لبنان على مفترق طريق مؤلم.. ماذا بعد استقالة الحكومة!

ضحايا كارثة انفجار مرفأ بيروت يرتفع إلى 171 ضحية وأكثر من ستة آلاف جريح حسب وزارة الصحة اللبنانية.


تشكيل الحكومة الجديدة ربما يستمر لأشهر طويلة


استقالة دياب لم تنجح في تخفيف غضب الشارع المطالب بمحاسبة الفاسدين


مبادرات فردية ومنظمات غير حكومية تساعد بيروت لنفض غبار الفاجعة

بيروت - انطلقت الثلاثاء مشاورات سياسية على مستويات عدة بهدف التوصل إلى تسمية رئيس حكومة جديد في لبنان بعد استقالة حكومة حسان دياب، على وقع غضب عارم في الشارع بعد أسبوع على انفجار ضخم عاث خراباً وخلّف دماء في بيروت، محولاً إياها عاصمة منكوبة.

ولم تشف الاستقالة التي وجد دياب نفسه مرغماً على تقديمها غليل المتظاهرين في الشارع الذين تضاف فاجعة الانفجار الدامي إلى معاناتهم الطويلة في ظل أسوأ انهيار اقتصادي في تاريخ بلادهم. ولم تسجل مظاهر احتفال بالاستقالة، في وقت استمرت المطالبة بإسقاط كل الطبقة السياسية.

وقدّم دياب استقالته الإثنين في كلمة تم بثّها عبر محطات التلفزة، معلناً أنه اتخذ ووزراؤه قرار الاحتكام إلى "الناس وإلى مطالبهم بمحاسبة المسؤولين عن الكارثة" التي ارتفع عدد ضحاياها الثلاثاء، إلى 171 ضحية، وفق ما أعلن وزير الصحة في الحكومة المستقيلة حمد حسن.

وغالبا يستغرق تشكيل الحكومات في لبنان، البلد الصغير الذي يقوم نظامه السياسي على المحاصصة الطائفية ومنطق التسويات، أسابيع وحتى أشهر.

ويتوقّع أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية هلال خشان "ألا تكون هناك حكومة لأشهر طويلة"، منبّهاً إلى أنّ "لبنان يقف على مفترق طريق مؤلم".

ولا يُعرف ما إذا كان حجم الكارثة وتبعاتها، وما تلاها من تعاطف ودعم دولي ومناشدات للإسراع في اتخاذ خطوات تريح الشعب، قد يدفع الفرقاء السياسيين هذه المرّة إلى تحمّل مسؤولياتهم أمام مواطنيهم.

وبدأت التكهنات باسم رئيس الحكومة المقبل.

وعنونت صحيفة "الأخبار" المقرّبة من حزب الله، صفحتها الأولى الثلاثاء "توافق فرنسي أميركي سعودي: حكومة 'محايدة' برئاسة نواف سلام".

وسلام دبلوماسي مخضرم، تولّى منصب سفير لبنان في الأمم المتحدة لسنوات، وهو قاض في محكمة العدل الدولية في لاهاي، سبق أن طرح اسمه بعد استقالة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري على وقع تحرّكات شعبية غاضبة في خريف 2019.

لكن يصعب الجزم في ما إذا كان هذا الطرح جديا اليوم.

وكان دياب كلّف في كانون الأول/ديسمبر 2019 تشكيل حكومة قدّمت على أنها حكومة من "التكنوقراط" و"المستقلين" مع مهمة "إنقاذ" لبنان. لكن الواقع أن التشكيلة الحكومية ولدت بدعم من طرف واحد هو حزب الله وحليفه تيار رئيس الجمهورية ميشال عون.

ومنذ اليوم الأول لتشكيلها وحتى استقالتها بعد سبعة أشهر، لم تتمكن الحكومة من اتخاذ قرار واحد "مستقل"، بل كانت خاضعة في كل القرارات الصغيرة والكبيرة من التعيينات الى المفاوضات الفاشلة حول الإنقاذ المالي مع صندوق النقد الدولي، للطرف السياسي الذي أتى بها.

في الشارع، لم يكن للاستقالة أي صدى، ونزل المتظاهرون بعد الإعلان، إلى وسط بيروت مصرّين على أن "المنظومة السياسية" المتهمة بالفساد والفشل يجب أن تحاسب بأكملها بعد كارثة المرفأ.

وقال المحامي حسين العشي، الناشط في التظاهرات "تفعل الطبقة الحاكمة كل ما يمكنها من أجل البقاء، تشتري الوقت"، معتبراً أن "الحكومة مجرّد أداة وسيحتفظون بمواقعهم".

وكتب المحامي الناشط أيضا عماد عمار على حسابه على فيسبوك "مغادرة دياب وحكومته كان ضرورياً... لكن من أتى بدياب ودفعه إلى المغادرة، ومن كانوا قبل دياب وهم أخطر بكثير منهم، ما زالوا في مواقعهم".

وأضاف "الثورة لا تنتصر ولا يلوح الأمل إلا عندما يرحلون ويحاسبون جميعاً، أي المنظومة كلها وتتغيّر ذهنية وتركيبة النظام الاقطاعي الطائفي التبعي الزبائني التحاصصي".

ولا زال اللبنانيون تحت وطأة صدمة الانفجار، فيما تتواصل عمليات البحث في أنقاذ المرفأ عن مفقودين.

في منزلها في بلدة قرطبا شمال شرق بيروت، تقول ريتا حتّي، وهي والدة أحد المفقودين "إياهم أن يظنوا أنهم عبر الاستقالة.. يسكتوننا، إياهم أن يظنوا أن بإمكانهم أن يضحكوا علينا بعد. أتكلم باسم كل الأمهات، أمهات كثيرات مفجوعات مثلي".

وتتابع بغضب "لا أعرف ماذا ينتظر الشعب ولما لا يتحرك ضدهم؟ لما لا يدخل إلى منازلهم ويسحبهم من أسرّتهم؟ ماذا ننتظر منهم؟".

قبل استقالتها، أحالت الحكومة قضية انفجار المرفأ إلى المجلس العدلي الذي ينظر في الجرائم الكبرى وتُعدّ أحكامه مبرمة وغير قابلة للاستئناف.

وكان القضاء أعلن توقيف أكثر من 20 شخصاً منذ الانفجار على ذمّة التحقيقات بينهم رئيس مجلس إدارة المرفأ والمدير العام للجمارك. واستجوبت النيابة العامة التمييزية الإثنين رئيس جهاز أمن الدولة اللواء طوني صليبا.

وأعلن الجيش اللبناني الثلاثاء تشكيل غرفة طوارئ تضمّ ممثلين عن الوزارات المعنية ومحافظة بيروت والهيئة العليا للإغاثة والصليب الأحمر والدفاع المدني، لتنسيق جهود الإغاثة.

وتتواصل عملية رفع الأنقاض من أحياء عدة في العاصمة بمبادرات فردية ومن ومنظمات غير حكومية. كما يقدم أفراد وجمعيات مساعدات للسكان الذين شرد الانفجار نحو 300 ألف منهم من منازلهم.

ووصلت إلى مرفأ بيروت الذي تحول ساحة خردة كبيرة، طائرة شحن تابعة لبرنامج الأغذية الدولية محملة بمولدات كهربائية ورافعات ومستلزمات تصنيع مخازن مؤقتة.

وقال المدير التنفيذي للبرنامج دايفيد بيزلي الذي يزور لبنان، خلال تفقده المرفأ، إنّ الهدف استعادة بعض الخدمات "خلال أسبوعين" لتوفير الإمدادات الغذائية اللازمة لبلد يستورد 85 في المئة من مواده الغذائية.

وحذّر بيزلي أنّه "في هذه المرحلة، لن يكون لدى اللبنانيين خبزا في غضون أسبوعين، لذا من الضروري إطلاق هذه العمليات".