لورانس فانين تتساءل: لماذا نتفلسف؟

الفلسفة تناقضُ الوهم ولا تقعُ في مطب مستنقعه إلا حينَ تتلبس أردية الآيدولوجيا.


الفلسفة هي العلم الوحيد من بين العلوم الذي يبقى حرًّا، لأنَّ غاية الفلسفة في ذاتها


الإقالة من التفكير والكد الذهني يعادلان الاستلاب لدى فانين

تضيعُ الأشياءُ خصائصها في الفوضى ولا يمكنُ تحديد مكوناتها إلا بشق الأنفس، لذا عندما يختلطُ الحابلُ بالنابل في الواقع يشكوُ الجميعُ من ضبابية الأمور والاستحالة في فهمِ ما يتحكمُ بالتحولات التي تلقي بظلالها على حياة الفرد وقد يكلفه ذلك السكينة النفسية والاستقامة في التفكير. إذاً إنَّ التنظيمَ هو ما ينشدهُ الإنسان لأنَّ الإدراك الصحيح للصورة يتطلبُ الوضوح في الرؤية والتمكن في معرفة عناصرها، وقد يبدو الحديثُ عن التخلص من التشنجات النفسية ضرباً من الأوهام في واقعٍ سادت فيه الفوضى المُختنقة. كما أنَّ البحث وراء وصفة لترتيب الأوراق المتناثرة ليس إلا عبثاً بالنظر إلى تفاقم الوضع على الأصعدة كافةً. 
لعلَّ ما قالهُ أمين معلوف حول التحدي الأكبر بالنسبة للإنسان المُعاصر يكشفُ عن حجم تفاقم الفوضى وانعدام البوصلة وهو يلفتُ النظر إلى مفارقة غريبة، لأول مرة في التاريخ تتوفر الوسائل الكفيلة لإنقاذ الجنس البشري من جميع الويلات التي تداهمه، للإنتقال به نحو عصر من الحرية والتقدم والتضامن الكوكبي والرخاء المشترك، لكن مع ذلك تنطلق السفينة بسرعة فائقة في الإتجاه المعاكس.
إذن بماذا تفيدنا الفلسفة والحضارة على وشك الغرق كما تنبأ صاحب "الهويات القاتلة"؟ 

philosophy
لماذا ثمة شيء بدلاً من لا شيء؟

بدايةً يجبُ الإشارة إلى بداهةٍ وهي أنَّ الفلسفة تناقضُ الوهم ولا تقعُ في مطب مستنقعه إلا حينَ تتلبس أردية الآيدولوجيا، فبالتالي أنَّ التضليل أو التسترَ على الحقائق ليس ضمن برنامج الفلسفة. بقدرِ ما تهدفُ إلى إثارة أسئلة بشأن إمكانية البديل، إذا كانت عملية إعادة ترتيب الأوضاع على المستوى العام تقعُ خارج مجال قدراتك ماذا يمكن أن تقدمه لنفسك؟ هل من الخيار لقطع الطريق على الفوضى الخارجية قبل أن تغزو رأسك؟ هل يمكن استقبال كل ما يأتيك دون تمحيصه؟ هل يصحُ الانسياق وراء المورث والمتعارف عليه والنمط السائد من التفكير؟ أين القدرة على الاختيار من كل ذلك؟ ما تتناولهُ الباحثة الفرنسية لورانس فانين في كتابها "لماذا نتفلسف؟ سبل الحرية" يفتحُ قوس النقاش حول دور الفلسفة بالنسبة للفرد. وما تضيفهُ المفاهيم الفلسفية إلى سلوكياتنا اليومية.
فضيلة الحرية
تسلكُ لورانس فانين منحي تطبيقياً في مناقشتها للمباديء الفلسفية راميةً من وراء ذلك إلى ردم الفجوة بين الحياة العامة وغايات النشاط العقلي. ومن المعلوم أنَّ هذا الاتجاه التطبيقي أصبح تياراً غالباً في التناول الفلسفي بحيثُ قد حل طب الفلاسفة مكان أَسرة المحلل النفسي. ولا يكونُ الجدلُ قائماً حول الفلسفة حتى يُثارُ السؤالُ بشأن غايتها إذ يتطرقُ محمد شوقي الزين في مقدمته للكتاب إلى هذا الموضوع مشيراً بهذا الصدد إلى نظرة أرسطو، فبرأي الأخير "أن هذا العلم أي الفلسفة هو الوحيد من بين العلوم الذي يبقى حرا، لأنَّ غاية الفلسفة في ذاتها". 
إذاً كما يقول شوقي الزين في تعقيبه على كلام أرسطو تتمثلُ غاية الفلسفة في تكوين الإنسان وضبط المفاهيم وتوفير ما يُمكنُ من قلع الأعشاب الضارة وتشذيب الأفكار من الأوهام التي تراكم الأزمات على أثرها وتعمق الانسدادات العقلية. عليه فأنَّ الفلسفة لا تنفصلُ عن مفهوم حرية الإرادة، والانشغال على الفلسفة حسب رأي نيتشه يعني الانشغال بتحرير النفس. يتقاطعُ منطوق كلام نيتشه مع النصيحة التي يسديها أبكتيتوس للمشتغل بالفلسفة "لا تقل إني مشتغل بالفلسفة فهذا غطرسة وتوقح بل قل إني مشتغل بتحرير نفسي". 
تتطلبُ ممارسة التفلسف انطلاق العقل حراً من دون التقيد بلائحة الوصي أو الركون إلى الكسل الناجم من رتابة المظاهر اليومية المُعادة. طبعاً يكمنُ التحدى الأكبر في تجديد العلاقة مع معطيات الحياة العادية وسط دوامةٍ مضنية من المحددات لذا تبدأُ لورانس فانين حلقات كتابها بالالتفات إلى موقع "السؤال" في رواق الفلسفة، وقد يكون التفكير في أصل الخليقة هو أكثر ما شغل عليه الفلاسفة خصوصاً بعد انفكاك النشاط الفلسفي من الأسطورة والخرافة. إذ تتوالى الأسئلة بشأنِ العالم والمكان الذي احتضن النواة الأولى للحياة، وما برح البشر يتساءلون منذ أن وجدوا أنفسهم "ملقون" إلى العالم عن المنشأ والمصير. هنا تذكرُ الكتابةُ عبارة لبينتز "لماذا ثمة شيء بدلاً من لا شيء" ملمحةً إلى أنَّ رؤية الإنسان للوجود قد شهدت نقلة نوعية عندما حل الخطاب العقلاني محل الأسطورة، وأصبح الأفق مفتوحاً لإمكانية التأويل الفيزيائي إلى أنْ تمخضت كل هذه التبدلات عن الحكمة العقلانية. ونجحت المساعي الفلسفية في تشكيل نموذج جديد وترى فانين بأنَّ ما سمي بالمعجزة اليونانية ليست وليدة استعمال العقل فحسب بل نتيجة لتغيير في النموذج ParadIgme وتزاحم الفلسفة للمعتقدات الدينية والأفكار الباطنية. 
وتشيرُ  فانين في هذا السياق إلى ما تكتسبهُ الفلسفةُ من الأهمية في العصر الذي يكتظُ بالمعلومات المزيفة، وظهرت فيه الأوثان الجديدة المال والنجاح العابر هذا ناهيك عن سطوة المظهر. كل ذلك يضيقُ الخناق على حرية التصرف والاختيار. والحال هذه لا يمكنُ إحداث الثغرة في هذا المناخ المُثخن بالمعرفة المعلبة دون العودة إلى الفلسفة وتوظيف مبادئها العملية لتحسين القدرة على التفكير "كيفما تكن طبيعة أفكارك المعتادة تكن طبيعة عقلك" إبكتيتوس إذنْ فإنّ التفكير الفلسفي هو قوام تتأسسُ عليه صحة العقل والنفس. وينهضُ بمستوى الإدراك والفهم كما يكسبك المرونة لانطلاقات جديدة والتحول في المنظور.
أفردت المؤلفة قسماً من الكتاب للحديث عن الدهشة الفلسفية وعملية استخلاص المعنى بناءً على المراس التأويلي، وتقعُ في هذا الإطار على مقتبسات الفلاسفة منهم بول ريكور الذي يرى بأنَّ الهيرمينوطيقا ينعقدُ عطاء المعنى بالرمز والمبادرة العقلية في الاستجلاء. وما يفهمُ برأي فانين هو فك خيوط التعقيد وتحديد مجموع القوانين التي تدبر الكون. ويربطُ شوبنهاور الحصول على الفكر الفلسفي بالقدرة على الاندهاش من الوقائع العادية وأشياء الحياة اليومية وهنا تلتقي الفلسفة بالفن والأدب.

القسمة العادلة
ما أنْ يدور الكلامُ حول العقل حتى يستدعي الذهن ما ذهب إليه ديكارتُ بأنَّ العقل هو أعدلُ قسمة بين الناس لذا تفتتحُ فانين القسم المخصص بالاستعمال السديد للعقل بمقتبس من "مقال في المنهج" فبرأي ديكارت أنَّ وجود العقل لا يكفي بل الأهم بالنسبة للمرء هو حسن الاستعمال. تعلقُ فانين على المبدأ الديكارتي بقولها "كل إنسان يملك عقلاً، لكن لا يحسن استعماله دائما إما لأنَّه لا يفكرُ كما ينبغي أن يفكرَ وإما لا يطبق فكره على الأشياء بشكل صحيح" لا تروق للكاتبة تصنيفات إشكالية للإنسان بوصفه كائناً أعلى أو أقل مكانةً قياساً على الروح المُطلق، بل تكتفي بالإشارة إلى ارتقاء الكائن البشري نحو مرتبة أكثر اكتمالاً بفضل العقل. فإنَّ الإقالة من التفكير والكد الذهني يعادلان الاستلاب لدى فانين. 
عطفاً على ما أسلفَ ذكره يضم الكتابُ محاورَ عن الشك باعتباره منطلقاً للتأمل والخروج من نفق الأفكار المُتهالكة. ويدرجُ مفهوم الاعتدال أيضاً ضمن رهانات الوعي الفلسفي إلى جانب النزاهة والحكمة، وتقومُ السعادة على هذه المباديء الثلاثة. تعالجُ الكاتبةُ المكون العاطفي والرغبة على ضوء آراء الفلاسفة لافتةً إلى أن الرغبة تعبرُ عن البعد غير المكتمل عند الإنسان وهي تجسد الحنين إلى ما لا نملكه أو لم نعد نملكه. ولا تنكرُ فانين بأن الرغبة هي طاقة محركة للحياة ومن الخطأ تجاهلها لكن يجبُ تحويلها إلى عنصر يشجع على إنجاز خياراتنا، بدلاً من انصرافها إلى الانفعالات الهدامة. 
لا يمكنُ التغافل عن فلسفة نيتشه عندما يتم البحث عن آلية للتواصل بين المنجز الفلسفي والحياة العملية إذ تتوقف الكاتبة في مفصل آخر من كتابها عند ضرورة التحول في حياة الإنسان مستمدةً أفكارها من فلسفة صاحب المطرقة. ومن المعروف أن نيتشه قد شنَ حملة لا هوادة فيها ضد القيم الزائفة مطالباً الإنسان بتحمل مسؤوليته وشجاعة الاعتراف بأخطائه دون أن يشعر بالخزي وإلا تفقد حكمته الاعتبارَ.
طبعا لا وجود للحقيقة دون خطأ على حد قول غاستون باشلار هكذا يضافُ ما قدمته فانين ضمن المساعي الهادفة إلى تطويع الفلسفة لاكتساب الطمأنينة بعيداً عن المظاهر والتعبد الشكلي لأنَّ التقوى - حسب رأي لوكريتيوس - تكمنُ في التأمل بروح هادئة بدلاً من تقديم القربان. لا تنحصر أهمية الفلسفة لمرحلة معينة في الحياة بل هي بمثابة دواءٍ لا تستنفدُ فعاليته في كل مراحل العمر.