لمحة من تاريخ الرياضة السورية: حين يصبح الفشل الإداري حكَما
يتطلب النجاح الرياضي منظومة متكاملة من العوامل، لا سيما اكتشاف المواهب ورعايتها، وتعزيز البنية التحتية، وتأمين الكادر التدريبي المتخصص، وتقديم الدعم المالي. غير أن هذه العوامل مجتمعةً لن تُجدي نفعاً في غياب إدارة رياضية كفؤة ونزيهة، تضع الإنجاز الرياضي فوق أي اعتبار آخر.
أثبت الرياضي السوري في مناسبات عديدة قدرته على المنافسة والتألق على الساحات العربية والإقليمية والدولية، لكن هذه القدرة اصطدمت مراراً بجدار من القرارات الخاطئة، والتعيينات المبنية على الولاء لا الكفاءة، والإهمال المنهجي الذي أفضى إلى حرمان المنتخبات من نتائج كانت في متناولها.
تزوير الأعمار: بطولة كرة السلة العربية للشباب 1984
في البطولة العربية للشباب لكرة السلة عام 1984، حقق المنتخب السوري نتائج ميدانية جيدة، وكسب ثلاث مباريات، إلا أن المنتخب السعودي تقدّم إلى اللجنة الفنية للبطولة باعتراض موثّق بالوثائق والمستندات وأفلام الفيديو، يُثبت أن اللاعب السوري محمد سعيد كان قد شارك في البطولة الأولى قبل أربع سنوات تحت اسم محمد خليفة، أي أنه كان يُشارك فوق السن القانونية المسموح بها.
رفعت اللجنة الفنية توصياتها إلى الاتحاد العربي لكرة السلة بشطب نتائج المنتخب السوري واعتباره متذيلاً للترتيب العام، وهو ما أيّده الاتحاد العربي في قراره النهائي.
تكشف الحادثة عن قرار متعمد باستخدام اسم مزدوج للتحايل على أنظمة المنافسة. وهذا النوع من القرارات لا يصدر عن لاعب منفرد، بل يعكس ثقافة إدارية تُقدّم النتيجة العاجلة على حساب الالتزام والنزاهة، وتنتهي بعقوبة تمحو كل ما حققه الفريق على أرض الملعب.
انقطاع التيار الكهربائي: تصفيات كأس العالم 2006
في المباراة الثالثة من تصفيات كأس العالم 2006 أمام طاجكستان في الملعب البلدي بحمص، كان المنتخب السوري يتقدم بثلاثة أهداف لصفر حتى الدقيقة 68، حين قلّص خولماتوف الفارق، لكن الدقيقة 75 شهدت توقف المباراة فجأةً بسبب انقطاع التيار الكهربائي عن الملعب.
أفادت تقارير صحفية سورية وعربية صدرت حينها بأن التحقيقات أسفرت عن توجيه الاتهامات إلى 19 شخصاً، وأن سبب العطل كابل قديم مهترئ لم يُستبدل، إضافة إلى غياب أي كابل احتياطي للطوارئ. وقد أُحيل المتورطون إلى القضاء بتهمة الإهمال في تنفيذ مشروع إنارة الملعب وصيانته.
اكتفى الاتحاد الآسيوي بإعادة المباراة في اليوم التالي دون فرض عقوبات على الاتحاد السوري. لكن الحادثة تطرح سؤالاً جدياً حول استضافة مباراة رسمية في تصفيات كأس العالم دون التحقق من صلاحية منظومة الإنارة وتوفير بديل احتياطي، مما يعكس ثقافة إدارية تتجاهل التفاصيل التشغيلية حتى تتحول إلى كارثة.
السياسة أولاً: الألعاب العربية 2011
في سياق مغاير تماماً، أثرّت المواقف السياسية المتباينة بين النظام السابق والدول العربية على العديد من المشاركات السورية الخارجية في الألعاب والمسابقات المقامة على المستوى العربي، ولعل أبرزها غياب الرياضة السورية عن دورة الألعاب العربية عام 2011 في قطر، حيث أعلنت اللجنة الأولمبية السورية والاتحاد الرياضي العام انسحاب سوريا من البطولة احتجاجاً على قرار جامعة الدول العربية بتعليق عضويتها.
وجد الرياضي السوري، الذي استعد وأمضى سنوات في التدريب لتحقيق أفضل النتائج، نفسه فجأةً خارج المنافسة بقرار لم يكن طرفاً فيه. هذا النوع من الاندماج بين المؤسسة الرياضية والقرار السياسي هو بالضبط ما أعاق الرياضة السورية عن التطور، إذ تحوّل الرياضي من هدف إلى أداة.
لاعبهم في فريقنا: تصفيات كأس العالم 2014
في تصفيات كأس العالم 2014، وضعت القرعة المنتخب السوري في مجموعة تضم اليابان وكوريا الشمالية وأوزبكستان. غير أن الاتحاد الدولي لكرة القدم قرر استبعاد سوريا من التصفيات واحتسابها خاسرة في مباراتيها أمام طاجكستان بنتيجة 3-0، وذلك بعد ثبوت أن اللاعب جورج مراد سبق له تمثيل منتخب السويد الأولمبي، مما يحرمه قانونياً من المشاركة مع المنتخب السوري.
هذا الخطأ مطابق في جوهره لما حصل في البطولة العربية لكرة السلة 1984، من حيث إشراك لاعب غير مؤهل قانونياً. ثلاثون عاماً مرّت، وظل الخطأ نفسه يتكرر، في غياب منهجي لأبسط إجراءات التحقق من ملفات اللاعبين قبل أي مشاركة دولية، أو التذاكي على القوانين بحجج واهية على أمل ألا ينتبه أحد.
الحوادث الأربعة المذكورة تمتد على ثلاثة عقود، وتمسّ رياضات مختلفة، وتنشأ عن ظروف متباينة، لكنها تجتمع على خاسر واحد هو الرياضي السوري، في نمط متكرر بسمات واضحة تدل على تجاهل الأنظمة الدولية والتحايل عليها، أو غياب أدنى معايير الجاهزية التشغيلية، أو توظيف المؤسسة الرياضية في خدمة الحسابات السياسية، أو انعدام المحاسبة الذي يشجّع المخطئ على العَود، فمن أمن العقوبة أساء الأدب.
يبدأ إصلاح هذا الواقع من تحديد هوية وإمكانيات متخذ القرار، وكيفية اتخاذه، والاستغناء عن سياسة الولاء في التعيين على حساب الكفاءة، حتى يتسنى للمواهب السورية التعبير عن نفسها دون أن تضطر لدفع أثمان باهظة جرّاء أخطاء إدارية لا ناقة لها فيها ولا جمل.