لا أراقب الصحافة العربية بنظارة سوداء


لست متشائما، كما لست بطرا في مطالبة صحافتنا العربية بأكثر مما متاح لها من سلطة واهنة. لذلك أعرض الأمثلة تلو الأمثلة من أجواء صحافية أعدّها مثالية للاستفادة منها، وهذا لا يعني أنني لا أرتدي غير نظارتي المناسبة.


القراء يستحقون لقطة واحدة وواضحة على الحقائق

كان عليّ أن ابتكر فكرة جديدة قبل الشروع بكتابة مقال جديد معني من جديد بما يمسّ وسائل الإعلام، لكنني تلقيت حزمة اتهامات على ما كتبته خلال الأسابيع الماضية، لا أشكك بنيتها، فأغلبها وصلت من زملاء مخلصين لجوهر فكرة “الصحافي”، تجمع بطريقة ما على أنني أرتدي نظارة سوداء في النظر إلى الصحافة العربية تحديدا!

من غير المفيد للقراء مناقشة الاتهامات التي لا جدوى منها غير العبث  والازدراء، لكن ثمة ما يستحق النقاش في فكرة النظر إلى الصحافة سواء بنظارة صافية مريحة كما أزعم، أو بسوداء كما يعتقد بعض الزملاء.

بالأمس استعان وزير الثقافة المغربي السابق محمد الأشعري، وهو شاعر وروائي مهّر الصحافة وراقب غرفها بدقة العارف، وكتب فيها وعليها ما يجعله مخلصا لها، بعبارة الكاتب الألماني كارل كلاوس عن “ضجيج الرداءة” ليتوصل إلى أننا فشلنا في إصلاح مكونات الصحافة المتمثلة بحرية التعبير والحق في المعلومة وحماية المصادر، ولم يكن الأشعري يرتدي نظارة سوداء وهو يتحدث عن إعلام “يغرق في صيغته التي يبدو أن لا شفاء منها” بعد أن فشل في تقديم صيغة تنافسية متحررة.

مع ذلك يرى الأشعري، مثلما نرى جميعا، بأن الصحافة تظل عامل تقدم سواء بما تثيره من قضايا أو ما يعترضها من متاعب أو بما تخوضه من معارك. لكننا لا يمكن أن نقبل الرداءة والنصوص الفارغة من الأفكار المبتكرة ونتخلى عن توقنا وحساسيتنا. هنا تكمن المسؤولية كما أرى، لأن الصحافيين اليوم أكثر عرضة للمساءلة بشأن دقة معلوماتهم، بفضل تسارع المعطيات على الإنترنت من قبل المواطن الصحافي واستقلاليته وحيويته في نشر الأخبار. فلا يمكن اختصار الثورة الرقمية في التغير التكنولوجي وحده، بل في تحول السلطة، وقدرة شبكة الإنترنت المفتوحة على أن تكون مساحة ضخمة للديمقراطية.

لم أرتد نظارة سوداء عندما وضعت من قبل قائمة عن خطوات فن الصحافة العربية في إيذاء النفس! في نشر أخبار وكالات الأنباء الحكومية كما هي، وليّ عنق الحقائق والاستهانة بوعي الجمهور في التحليل الإخباري المرافق لنشاطات الرئيس ووظيفته. الحشو غير المفيد من أجل تجنب الخبر الإشكالي المثير لمزيد من التساؤلات لدى القراء.

وعندما استعيد طبيعة الحراك داخل الصحف البريطانية وأعتبره مثالا جيدا، فلأنني أريد إيصال الأفكار المختلفة من الضفة الأخرى للقارئ العربي، وليس لمجرد تأثر شائع بها، مع أنني -في كل الأحوال- محظوظ  بقربي الدائم مما يحدث في الصحافة البريطانية، لكن تلك الصحافة أيضا لها ثغراتها وسقطت في مطبات، وارتكبت حماقات لم تحترم فيها عقل القارئ، والأهم من ذلك كانت تقرأ في مرات عديدة المشهد السياسي العربي بطريقة غير صحيحة، واختارت أن تكون هامشا لمصالح حكوماتها.

لكن، خذ مثلا التعريف المقترح للصحافي من قبل كاثرين فاينر رئيسة تحرير صحيفة الغارديان، المطالبة بترك الفكرة الكلاسيكية السائدة عنه، والإشارة بوضوح إلى معرفته التكنولوجية، وعدم الخجل من علاقته العدائية بالحكومة. فعندما ارتفع الحلم السياسي لجيرهارد شرويدر من أجل أن يكون المستشار الألماني، قال “أنا بحاجة إلى صحيفة بيلد يوم الأحد من أجل أن أتولى الحكم” ولم تقل الصحيفة الأكثر تداولا في ألمانيا، أنها بحاجة إلى شرويدر لتبقى أكثر تداولا.

دعونا نتفق على المساحة النسبية للحرية والاستقلالية الصحافية، فحتى صحيفة الغارديان البريطانية الممولة من مؤسسة خيرية تجد نفسها في أزمة مع استقلاليتها عندما يتعلق الأمر بتمويلها، وهذا ما جعلها تستنجد بالقراء الأوفياء لدعمها من أجل الاستمرار في ربط المجتمع بأفكار حرة ومستقلة، وعدم ترك الساحة للصحافة الحكومية والحزبية. ذلك ما أشار له الأشعري في محاضرته في وكالة الأنباء المغربية هذا الأسبوع بالقول “في كل الديمقراطيات لا توجد مكتسبات نهائية، وأن هناك دائما خطر التراجع إلى الوراء، والمتربصون بالديمقراطية موجودون في كل وقت وحين”.

سبق وأن استعاد الكاتب ديفيد اغناتيوس بجملة كان روبرت كايسر، المحرر في صحيفة واشنطن بوست قد أطلقها، من أجل تعريف علاقة الصحيفة بالقراء، بالقول إن “القراء يستحقون لقطة واحدة وواضحة على الحقائق” حتى يتمكنوا من تحديد من هم الرجال الصالحون ومن هم الأشرار. ولكن اغناتيوس يعتذر من نفسه ومن زملائه الصحافيين، وهو هنا لا يرتدي نظارة سوداء، بالقول “حتى في أفضل أيامنا، فإننا لا نفي دائما بهذا الاختبار العسير”.

وكين فيشر الرئيس المؤسس لشركة للاستثمارات في أوروبا، لا يرتدي نظارة سوداء أيضا وهو يستخلص، الدرس الكبير مما يسمّى حادثة الدمار التكنولوجي أو السياسي بالقول “عندما تصبح وسائل الإعلام مشغولة تماما ولا شأن لها سوى الحديث عن زاوية حديثة لا تشتمل على أي تحسين، سيكون من المحتمل جدا أن تكون هذه مرحلة عابرة قصيرة الأجل أكثر من كونها اتجاها عاما طويل الأجل”، لكنها للأسف مرحلة مستمرة في صحافتنا العربية، وهو أمر لا يمكن التواطؤ معه، على الأقل بالنسبة لصحافيين يمتلكون مساحة جيدة من حرية الكلام والمتابعة.

لست متشائما، كما لست بطرا في مطالبة صحافتنا العربية بأكثر مما متاح لها من سلطة واهنة. لذلك أعرض الأمثلة تلو الأمثلة من أجواء صحافية أعدّها مثالية في الحد الأدنى للاستفادة منها، وهذا في أي حال من الأحوال لا يعني أنني لا أرتدي غير نظارتي المناسبة.