لماذا لا نفوز بكأس العالم؟

فكرة حصد اللقب العالمي تتحول من حلم شبه مستحيل إلى واقع ممكن للمنتخبات العربية والأفريقية كالمغرب ومصر بفضل التخطيط والاحتراف.

عندما طرح المفكر المصري عبدالمنعم سعيد هذا السؤال عقب وصول منتخب مصر لكرة القدم إلى كأس العالم عام 1990، لم يتعامل معه أحد تقريبا بالجدية الكافية، ومنهم من نظر إليه بحسبانه على سبيل التسلية والعصف الذهني، مثل المستحيلات الثلاثة: الغول والعنقاء والخل الوفي، ويُضرب هذا المثل كدليل على صعوبة تحقيق الأمل.

بعد مضي حوالي ثلاثة عقود على مشاركة مصر في نسخة إيطاليا، بدا الأمل قريبا، ولم يعد طرح السؤال غريبا. حيث صعد منتخب المغرب إلى نصف نهائي في مونديال قطر عام 2022، وكاد أن يصل النهائي ويقترب من الفوز بكأس العالم.

أصبح منتخب أسود الأطلسي نموذجا في التصميم والإرادة والمهارة وتحويل المستحيل إلى واقع. إذاً يمكن لأي منتخب عربي تتوافر له الإمكانيات الرياضية والقدرات الفنية والخطيط السليم أن يصبح فريقا قويا ومنافسا في أكبر البطولات العالمية. إذ واصل المنتخب المغربي تألقه في النسختين التاليتين لبطولة الأمم الأفريقية، وظهر بشكل مشرف في بطولة كأس العالم الحالية، وقد يذهب فيها بعيدا عما حققه في المرة السابقة. يملك الفريق عددا من اللاعبين أصحاب الجودة العالية.

منح المنتخب المصري أملا لشريحة من المواطنين عقب تعادله مع منتخب بلجيكا، وفوزه على نيوزلندا، وتعادله مع إيران السبت، وصعوده إلى الدور الإقصائي. جاء الأمل من النتائج الإيجابية والفوز لأول مرة في هذه البطولة بعد ثلاث مشاركات في كأس العالم، ثم الصعود للدور التالي لأول مرة أيضا. فضلا عن الأداء الفني المشرف لغالبية اللاعبين، والذي أعاد الثقة في منتخب الفراعنة، بعد أن فاز بثلاث بطولات متتالية في مسابقة كأس الأمم الأفريقية. أعوام 2006، 2008، 2010.

لم يحقق أي فريق أفريقي هذا الإنجاز المثير من قبل. منذ آخر بطولة حصدها الفريق (2010) غاب المنتخب المصري قارياً عن منصات التتويج، صعد مرة واحدة لبطولة كأس العالم في روسيا عام 2018، وخسر مباراياته الثلاث في دور المجموعات أمام منتخبات أورجواي والسعودية وروسيا، وعاد خال الوفاض. تركت هذه البطولة انكسارا لدى معظم المصريين، خفف من وطأته تحويله كعادتهم إلى سخرية.

تجدّد الأمل في منافسات كأس العالم المقامة حاليا في: الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، لا يعني أن منتخب الفراعنة اقترب من الفوز بهذه البطولة. لكن يشير إلى أن المستحيل يمكن أن يصير سهلا.

فريق المغرب الذي ضرب مثلا رائعا في كأس العالم بالدوحة، ربما يسير منتخب الفراعنة على خطاه، إذا توافر له المزيد من الدعم المادي والمعنوي والإمكانيات والقدرات والمهارات الفنية.

هذه المعادلة لا تندرج ضمن المستحيلات الثلاثة. ففي صفوف الفراعنة ثلاثة لاعبين ينشطون في أهم ثلاثة فرق أوروبية، هم: محمد صلاح (ليفربول الإنكليزي)، عمر مرموش (مانشيستر سيتي الإسباني)، وحمزة عبدالكريم (برشلونة الإسباني). ناهيك عن لاعبين محليين جيدين. ومدير فني (حسام حسن) يعلم أهمية المشاركة والظهور بشكل مشرف وما تنطوي عليه من معاني وحوافز وانعكاسات وطنية، وسياسية أيضا.

قد يكون المقال الذي كتبه عبدالمنعم سعيد بعنوان: لماذا لا نفوز بكأس؟  تردد صداه وقتها حول تفسير أسباب التخلف الرياضي بمسحة عامة تتعلق بالطموح والقدرات الذاتية. ما نشاهده من نتائج في فعاليات كأس العالم، يفوق هذا المعنى. ما يحققه فوز منتخب عربي أو أفريقي على فريق عالمي كبير، تتجاوز مردوداته المضامين الرياضية. يخلق حالة من التلاحم الوطني، يساهم في زيادة الحديث عن الدولة ومقوماتها، وتجني الأنظمة الحاكمة مكاسب منه. عدد كبير منها يستفيد من الاندماج الوطني. منهم من يعتبر فوز منتخب بلاده نصرا له ولنظامه الحاكم.

هكذا يذوذ الإيرانيون عن أرضهم

لعل التعليق الذي كتبه رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف على صورة لتصدي حارس مرمى منتخب بلاده في مباراته أمام بلجيكا، يؤكد عمق التوظيف السياسي للمنافسات الرياضية، حيث غرّد، قائلا "هكذا يذوذ الإيرانيون عن أرضهم"، في إشارة واضحة للربط بين ما يدور على العشب الأخضر في الملاعب، وما يجري في الفضاء السياسي والأمني في المواجهة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران.

تخطت فكرة الفوز بكأس العالم، أو المشاركة المشرفة لكثير من الفرق الطامحة، البعد الرياضي والفني والاجتماعي والنفسي، ودخلت إراديا أو لا إراديا إلى منطقة جدلية خاصة بالسياسة ونواميسها. ما منح المسابقات عامة أهمية فائقة، باعتبارها من الأدوات التي يُحسب فيها الفوز أحيانا للأنظمة قبل اللاعبين والمدربين.

أنظر إلى الطريقة التي يستقبل بها رؤساء الدول والحكومات وكبار المسؤولين لأي فريق يحصل على بطولة أو يحقق إنجازا فريدا فيها، وأنت تعلم الأهمية المعنوية التي تمثلها. الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يعرف أن منتخب بلاده ليس منافسا قويا في هذه اللعبة تساءل في أحد المرات عن احتمال فوزه بكأس العالم.

قد يكون تلقى إجابة في شكل مجاملة رقيقة من رئيس "فيفا" إنفانتينو حول عدم استبعاد الفوز، لكن الرجل بدا منشرحا بهذه الإجابة. وكرر ترامب أكثر من مرة قدرة الولايات المتحدة على تنظيم بطولة جيدة، تتوافر لها مقومات تمنحها جاذبية استثنائية.

المهم أن الفوز والخسارة وجهان لعملة واحدة في الرياضة. إذا كان الأول يمنح الدولة مزايا كبيرة، فالثانية (الخسارة) يمكن أن تصبح وبالا بما يتجاوز حدود ما جرى في الملعب. خريطة كرة القدم دخلت عليها تحولات في السنوات الماضية، مع زيادة أعداد المحترفين العرب والأفارقة في دوريات أوروبية، والاهتمام بتنمية المهارات، والأخذ بسبل التقدم الرياضي- الفني. ولم تعد الدول الرائدة تتبوأ تلقائيا مكانة متقدمة. فقد انتبهت دول أخرى للمكاسب التي يمكن حصدها. ما جعل سؤال: لماذا لا نفوز بكأس العالم، لا يقتصر على المغرب أو مصر، أو غيرهما من الدول الأخرى.

ما حققه منتخب الرأس الأخضر، الدولة- الجزيرة الصغيرة الواقعة في عرض المحيط الأطلنطي، في أول مشاركة له ببطولة كأس العالم، صار حديث الناس في أنحاء الكرة الأرضية. إذ يمثل صعوده إلى الدور الإقصائي إنجازا بكل المقاييس. ليس رياضيا فحسب، بل سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وإعلاميا. هناك كثيرون أصبحوا يعرفون إسم حارس مرماهم (فوزينيا) ويتفاخرون به وإصراره ومثابرته، وقفز حسابه على انسغرام من 50 ألف متابع إلى أكثر من 12 مليون متابع في ليلة واحدة.

لم يعد تفكير أي منتخب يملك مهارات فنية ودوافع حقيقية للتقدم الرياضي، خجولا من سؤال: لماذا لا نفوز بكأس العالم؟ كان طرحه من جانب أي مفكر سياسي أو عالم اجتماعي أو ناقد رياضي عربي، يمثل حرجا وربما جرحا. لكن المستحيل بات ممكنا.