كيف خسر الإسلاميون في تونس "تفوقهم الأخلاقي"

ما صنع نجاح النهضة هي القاعدة غير الثابتة من الشارع التونسي الذي انتخبها أول مرة بسبب "نظافة يدها".


أحمد نجيب الشابي: الصراع داخل النهضة تنظيمي أكثر منه سياسي


انشطار النهضة سيؤدي إلى تشتّت قواعدها التقليدية


الإسلاميون عجزوا عن تحقيق مطالب التونسيين من الثورة

تونس - عندما خسر حزب العدالة والتنمية بلدية اسطنبول في انتخابات 2019، بعد أكثر من ربع قرن من السيطرة عليها، غرّد النائب عن الحزب مصطفى يانير أوغلو على تويتر قائلا: "خسرنا إسطنبول لأننا خسرنا تفوقنا الأخلاقي... يمكننا أن نستعيد تفوّقنا بالنقد الذاتي، وطي صفحة الماضي، والنظر إلى المستقبل وأحلام الشباب والعقلانية وسيادة القانون والحقوق والفصل ما بين السلطات".

ينطبق الوضع إلى حد بعيد على تجربة الإسلاميين في تونس، حيث خسرت حركة النهضة "تفوقها الأخلاقي"، لصالح الرئيس قيس سعيّد. وفي تشابه كبير مع العدالة والتنمية التركي، بدأت ملامح سقوط الإسلاميين تظهر منذ الانتخابات البلدية )المحلية( التي صعد فيها المستقلّون )32 بالمئة من الأصوات( وخسرت فيها النهضة نقاطا هامة )28 بالمئة(.

في انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر 2011، وهي الأولى في تونس بعد سقوط نظام بن علي فازت النهضة بالأغلبية، حيث حصلت على 37 بالمئة من الأصوات وهي نسبة لافتة بالنسبة لحزب كان محضورا )تم الاعتراف بالنهضة كحزب سياسي في مارس 2011(، ولم يكن فاعلا في الشارع في العقود الأخيرة وما يعرفه عامة التونسيين لا يتعدى اسم الغنوشي أو الأحاديث عن عملية باب سويقة وبعض التفاصيل التي تسرد عند حديث خافت عن أسباب تشدّد نظام بن علي مع الإسلاميين.

كان لحركة النهضة قاعدة صلبة في تونس تعمل بسرية، رغم تشدّد النظام السابق، بالإضافة إلى قادتها وأنصارها في المهجر، والذين عادوا مع راشد الغنوشي في 2011. لكن ما صنع تفوّق النهضة بشكل كبير هي القاعدة غير الثابتة من الشارع التونسي الذي انتخبها أول مرة بسبب "تفوقها الأخلاقي".

في 2011 عندما تسأل تونسي من العامة في الشارع أو في مقهى أو سوق شعبية أوعن سبب تأييده للنهضة رغم أنه ليس من أنصارها التقليديين وغير متحزّب يجيبك هي "ناس تخاف ربي" )يخشون الله(، أي أن الجانب الأخلاقي كان العنصر الرئيسي في هذا التقييم دون النظر إلى البرنامج الانتخابي أو خلفيات قادة الحركة الذين قضى بعضهم سنوات طويلة في الخارج والبعض الآخر كان في السجون، وكلاهما كان بعيدا عن تطورات الحاصلة في عمق المجتمع التونسي في العقدين الأخيرين.

ويشرح ذلك السياسي التونسي المخضرم أحمد نجيب الشابي بقوله: "النهضة في السبعينات والثمانيات تمكّنت من تشكيل جسم تنظيمي مهمّ كان مقموعا وفي الثورة استفاق وشارك في الانتخابات وتمكن من قيادة العملية الانتخابية".

ويضيف الشابي لميدل ايست أولاين "عن طريق دستور 2011 تمكنوا )الإسلاميون( من دخول السلطة. أخذوا الحكم رغم أنهم لم يكونوا مهيئين إطلاقا لإدارة البلاد لأن اهتماماتهم الأيديولوجية بعيدة عن اهتمامات التونسيين وحياتهم الواقعية".

بالتالي "عجزت عن تحقيق مطالب التونسيين من الثورة وهي  اقتصادية واجتماعية  ودخلت عملية الانتقال الديمقراطي في أزمة وطوال عشرة سنوات كانت سياستها إقامة تحالفات متغيرة ومتموجة بهدف وحيد للبقاء السلطة والتوسّع وتملك أجهزة الدولة وبالتالي انتهت التجربة بالفشل" .

وفي سلسلة مقالات ترصد ظاهرة صعود نجم الإسلام السياسي ثم أفوله في الدول العربية، يقول محللون في مجلة الإيكونومسيت "قبل عقد من الزمان، كانت الأحزاب الإسلامية في صعود في العالم العربي. فغالبا ما يُنظر إلى تلك الأحزاب على أنها أكثر نظافة من منافسيها، وبارعة في تقديم الخدمات، وكانت في وضع جيد للاستفادة من الثورات الديمقراطية التي اجتاحت المنطقة في عام 2011".

ويضيف في تحليل آخر أن "العديد من العرب كانوا يعتقدون قبل عام 2011، أن الإسلاميين، إذا أتيحت لهم فرصة عادلة، سيكونون قوة لا يمكن إيقافها في السياسة الديمقراطية...  كان المؤيدون يرون في الإسلاميين على أنهم طاهرون، ولا تفسدهم السلطة".

لكن بعد وقت قصير بدأت هذه النظرة تتغير ونزعت القداسة عن الإسلاميين، ليصبحوا في آخر المطاف "منظومة حكم فاسدة" دفعت الشارع إلى الخروج مطالبا بإسقاطها.

الغاية تبرر الوسيلة

انطلاقة الإسلاميين في تونس كانت قوية وربما هذا ما منحهم قوة الدفع والإحساس بالتفوق خاصة في فترة كانت فيها بقية الأحزاب بعضها متحالف مع النهضة وبعضها الآخر تنخره الانقسامات وأحزاب أخرى لم تع المتغيرات وصدمت عندما فشلت في الانتخابات وظلت تترنح بعد أن اعتقدت أنها ستكون في الصداة لأنها في عهد بن علي كانت تصنف ضمن أحزاب المعارضة.

لكن في غمرة النجاح المدعوم بالتطورات الإقليمية والضخّ المادي والمعنوي الخارجي لم يع الإسلاميون أن ما حصل في مصر بعد سنة واحدة من حكم الإخوان آت لا محالة.

في أول انتخابات بعد انتخابات المجلس التأسيسي، وهي الانتخابات التشريعية لسنة 2014 حلّ حزب نداء تونس بقيادة الراحل الباجي قائد السبسي في المرتبة الأولى )86 مقعدا من أصل 217( وجاءت النهضة في المرتبة الثانية بـ بحصولها على 69 مقعدا.

كان الشعار الرئيسي لنداء تونس في تلك الانتخابات مواجهة حركة النهضة وخطة الإسلاميين لضرب الدولة البورقيبية. وعلى نفس الأساس فاز الباجي قائد السبسي في رئاسيات نوفمبر 2014. ليتحالف بعد ذلك مع حركة النهضة ضمن قراءة موضوعية للمآلات التي كان يمكن أن تصل إليها البلاد في ذلك الوقت مع تصعيد الإسلاميين واستقواءهم بالخارج.

في الانتخابات التشريعية أكتوبر 2019 لم تسجل النهضة سوى 19 بالمئة من الأصوات، وإن بقيت تمثل الأغلبية. لكن هذا التراجع في نسبة التصويت يعكس خسارة الحركة للقاعدة الشعبية المتغيرة التي كانت أساس نجاحها في سنة 2011.

في هذه الانتخابات اضطرت النهضة لمناقضة نفسها والعمل بعكس ما كان يقول رئيسها وقادتها، وهو التحالف مع حزب قلب تونس الذي حل في المرتبة الثانية وقد فاز بنسبة 14 بالمئة من الأصوات، وهو فوز أنبنى أيضا على أبعاد نفسية اجتماعية من خلال حملة قامت على تقديم المساعدات من أكل وملبس لعائلات فقيرة وجهات مهمشة.

نقضت النهضة عهدها بعدم التحالف مع من "تلاحقه تهم فساد )في إشارة إلى نبيل القروي( لتدفع لاحقا ضريبة الدخول في معترك السياسة والقبول بقواعد اللعبة وإن كانت "قذرة" فالغاية تبرر الوسيلة.

ردّ الشارع كان في الانتخابات الرئاسية المبكرة حيث صوّت لقيس سعيد لذات الأسباب التي جعلته ينتخب النهضة في 2011، وهي "نظافة اليد".

كان التونسيون مخيّرون بين قيس سعيد ونبيل القروي. ومالت الكفة لصالح سعيد الذي نجح في اختبار "التفوق الأخلاقي"، فهو شخصية لم تدنسها السياسة قادم من عالم القانون يملك وقار الأستاذ والأهم وفق الأغلبية الذي انتخبته )72 بالمئة( أنه لا ينتمي للمنظومة الحاكمة التي يسيطر عليها الإسلاميون.

وفي تناقض آخر فرضته لعبة السياسة اضطر الإسلاميون للاصطفاف خلف قيس سعيد في الانتخابات الرئاسية رغم تحالفهم في البرلمان مع حزب قلب تونس.

الشارع هو الحكم

في كل مرة كان الشارع التونسي يقول كلمته ويخصم من رصيد الإسلاميين. لكن ظلت حالة الأغلبية التي تتمتع بها النهضة مصدر التحكّم في مسارات الأمر إلى أن انهارت المنظومة، بالتزامن مع انفراط حباتها إقليميا.

هذا الشارع الذي يحدّد التوجهات هو ممثل في نسبة كبيرة من الطبقة المتوسطة والفقيرة وفي عدد من النخبة. من بين هذه النسبة عدد ممن صوتوا للنهضة في السابق على أساس "اليد النظيفة"، وهم اليوم يتصدرون الصفوف المعارضة ويصطفون خلف قيس سعيد، إلى جانب النخبة التي تخشى على الحريات والحقوق ومكتسبات دولة الاستقلال وما تحقق للمرأة كما تخشى على النموذج التونسي العلماني.

والأسباب التي انتخبوا على أساسها قيس سعيد هي ذاتها التي جعلتهم يصطفون خلف ما اتخذه من قرارات منذ يوم 25 يوليو بعد أن خرج الشارع التونسي مطالبا بإسقاط المنظومة الحاكمة، التي تقودها حركة النهضة.

استجاب رئيس الدولة للمطالب، وعمل وهو أستاذ القانون الدستوري على تأويل الفصل 80 من الدستور التونسي ليحاصر الإسلاميين بنفس السلاح الذي سعوا من خلاله إلى السيطرة على الرئيس ومقاليد الحكم في البلاد عبر نظام برلماني هجين ودستور فصّل على المقاس.

أيد المعارضون للنهضة قرارات سعيد وردوا على اتهام المعارضين له بأن ما فعله "انقلاب" بالقول إنه يملك أقوى شرعية هي شرعية الشارع.

اتخذ سعيد منذ 25 يوليو عدة قرارات أدّت إلى انقسام الشارع الذي خرج يوم 25 يوليو ضد النهضة بين مؤيد تأييدا مطلقا وبين نخبة متخوفة من مآلات تجميع كل السلطات في يد واحدة واستنساخ تجربة حكم فردي جديدة.

لم تتضح بعد ملامح الخطر المقبل في تونس، ومازال الشارع يرى في قيس سعيد النسخة الأقرب للشخصية التونسية التي تجمع في نفس الوقت بين المحافظة والانفتاح والتدين الأقرب للتصوف والليبرالية المؤطّرة بتقاليد المجتمع وضوابطه.

الحرب على الفساد مازلت شعارا يرفعه الرئيس ويقابل في كل مرة بالهتاف وإن مازلت القضايا مفتوحة ولم يتم الحكم في أي واحدة منها إلى الآن. الشارع يبدو مرتاحا لمجرّد أن البرلمان مغلق والنواب مجمّدين.

المجتمع الدولي قلق من عدم تعيين رئيس حكومة أكثر من التونسيين أنفسهم. التونسي تعود على الأمن والعيش وفق أسلوب معيّن وهي المعادلة التي عرف كيف يكسبها النظام السابق لذلك عندما اختل توازنها انهار.

يتكرر الأمر مع منظومة الحكم في تونس بعد 2011. مازال الوقت مبكرا للحكم على تجربة الرئيس قيس سعيد لكن الأكيد أن الأيام القادمة ستحمل الكثير من التفاصيل والشارع سيقول كلمته التي ستكون الفصل في المشهد السياسي، الذي لن يخلو تماما من الإسلاميين. تونس لن تعود كما كانت قبل 2011 دولة الحزب الواحد.

التشظي لا يعني النهاية

الشارع التونسي اليوم منقسم بين معارض للإسلاميين ومؤيدين لهم، الأحزاب الأخرى من اليسار والوسط والقومية أظهرت من البداية أنها أحزاب انتخابات تصطف مع هذا أو ذلك وفق النتيجة.

تشظي حركة النهضة لا يعني انتهاءها، وفي تجربة حزب العدالة والتنمية والإسلام السياسي التركي عموما خير مثال، وهو الأقرب للتجربة التونسية أكثر من تجارب الإخوان في مصر وغيرها.

عندما ضيق الجيش على نجم الدين أربكان في تركيا كان في كل مرة يؤسس حزبا جديدا إلى أن وصلب الأمر بتلميذه رجب طيب أردوغان إلى الانفصال عنه وتأسيس العدالة والتنمية مع عبدالله غول وأحمد داود أوغلو.

ديكتاتورية أردوغان أضعفت قواعد حزب العدالة والتنمية وتسببت في تشظيه وخروج قادته عنه وتأسيس أحزاب أخرى، تجمل نفس العقيدة والتوجه، فقط خلافها شخصي مع أردوغان، التجربة تقريبا نفسها مع النهضة في تونس، حيث بلغ عدد المستقلين خلال اليومين الماضيين حوالي 130 شخصية بالإضافة المستقيلين منذ 25 يوليو، والسبب تفرّد الغنوشي بالقرار وديكتاتورية الحكم في صلب الحركة.

وعن الانقسام داخل النهضة، يقول أحمد نجيب الشابي بقوله "لحد الآن لا أرى علامة لذلك..  حتى من قدموا استقالتهم من الحركة لم يقدموا أي مقترحات بديلة: هم مختلفون حول إدارة الشأن التنظيمي وطريقة إدارة الغنوشي. هو صراع تنظيمي أكثر منه سياسي".

انشطار حزب العدالة والتنمية سيؤدي إلى تشتّت قواعده الاجتماعية التقليدية وتوجهها نحو الأحزاب الجديدة التي تحمل نفس التوجه لكن بقيادة مختلف. ويقول المحلل السياسي التونسي منذر ثابت "وارد جدا إعادة انتشار الجماعة تحت عناوين مختلفة ومحاولة لمراوغة استهداف الجمهور الواسع الذي يخصهم لكن المحاولة تبقى فاشلة".

ويضيف لميدل ايست أولاين "في كل الحالات جميع الأحزاب الإسلامية تصب في نفس المصب  مشروع الخلافة والجمهورية الإسلامية على الشاكلة الإيرانية يعني بعبارة أوضح لا علاقة لها بالمشروع الحداثي والمدني الذي تدافع عنه مختلف العائلات الفكرية الحداثية في البلاد".

مازال أمر تشكيل الأحزاب المستقيلة من النهضة قيد توقعات وقد نرى في المستقبل حركات شبيهة بحركة "ميللي غوروش" التركية نظرا لأهمية قواعد النهضة في الخارج وسيطرة الإخوان على منافذ تأثير هامة، وسيكون من المهم على التونسيين مراجعة التجربة التركية وقيساها على تونس لأن إخراج البلاد من أزمتها متعددة الأبعاد لا يقاس فقط بـ"التفوّق الأخلاقي".