كي لا تكون حصيلة الصحافة من كورونا مجرد أخبار


لكي لا نخرج بمجرد أرقام عن عدد القراء الذي فضلوا الصحف على غيرها لمعرفة دقة أخبار وباء كورونا، علينا كصحافيين أن نعيد صناعة مفهوم مهنتنا وليس دق المسمار الأخير في نعشها.


اليقين الوحيد في الوقت الحالي بشأن مستقبل الصحافة هو عدم اليقين

سأستعير من كلايف كوكسون مراسل صحيفة فايننشيال تايمز في نيويورك، جملته المطالبة بألا تكون حصيلتنا من انتشار وباء كورونا مجرد أرقام، لاستبدلها بمجرد أخبار وأنا أتحدث عن الصحافة، فكوكسون أشار إلى جهد بحثي عالمي غير مسبوق أنتج عشرات الآلاف من الأوراق العلمية توضح جوانب من فايروس كورونا الجديد وطريقة تأثيره في جسم الإنسان. ولم يقتصر الأمر على مجرد أرقام عن الضحايا والناجين.

بينما حصيلة الصحافة من أشهر الغلق الصعبة تكمن في استعادة الثقة بمحتواها الإخباري من قبل الجمهور، الصحافة كانت المصدر الأكثر اعتمادا عندما يتعلق الأمر بتداعيات انتشار الوباء والمخاوف التي أثارها بين الناس إلى درجة الذعر. كمية التلفيق والتزييف الإخباري التي رافقت انتشار الوباء على مواقع التواصل والمنصات الشخصية، جعلت الناس تعود إلى مصدرها الأول، ولم يكن ذلك غير الصحافة.

تلك الثقة على أهميتها لا تشكل فاصلة إنقاذ في أزمة الصحافة الوجودية، فكورونا كان قاتلا في مستوى آخر للصحف عندما أرغمها على الإغلاق والتوقف عن الطباعة وأصابها بعدم اليقين من مستقبلها ومازال قائما ولا تبدو أي مؤشرات لتراجعه، وهذا ما وصفه مايكل ميلر الرئيس التنفيذي لمجموعة “نيوز كورب أستراليا” العائدة لإمبراطور الإعلام روبيرت مردوخ بـ”الضربة النهائية التي سددها فايروس كورونا للصحافة” أثّر الإعلان عن توقف مئة مطبوعة تديرها المجموعة.

بينما ذهب روي غرينسلايد الكاتب في صحيفة الغارديان البريطانية والمهتم بشؤون الإعلام أبعد من ذلك بقوله إن الأزمة مستمرة أثناء الحجر المنزلي وما بعده رغم الجهود والاستراتيجيات المستقبلية لإعادة تركيز أنشطة غرف التحرير. معبرا عن توقعه بأن الفترة التي ستلي الوباء “ستشكل على الأرجح المرحلة الأخيرة من التراجع الطويل للصحف الورقية”.

الصحافة دفعت ثمن إخلاصها لجوهرها، لذلك تضيق السبل أمامها، عندما بقي هدفها حق وصول الجمهور بتساو إلى الأخبار والمعلومات عالية الجودة، لكن ذلك الحال صار مكلفا على الصحافة وليس من العدالة أن تتحمل وحدها تكلفة استمراره من دون دعم ومساهمات الجمهور نفسه، إضافة إلى الدعم غير المشروط من قبل الحكومات، لأن الصحافة في أساسها شريك موثوق به للحفاظ على أداء الحكومات ومنع تفشي الفساد في مفاصلها، وفي النهاية عندما تدعم الدول صحافتها فإنها تحافظ على مستوى معين من أداء حكوماتها. ولا يكفي أبدا أن يغلب التفاؤل على الكلام المجرد، كما هو سائد عند السياسيين بشكل يخالف المنطق، فالصحافة ترقد منذ سنوات في السوق المريضة بينما تصريحات السياسيين واستراتيجية الحكومات تكتفيان بالوعود المجردة.

صحيح أن اليقين الوحيد في الوقت الحالي بشأن مستقبل الصحافة هو عدم اليقين، ففي حين أن هذا القطاع الذي شارك بحيوية في كتابة التاريخ منذ صدور أول صحيفة مطبوعة، لا يمكن التنبؤ بمستقبله، فإن عدم القدرة على التنبؤ لا يمثل المشكلة في كثير من الأحيان، المشكلة تكمن في مواجهة فكرة وواقع يتفاقم بشكل أكبر يوما بعد آخر عن نهاية الصحافة التقليدية، وزاد وباء كورونا أكثر في تقويض مفاصل هذا القطاع.

ما عانته الصحافة في أزمتها الوجودية أثناء انتشار الوباء كان مضاعفا عما عاشته القطاعات الأخرى، فهي بالأصل كانت مهددة في أعمالها وأضيف لها تداعيات كورونا الكئيبة، لكنها مع ذلك عملت بطريقة جعلت الجمهور يعيد الالتفات إليها، وهذا يفسر لنا النسبة العالية ممن أعادوا دورة الاتجاه إلى مواقع الصحف لاستقاء الأخبار منها.

لذلك ينبغي على الناس والدول على حد سواء حماية مفهوم الصحافة الحرة ومنع تقويضها تحت أي مسوغ كان، وبغض النظر عن طريقة تقديمها للجمهور ورقية كانت أم رقمية، من أجل المحافظة على هوية مجتمع سليم في طريقة تفكيره وطريقة حصوله على المعلومات الموثوقة، لأن إنهاء الصحافة كمفهوم سيؤدي إلى إلحاق ضرر لا يمكن لأي ديمقراطية تعويضه.

فهل استمرار صدور الصحافة الورقية بشكلها الحالي أفضل من لا شيء؟ بينما البدائل الرقمية مستمرة في اكتساح السوق وموارد الإعلانات على حد سواء، هذا السؤال في الواقع يدور حول ما يمكن وما لا يمكن للصحافة القيام به، وهو جدل يعيدنا إلى التاريخ حول مفهوم الثقة في النماذج المبسطة. لأننا لم نتخل عن الراديو بعد شيوع جهاز التلفزيون، ولم نتوقف عن الذهاب إلى السينما بعد انتشار الفيديو، ولم نتخلف عن زيارة المتاحف والمكتبات بعدما فضلت أدمغتنا الإنترنت كمصدر للمعرفة على أي خيار آخر.

الذين لا يبالون بانقراض الصحافة لا يتوقفون عن الادعاء بأن الصحافة لم تكن تمثل المجتمع، أو على الأقل لم تمثلهم! وهم في ذلك يهملون عن قصد الفكرة المتوخاة من جوهر الصحافة، وينظرون إلى خطاب مكشوف تديره الحكومات والأحزاب والشركات وحتى رجال الدين لتمرير مصالحهم الأنانية في وسائل إعلام تابعة لهم.

فكّر في السؤال: ما معنى أن تكون حياة الإنسان -أي إنسان- من دون صحيفة يومية يطالعها بمزاج رائق، هل نتخيل ماذا سيحصل آنذاك لمفهوم الحنين بمجرد اختفاء الصحف لتكون من الماضي، لذلك لدينا جميعا، مثلما لدى الحكومات والمؤسسات والشركات التكنولوجية الغنية ما يجعلنا قادرين على منع أن تكون الصحافة جزءا من الماضي، تحت أي سبب كان.

مرة أخرى، يدور الجدل حول ما إذا كانت الصحافة التي لدينا أفضل من لا شيء. جوابي هو: بالتأكيد نعم، طالما أن المرء يذكر النجاح النسبي الذي حققته أثناء شهور كورونا برغم أزمتها الوجودية.

ولكي لا نخرج بمجرد أرقام عن عدد القراء الذين فضّلوا الصحف على غيرها لمعرفة دقة أخبار الوباء، علينا كصحافيين أن نعيد صناعة مفهوم مهنتنا وليس دق المسمار الأخير في نعشها، وعلى السياسيين أن يثقوا بكلامهم المعروف عندما يرددونه عن رياء أو قناعة، أن الصحافة تعمل على تقييم أداء الحكومات من أجل الحفاظ على حرية المجتمع وحقوقه.