كيف يقوض استدعاء السفراء النفوذ الأميركي في أفريقيا؟

التقديرات تشير إلى أن موجة الاستدعاءات الأخيرة التي شملت نحو 13 رئيس بعثة دبلوماسية، سترفع إجمالي الوظائف القيادية الشاغرة في السفارات الأميركية بافريقيا إلى قرابة 30 منصباً.

واشنطن - تواجه السياسة الخارجية الأميركية في القارة الافريقية منعطفاً حرجاً، حيث يهدد قرار الرئيس دونالد ترامب باستدعاء عدد كبير من السفراء بخلق فراغ دبلوماسي غير مسبوق. وهذا التوجه، الذي يأتي في وقت تتصاعد فيه الصراعات الجيوسياسية وتشتد فيه المنافسة الدولية على الموارد والنفوذ، يضع المصالح الاستراتيجية لواشنطن في مهب الريح، خاصة في منطقة جنوب الصحراء الكبرى التي تعاني أصلاً من اضطرابات سياسية وأمنية.

وتشير التقديرات إلى أن موجة الاستدعاءات الأخيرة، التي شملت نحو 13 رئيس بعثة دبلوماسية وفقاً لتقارير إعلامية، سترفع إجمالي الوظائف القيادية الشاغرة في السفارات الأميركية بالقارة إلى قرابة 30 منصباً. ولا يقتصر هذا النقص على السفارات الميدانية فحسب، بل يمتد إلى قلب وزارة الخارجية في واشنطن؛ حيث يفتقر مكتب شؤون أفريقيا إلى مسؤول رفيع معتمد من مجلس الشيوخ، مع الاعتماد على "قائمين بالأعمال" لفترات انتقالية طويلة.

ويرى خبراء ودبلوماسيون سابقون أن هذا "الغياب الممنهج" يعكس فلسفة ترامب التي تميل إلى الدبلوماسية الشخصية المباشرة بدلا من الهياكل المؤسسية التقليدية، ففي نظر ترامب، قد تبدو السفارات والبعثات حلقات وصل يمكن تجاوزها إذا ما انخرط هو شخصياً، أو مستشاروه المقربون مثل مسعد بولس، في إدارة الملفات الساخنة كالأزمة بين رواندا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وبينما تحاول واشنطن تقديم نفسها كشريك بديل وأفضل من الصين، التي تغلغلت استثماراتها في البنية التحتية والمناجم الأفريقية، فإن غياب السفراء يضعف القدرة على المنافسة، فالسفير ليس مجرد ممثل بروتوكولي، بل هو المحرك الأساسي لمتابعة الاتفاقيات التجارية، ورصد التحركات الميدانية، وبناء علاقات ثقة طويلة الأمد مع القادة المحليين.

وعلى الرغم من وعود الإدارة السابقة برفع مستوى الاهتمام بأفريقيا، إلا أن النفوذ الأميركي شهد تراجعاً ملموساً، تمثل في خسارة قواعد عسكرية في منطقة الساحل وتعثر مساعي كسر الهيمنة الصينية على المعادن النادرة. ومع انتهاج ترامب لسياسة "التجارة لا المساعدات"، يصبح وجود "دبلوماسية اقتصادية" نشطة أمراً حتمياً، وهو ما يتناقض تماماً مع واقع السفارات المهجورة.

ويصف كاميرون هادسون، المسؤول السابق، نهج ترامب بأنه يغفل جوهر العمل الدبلوماسي. فاعتقاد الرئيس بأنه يستطيع إدارة علاقات مع 54 دولة بشكل شخصي هو رهان محفوف بالمخاطر، فعلى سبيل المثال، رغم تدخل ترامب المباشر في اتفاق السلام بشرق الكونغو، إلا أن متمردي حركة "23 مارس" حققوا تقدماً ميدانياً بعد أيام فقط من الإعلان عن الاتفاق، مما يثبت أن "النجاحات الخاطفة" لا تصمد دون متابعة دبلوماسية حثيثة على الأرض.

علاوة على ذلك، أدت التوترات مع دول محورية مثل جنوب أفريقيا ونيجيريا إلى تعقيد المشهد، فإدراج نيجيريا ضمن قائمة الدول المثيرة للقلق والتلويح بعمل عسكري لحماية الأقليات المسيحية، يتطلب وجود قنوات اتصال مفتوحة وحكيمة لسفراء ذوي خبرة، وليس مجرد تصريحات صادرة من واشنطن.

داخلياً، يعاني مكتب الشؤون الأفريقية في الخارجية الأميركية من حالة عدم استقرار، حيث يتوالى المسؤولون على المناصب دون تعيينات دائمة. ومع تقاعد كبار المتخصصين مثل جوناثان برات، تصبح القدرة على تشكيل المواقف والمصالح الأميركية عرضة للضعف. ورغم تأكيدات المتحدثين باسم الخارجية بأن الإدارة تحقق "نجاحات غير مسبوقة"، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى فجوة قيادية قد تضر بالمصالح القومية على المدى الطويل.

ولا يمكن أن تدار السياسة الخارجية بعقلية "الرجل الواحد" في قارة معقدة كأفريقيا، فاستمرار الشواغر الدبلوماسية يعطي رسالة سلبية للقادة الأفارقة مفادها أن واشنطن غير مهتمة بالاستثمار في العلاقات المستدامة، مما يفتح الأبواب على مصراعيها أمام القوى الدولية الأخرى لملء الفراغ، ويجعل الدبلوماسية الأميركية مجرد رد فعل بدلاً من كونها قوة مبادرة وصانعة للسلام والاستقرار.