كيف حوّلت حرب العراق ضابطة استخبارات أميركية لجاسوسة لإيران؟
واشنطن - رصد مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي" الخميس مكافأة قدرها 200 ألف دولار لمن يدلي بمعلومات تفضي إلى القبض على عملية الاستخبارات السابقة مونيكا ويت التي تحولت من جاسوسة على ايران الى جاسوسة تعمل لصالح طهران، فمن هي؟
قصة مونيكا إلفريدي ويت ليست سيناريو سينمائيا هوليووديا، بل هي واحدة من أكثر قضايا الانشقاق الاستخباراتي إثارة للصدمة في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
امرأة بدأت رحلتها في قلب المؤسسة العسكرية الأميركية، مدججة بتصاريح أمنية من درجة "سري للغاية" (Top Secret)، وتغوص في أدق تفاصيل الملفات الإيرانية والشرق أوسطية، لينتهي بها المطاف كصيدٍ ثمين يطارده مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) بتهمة التجسس لصالح الخصم الألد: طهران.
على مدار سنوات، ظلت الصحافة الأميركية وأجهزة مكافحة التجسس تدور في حلقة مفرغة من الأسئلة: كيف تتحول ضابطة استخبارات أميركية، نذرت حياتها لحماية أسرار بلادها، إلى ما تصفه واشنطن بـ "العميلة الأخطر للنظام الإيراني"؟
البدايات: تصدعات في الهوية
تبدأ الحكاية من مدينة إل باسو بولاية تكساس، حيث ولدت مونيكا عام 1979. نشأتها لم تكن مستقرة؛ إذ تركت الوفاة المبكرة لوالدتها ندوبا نفسية وعائلية عميقة في شخصيتها، وفقًا لشهادات مقربين منها في تلك الفترة.
كانت فتاة منطوية، تميل إلى العزلة وتتجنب صخب الاختلاط بالآخرين، لكنها كانت تمتلك في المقابل ذكاء حادا، وقدرة فائقة على التركيز والتحليل—وهي المزايا الدقيقة التي فتحت لها لاحقا أبواب أكثر الأجهزة الأمنية حساسية في أميركا.
في عام 1997، اتخذت مونيكا القرار الذي غيّر مجرى حياتها؛ التحقت بالقوات الجوية الأميركية، ومن هنا بدأت عجلة التحول الكبرى في الدوران.
داخل المؤسسة العسكرية، لمعت موهبة مونيكا الاستثنائية في التقاط اللغات. رُشحت سريعا لدراسة اللغة الفارسية في معهد اللغات الدفاعية المرموق، ولم يمض وقت طويل حتى تحولت إلى محللة استخباراتية متخصصة في الشأن الإيراني والشرق أوسطي.
خطواتها المتسارعة قادتها إلى الانضمام لـ "AFOSI"، مكتب التحقيقات الخاصة بسلاح الجو الأميركي، وهو جهاز بالغ الحساسية يُعنى بمكافحة التجسس وحماية الأمن القومي.
هناك، مُنحت مونيكا مفاتيح الخزائن المغلقة؛ تصاريح أمنية رفيعة أتاحت لها الاطلاع على برامج استخباراتية سرية، وأسماء عملاء يزرعهم الأميركيون في الخارج، وآليات عمل أجهزة التجسس.
كانت ببساطة تعرف كيف تفكر طهران، وكيف ترصدها واشنطن، ولم تكن تعلم أن هذه المعرفة بالذات ستصبح لاحقا أخطر سلاح تشهره في وجه بلادها.
حرب العراق.. نقطة الانكسار
جاءت الحرب الأميركية على العراق لتشكل نقطة التحول النفسي والفكري في حياة مونيكا. عملت في بيئة مشبعة بالعنف والدم والعمليات العسكرية المعقدة، ويبدو أن فظائع الحرب تركت في وجدانها شرخًا لم يندمل.
تحدث زملاؤها السابقون عن تغير تدريجي ومخيف في سلوكها؛ أصبحت ناقمة على السياسات الأميركية، ومشحونة بالغضب، وتشكك علنا في مبررات الحرب.
بدأت تتحدث عن "قتل المدنيين" و"التجاوزات العسكرية" بنبرة غريبة عن محيطها العسكري، وانسحبت تدريجيا إلى عزلة اجتماعية تامة داخل قاعدتها. لم يكن التحول سياسيا فحسب، بل كان مخاضا فكريا ونفسيا يعيد صياغة هويتها بالكامل.
تشير التحقيقات إلى أن مونيكا لم تُستدرج بالمال أو الابتزاز كبقية الجواسيس، بل جُنِّدت عبر "تقارب روحي ونفسي". كانت تشعر بأنها غريبة في وطنها، ووجدت في الخطاب الإيراني ملاذًا للتمرد وإعادة تعريف الذات.
وفي عام 2012، حزمت حقائبها وتوجهت إلى طهران للمشاركة في مؤتمر يحمل اسم "Hollywoodism" (الهوليوودية)، وهو حدث تنظمه مؤسسة "New Horizon" التي تصنفها واشنطن كواجهة تجنيد تابعة للحرس الثوري الإيراني.
هناك، في أروقة طهران، بدأت اللعبة الحقيقية، والتقت مونيكا بالوسطاء الذين سيغيرون مسار ولائها إلى الأبد.
رحلة بلا عودة
بعد عودتها من طهران، باتت خطوط اتصالاتها مع الإيرانيين ساخنة، وتحديدًا مع الإعلامية الأميركية الإيرانية "مرضية هاشمي"، التي تعتقد واشنطن أنها لعبت دور العرّاب في عملية استقطابها وتأمين انشقاقها.
في عام 2013، اتخذت مونيكا قرارها الحاسم. أرسلت رسالة مقتضبة ومشفرة لجهات اتصالها، كتبت فيها:
"I’m signing off and heading out! Coming home." (أنا أسجل خروجي الآن وأتجه نحو الخارج.. عائدة إلى بيتي)
كانت هذه العبارة بمثابة إعلان الانشقاق الأخير. طارت مونيكا من دبي إلى طهران، واختفت وراء الستار، لتطوي صفحة ضابطة الاستخبارات الأميركية، وتفتح صفحة الجاسوسة الفارة.
السقوط في بئر الخيانة
وفقًا للائحة الاتهام الصادرة عن وزارة العدل الأميركية، تحولت مونيكا فور وصولها إلى طهران إلى أداة استخباراتية بيد الحرس الثوري. سلمت الإيرانيين صيدا ثمينًا:
- أسماء صريحة لضباط وعملاء استخبارات أميركيين يعملون في الخفاء.
- تفاصيل دقيقة عن برامج تجسس سرية للغاية.
- معلومات تكتيكية مكنت القراصنة الإيرانيين (الهاكرز) من شن هجمات إلكترونية دقيقة استهدفت زملاءها السابقين في الجيش الأميركي.
خطورتها لم تكن تكمن فقط في حجم المعلومات التي سربتها، بل في أنها منحت طهران "عقلًا" يفهم من الداخل كيف تفكر وتتحرك أجهزة الاستخبارات الأميركية.
تلاشت مونيكا عن الأنظار، وتحصنت بحماية الأجهزة السيادية الإيرانية، وتغيرت أسماؤها إلى "فاطمة الزهراء" و"نرجس ويت". وتقول التقارير إنها استقرت هناك لتقدم استشارات وتدريبات للأجهزة الإيرانية حول كيفية اختراق والتصدي لأساليب التجسس الأميركية.
الملف يُفتح من جديد
رغم مرور أكثر من عقد على هروبها، صدم مكتب التحقيقات الفيدرالي الأوساط الإعلامية والأمنية في مايو/أيار من عام 2026، بإعادة ملف مونيكا ويت الى الواجهة بقوة، معلنا عن مكافأة مالية ضخمة تصل إلى 200 ألف دولار مقابل أي معلومات تقود إلى القبض عليها.
هذه الخطوة المفاجئة، وفي ظل مناخ مشحون بالتوتر المستعر بين واشنطن وطهران، تفتح الباب على مصراعيه للتكهنات؛ إذ يرى المحللون أن إعادة تحريك القضية يعكس يقينا أمنيا أميركيا بأن مونيكا ما زالت نشطة، وأنها ما زالت تدير خيوطا أو تقدم خدمات نوعية لشبكات التجسس الإيرانية حتى اليوم.
في نهاية المطاف، لا تنظر الصحافة الاستقصائية الأميركية إلى قصة مونيكا ويت بوصفها مجرد "خيانة عظمى" عابرة، بل هي دراسة حالة مرعبة لانهيار نفسي وفكري متدرج حدث داخل البيئات الأمنية الأكثر انغلاقًا وسرية في العالم.
لم تولد مونيكا جاسوسة، ولم تدخل الجيش الأميركي لتدمره؛ لكن سنوات الحرب، والتمزق الداخلي، والبحث عن هوية بديلة، والسياسات الأميركية في المنطقة، كلها عوامل دفعتها في النهاية إلى عبور الخط الفاصل بلا عودة.. الخط الذي تحولت فيه من امرأة تراقب إيران لحساب واشنطن، إلى المرأة التي حملت أسرار بلادها لتقدمها في طبق من ذهب لطهران.
هل ما زالت "فاطمة الزهراء" تدير معاركها خلف الستار في طهران؟ وهل ستصل إليها يد العدالة الأميركية؟ السؤال يبقى معلقا، تماما كملفها الذي يرفض أن يُغلق في رداهات مكتب التحقيقات الفيديرالي.