحيفة التريبيون وسع ماركس منظوره هذا ليشمل الهند، وأثنى على ما رأى أنه تقدمي في الكولونيالية البريطانية كنقيض يقابله نظام اجتماعي تقليدي ثابت لا يتغير قائم على تراتب طبقي طوائفي مغلق. وضمن هذا المعنى نظر إلى الهند كمجتمع بلا تاريخ، عدا تاريخ الغزاة الأجانب لها؛ منذ الغزو العربي إلى الغزو البريطاني. زد على هذا أنه اعتقد بأن المجتمع الهندي فشل في مقاومة الغزاة بسبب الانقسام الطبقي - الطائفي المغلق وبسبب خمول المجتمع بشكل عام. وشكلت العلاقات الاجتماعية التشاركية والملكية التشاركية في القرية الهندية أساسًا صلبًا لما نشأ من "استبداد شرقي". جعل كل هذا من الهند فريسة سهلة للكولونيالية البريطانية والتي جلبت على كل حال النهضة والتقدم. انتقد مفكرون ما بعد كولونياليين وما بعد حداثيين البيان الشيوعي نصوص ماركس عام 1853 ووصفها إدوارد سعيد على أنها معرفة استشراقية شبيهة بالعقلية الكولونيالية". 
ورأى أندرسون أن فشل هذا النقد في معظمه بملاحظة أنه وفي العام 1853 بدأ منظور ماركس يتغير عن وجهة النظر التي انعكست في البيان، فأصبح أكثر اهتمامًا بالتفاصيل وديالكتيكيا أكثر. وهكذا فقد كتب في التريبيون مقالات تشير إلى أن الهند ستجد لها مخرجًا من الكولونيالية التي يصفها الآن بأنها في حد ذاتها شكل من أشكال "البربرية". ففي نهاية المطاف سيتم التخلص من الكولونيالية فإما بواسطة المساعدة الآتية من قبل الطبقة العاملة البريطانية، وإما من خلال تكون حركة استقلال وطني هندية. وكما يكتب مفكرون هنود كبار مثل عرفان حبيب فهذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها مفكر أوروبي أساسي بدعم استقلال الهند". 
وقال إن تنامى الجانب المناهض للكولونيالية بقدوم سنوات 1856-1857 في فكر ماركس، حيث دعم أيضًا ومن على منبر التريبيون المقاومة الصينية ضد بريطانيا أثناء حرب الأفيون الثانية، والهند أثناء انتفاضة السيبوي. وخلال هذه الفترة بدأ بإدخال أفكاره الجديدة حول الهند في واحد من أعظم نصوصه الجروندريسة (1857-1858). وبالفعل فإنه دفع في هذا العمل التحضيري في نقد الاقتصاد السياسي نحو بناء نظرية متعددة مسارات التطور التاريخي، حيث تقدمت المجتمعات الآسيوية وفق مسار مختلف عن تتابع أنماط الإنتاج التي حددها في أوروبا الغربية – النمط الإغريقي - الروماني، الفيودالي والرأسمالي. زد على هذا أنه قارن وقابل علاقات الملكية التشاركية والعلاقات الاجتماعية الأوسع في التشكيلات التشاركية التي كانت سائدة في المجتمع الروماني القديم بنظيراتها في الهند. وتبدل موقفه الذي نظر من خلاله في البداية إلى التشكيلات التشاركية في القرى الهندية كمصدر للاستبداد فصار الآن يرى فيها تشكيلات تستطيع أن تكون إما استبدادية أو ديمقراطية".
وأشار أندرسون إلى أن ماركس طور نظرية ديالكتيكية للتغيير الاجتماعي وبأن نظريته ليست أحادية مسار التطور ولا تقتصر على ما هو طبقي حصرًا. وكما تطورت نظريته في التطور الاجتماعي نحو رؤية متعددة المسارات وبدأت تراكم نظريته في الثورة مستويات متعددة لتتشابك القضية الطبقية مع الإثنية والعرقية والقومية. وبالتأكيد، لم يكن ماركس فيلسوف - هوية بالمفهوم ما بعد الحداثي، ذلك رغم أن موضوعًا طاغيًا أي رأس المال هو ما شكل مركز جهده النظري وعالمه، لكنه لم يشكل الموضوع الأوحد أو الحصري. ويشكل مفهوم الكلية المحور الذي تدور حوله نظرية ماركس الاجتماعية المتأخرة والتي لا تطرح منظورًا عامًا للتباينات والخصوصيات فحسب، بل وأحيانًا تجعل من هذه الخصوصيات - العرق الإثنية والقومية - محددات للكلية. وهكذا كان الأمر عندما أعتقد بأن الثورة القومية الأيرلندية قد تشكل "رافعة" تستطيع أن تهدم الرأسمالية في بريطانيا، أو عندما كتب بأن الثورة المستندة إلى التشكيلة التشاركية الفلاحية الروسية قد تشكل نقطة انطلاق لتطور الشيوعية في أوروبا. 

Marxism
حركات مهمة مناهضة للرأسمالية

وأضاف أن ماركس حلل كيف هيمنت الرأسمالية على كامل الكوكب، وكيف أنها وصلت إلى كل مجتمع وكيف خلقت منظومة صناعية وتجارية معولمة، لأول مرة في تاريخ البشرية، وبالتوازي كيف أنها خلقت طبقة مضطهدة عالمية جديدة وهي الطبقة العاملة الصناعية. ومن جهة أخرى عمل ماركس بجهد من أجل الامتناع عن التعميم والصياغة الشكلانية المجردة لنظريته حول تطور المجتمعات، فحاول إظهار الأوجه الخاصة التي تعينت فيها قوى الرأسمالية المعولِمة في كل مجتمع ومجتمع سواء كان هذا المجتمع مجتمعًا غير غربي لم يتم اختراقه بالكامل من قبل النظام الرأسمالي كروسيا والهند، أو على مستوى التفاعل البيني للوعي الطبقي مع الإثنية والعرق والقومية في البلاد الصناعية الأكثر تطورًا. 
وأوضح أندرسون أن القضية الأخرى التي سوف تنشأ عن هذا هي ما الذي تستطيع نظرية ماركس الاجتماعية متعددة مسارات التطور، الديالكتيكية والمفتوحة على حضارات متعددة، أن تخبرنا عن الرأسمالية المعولمة في عصرنا هذا؟ هل توجد لمنظوره متعدد مسارات التطور بخصوص روسيا - ومجتمعات غير رأسمالية أخرى - عندها، أية مصداقية مباشرة لعصرنا هذا؟ وهنا سأدعي أن لها مصداقية محدودة فقط. صحيح أن بعض المجتمعات في المكسيك أو بوليفيا وجواتيمالا أو مجتمعات شبيهة في أميركا اللاتينية، أفريقيا والشرق الأوسط ما زالت المشاعة البدائية المحلية موجودة، إلا أنها لا تصل إلى المستوى الذي كانت فيه أيام ماركس في روسيا أو الهند. ورغم أن بقية من هذه الأشكال التشاركية تلحق بالفلاحين إلى المدن وهكذا فإن حركات مهمة مناهضة للرأسمالية تطورت بالاعتماد على هذه القاعدة التشاركية في بوليفيا والمكسيك، إلا أن نظام رأس المال استطاع اختراقها جميعها. 
ولهذا فإن نظرية ماركس متعددة مسارات التطور والمنفتحة حضاريًا مناسبة في أيامنا المعاصرة كنظرية عامة وهي ذات مصداقية على مستوى المنهج العام. إنها تقترح علينا منهجًا تحليليًا كاشفًا كما يظهر هذا في نظريته الديالكتيكية في التاريخ. وهكذا وفي حين أنه انطلق من قاعدة نظرية عامة بأن الرأسمالية وشكل القيمة الخاص بها سوف تهيمن على العالم، فإنه عكف على التناول بالتحليل العيني والتاريخي مجتمعات عالمية وكبرى أساسية والتي لم تقع بعد تحت هذه الهيمنة.
ورأى إن العديد من الاستنتاجات النظرية لماركس بخصوص تداخل القضايا الطبقية والإثنية والقومية ما زالت ذات مصداقية مباشرة لأيامنا هذه. ففي جميع الدول الصناعية الكبرى غير التنوع الإثني، الناشئ بسبب الهجرة في معظم الأحوال، بنية الطبقة العاملة. وفي هذا السياق فإن ما كتبه ماركس حول العلاقة بين العبودية والعرق والطبقة إبان الحرب الأهلية الأميركية، كما وما كتبه عن نضال الشعب البولندي من أجل الاستقلال والعلاقة بالثورة في أوروبا وأيضًا ما كتبه عن أهمية استقلال أيرلندا بالنسبة لنضال الطبقة العاملة البريطانية، لكل هذا علاقة واضحة ومباشرة بعالمنا المعاصر. 
إن هذا سوف يساعدنا على نقد الخليط السام للعنصرية والخضوع لثقافة السجون في الولايات المتحدة أو على تحليل انتفاضة لوس- إنجلس 1992 وانتفاضة المهاجرين الشباب في الضواحي الباريسية عام 2005. تكمن قوة منظور ماركس النظري في أنه رفض فصل قضايا الإثنية والعرق والقومية، عن نقده لنظام الرأسمالية الطبقي فوضعها في سياقها الأوسع دون أن يتجاوزها.
وخلص أندرسون إلى أن كتابات ماركس التي تناولها في كتابه، وسواء لأنها نظرية متعددة مسارات التطور الاجتماعي، أو لأنها منهج في البحث والتحليل والكشف يقدم لمصلحة الحركات الوطنية الأصلانية في وجه العولمة الرأسمالية، أو لأنها نظرية في علاقة وتداخل الطبقي بالإثني وبالعرقي وبالقومي، فإن هذه النصوص التي عرضنا لها هنا هي على درجة عالية من الأهمية لأيامنا المعاصرة.