'لازون' يدخل المناطق الحدودية للإضاءة على الفئات المهمشة

المخرج التونسي لسعد الدخيلي يتناول في فيلمه الروائي الطويل العديد من القضايا الاجتماعية الحارقة على غرار استغلال أوضاع الشباب الصعبة من أجل استقطابهم للأعمال المخالفة للقانون.

تونس - يطرح المخرج التونسي لسعد الدخيلي في فيلمه "لازون" (la zone) جزءا من واقع فئة اجتماعية مهمشة ممثلة في أبناء المناطق الحدودية والتي تعيش حالة من عدم الاستقرار النفسي والاجتماعي والاقتصادي بسبب الموقع الجغرافي الذي يلعب دورا هاما.

وتدور أحداث الفيلم الروائي الطويل على امتداد الساعة ونصف الساعة في المنطقة الحدودية من محافظة جندوبة هناك حيث "لا مكان للحلم"، على حد تعبير أحد أبطال العمل.

ويعتمد الفيلم أساسا على أسلوب الترميز بدءا بكنية الشخصيات الرئيسية وهي "الألماني" (أدى دوره الممثل بهرام علوي)، وهو شاب "منحرف" يعمل في تجارة الكحول المهربة وسبق أن تم ترحيله من ألمانيا، و"لينين" (أدى دوره علاء الدين شويرف)، وهو ضابط الشرطة الذي تسرق منه حبيبة "الألماني" مسدسه في غفلة منه في وسيلة نقل عمومية وبذلك تفقده الأداة التي ترمز إلى امتلاكه السلطة، ويكتشف المتابع لهذه الشخصية أنه شخص غير قادر حتى على اختيار توجهاته في الحياة بمعزل عما تسطره له والدته، وهي صفات شخصية تتناقض مع المرجعية التاريخية لاسم قائد الثورة البلشفية "فلاديمير لينين".

يقضي "لينين" مختلف أطوار الفيلم وهو يركض من مكان لأخر يبحث عن سلاحه، ومع كل خطوة يخطوها يبرز المخرج جانبا من هشاشة شخصيته.

وتحمل البطلة التي سرقت المسدس اسم "نور" (أدت الدور الممثلة أمل الجلالي)، في حين أنها تعيش في ظلام، تسعى لتغيير واقعها حتى ترى النور، ولها طموحات جارفة، لكن يصدمها الواقع بأن لا مجال في حياتها للحلم فهي تعمل في ظروف غير راضية عنها في مستشفى بالمنطقة، وتعيل والدها المقعد الذي لا يقوى حتى على الكلام.

وبالإضافة إلى رمزية الأسماء وظف المخرج ثنائية الضوء والظلام فأحداث الفيلم في أغلبها تدور في الظلام الذي يعكس حياة أبطال العمل وحتى المشاهد التي تم تصويرها في النهار تتسم باعتماد ضوء خافت، ويكون لون السماء رماديا، يعكس حالة الحزن التي تعيشها المنطقة، فهذا العمل الذي تدور أحداثه على مدى ثلاثة أيام لم يشهد أي شروق شمس.

واعتمد مخرج العمل كذلك على عنصر النار بما يحمل من دلالة تحيل على الدفء ولكن ألسنة اللهب ترمز أيضا إلى الخطر وإمكانية الاحتراق. كما وظف تقنيات التصوير ليبرز حالة عدم الاستقرار من خلال استخدام الكاميرا المتحركة والتركيز على اللقطات القريبة التي تركز على وجوه الشخصيات لتسبر أغوار نفسياتها..

كل هذه الرمزيات والثنائيات اعتمدت لتبين قضيتين أساسيتين هما السلطة والتهميش، فالفيلم يطرح مسائل مرتبطة أساسا بهذين المصطلحين، فبالنسبة إلى السلطة تطرق العمل إلى كيفية فرض سلطة القانون في سياق يسعى فيه البعض لترسيخ قانون السلطة. وهو ما يدفع إلى التساؤل حول من يمتلك السلطة؟ وكيف يمكن استغلالها إذا وضعت في أيدي الشخص "الخطأ"؟ وتتم الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال التطرق إلى جدلية القوة والسلطة والسلطة والمال وكيف يمكن أن يكون صاحب السلطة (رجل الأمن) فاقدا لسلطته.

أما مفهوم التهميش، فتم ربطه بانعدام الأمل وانسداد الآفاق في سياق اجتماعي واقتصادي صعب وفي ظل مسؤوليات كبرى ملقاة على عاتق الفرد لدرجة أنه لا يستطيع أن يطمح للارتقاء بوضعه وهو الحال بالنسبة إلى "نور".

ويتناول الفيلم العديد من القضايا الاجتماعية الحارقة على غرار "التهريب" وتحديدا تهريب المواد الكحولية واستغلال المارقين عن القانون من أصحاب النفوذ في بعض الأوساط الشعبية، للأوضاع الاجتماعية الصعبة للشباب من أجل استقطابهم للأعمال المخالفة للقانون، وكيف يمكن أن يتحول بعض الأفراد إلى مواطنين فوق القانون حين يمتلكون المال في حين يتحول رجال القانون إلى ذوات فاقدة للسلطة حين تكون أوضاعهم هشة.

سلط الفيلم الضوء أيضا على الأسرة بصفتها إحدى مؤسسات الضبط الاجتماعي، كما يقول بيار بورديو، وكيف يمكن أن تساهم في الدمار النفسي والاجتماعي للفرد فـ"لينين" لم يختر أن يكون شرطيا بل هو خيار والدته التي ساهمت في تكوين شخصية هشة بسبب العنف النفسي المتواصل الذي تسلطه عليه.

واختار المخرج الحوار بين الشخصيات أسلوبا لتبليغ جملة من الرسائل التي تعبر عن سكان المناطق الحدودية، فطرح من خلاله عدم قدرة هؤلاء على الحلم وكيف تتم صناعة سرديات الأبطال دون المساس بمصالح أصحاب السلطة وكيف يمكن أن تقود القوة صاحبها إلى الجنون وتخرج أسوأ ما في الذات البشرية.

لم يكتف لسعد الدخيلي بتصوير حالة التهميش التي يعيشها سكان العديد من المناطق الحدودية ومنها جندوبة بالشمال الغربي التونسي التي تم تصوير العمل فيها، حيث لم يفوت الفرصة ليوظف نهاية الفيلم من أجل تمرير رسائل مفادها أن الخروج عن القانون والحياد عن المبادئ يكلف صاحبه غاليا وأن التهريب عمل شبكي لا يرتبط بشخص في حد ذاته فحتى حين ألقي القبض على "المعلم" صاحب النفوذ وقائد العصابة، لم يوضع حد للجريمة، في إشارة إلى أن فرض سلطة القانون يظل عملا يوميا لا محيد عنه، من أجل مقاومة محاولات فرض قانون السلطة، تلك السلطة المستمدة من مخالفة القانون نفسه.

وتمّ عرض الفيلم وهو من إنتاج مشترك تونسي فرنسي ألماني، الاثنين، حصريا للصحفيين على أن يُعرض للجمهور العريض ضمن المسابقة الوطنية للأفلام الروائية الطويلة للدورة 35 لأيام قرطاج السينمائية في السابع عشر من ديسمبر/كانون الأول الجاري.

وستشهد الدورة الخامسة والثلاثون من أيام قرطاج السينمائية والتي تستمر حتى الحادي والعشرين من ديسمبر/كانون الأول الجاري عرض أكثر من 200 فيلم من حوالي عشرين دولة عربية وأفريقية.

وتتنافس الأفلام في أربع مسابقات رئيسية هي المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة (15 فيلما) والمسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية الطويلة (13 فيلما) والمسابقة الرسمية للأفلام الروائية القصيرة (17 فيلما)، إلى جانب المسابقة الرسمية للأفلام الوثائقية القصيرة، إلى جانب المسابقة الوطنية الخاصة بالأفلام التونسية والتي تضم 12 عملا سينمائيا هدفها تسليط الضوء على حيوية المشهد السينمائي في تونس.

وكان الرئيس الشرفي للمهرجان فريد بوغدير قال إن هذه الدورة تتضمن عددا قياسيا للأفلام التونسية المشاركة، ما دفع الهيئة المديرة لانتقاء 4 أفلام في مسابقة الأفلام الروائية الطويلة، علما وأن العدد القانوني للأفلام التونسية المسموح به في هذه المسابقة هو في حدود 3 أعمال.

وأضاف وفق وكالة تونس أفريقيا للأنباء أن كثافة الأفلام التونسية المسجّلة في هذه الدورة والبالغ عددها 99 فيلما حتّمت على هيئة المهرجان إحداث مسابقة وطنية تضمّ 12 فيلما، معربا عن أمله في أن تكون هذه البادرة مُستهلّا لمهرجان وطني خاص بالسينما التونسية يكون مستقلا عن أيام قرطاج السينمائية.