ليالي نجيب محفوظ

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد المائة، كشف نجيب محفوظ عن العرض الذي قدمه المخرج حسن الإمام لعبدالحليم حافظ بأن يقوم بدور "عباس الحلو" في "زقاق المدق".


أم كلثوم: لقد أسعدني نجيب محفوظ برواياته وقصصه، وأرجو أن يسعد في خمسين عاما قادمة


لم تخل ليلة من جلسات نجيب محفوظ مع أصدقائه وزواره وبعض حرافيشه، إلا ويتحدثون فيها عن السياسة والأدب والفن والرياضة والتاريخ والعلوم


"الليالي" كانت بمثابة الصالون الأدبي الذي تنبع قيمته من قيمة صاحب الصالون الذي يمثل الشخصية المحورية فيه

وفي الليلة الثانية والعشرين بعد المائة، كشف نجيب محفوظ عن العرض الذي قدمه المخرج حسن الإمام لعبدالحليم حافظ بأن يقوم بدور "عباس الحلو" (المزين) في فيلم "زقاق المدق"، لكن العندليب رفض طبعا، لأن الدور لا يليق به وبنجوميته، فكيف سيستقبله محبوه وهو يؤدي دور الحلاق؟ وقد قام بدلا منه الفنان صلاح قابيل.
هكذا تمضي "ليالي نجيب محفوظ في شبرد"، وهو عنوان الكتاب الذي أعده الكاتب الصحفي إبراهيم عبدالعزيز، وصدر عن منشورات بتانة في جزئين وقعا في ألف وأربعمائة وأربع وستين صفحة.
ومن يقرأ ليالي نجيب محفوظ، يكتشف أنه يقرأ قِطعا أو فصولا من تاريخ مصر، وخاصة في عصورها الحديثة. فلم تخل ليلة من جلسات نجيب محفوظ مع أصدقائه وزواره وبعض حرافيشه، إلا ويتحدثون فيها عن السياسة والأدب والفن والرياضة والتاريخ والعلوم وكل ما يخطر على بال تلك المجموعة من البشر بمشاربها المختلفة، فهناك اليساري واليميني والوسطي، وهناك الناصري والساداتي والوفدي، وكان نجيب محفوظ بطبيعة الحال هو الوفدي القديم وقطب الجلسات الذي يسعى إليه الجميع من داخل مصر وخارجها، حتى بعض الإسرائيليين الذين لا يستطيع أن يرفض وجودهم في جلسات فندق شبرد وفندق سوفيتيل المعادي، اعتبارا من 5 يناير/كانون الثاني 2003 (الليلة الأولى) وحتى الليلة الأخيرة (الليلة الثانية والعشرون بعد المائة في 23 يوليو 2006) أي قبل أن تتوقف الجلسات لمرض القطب الأدبي نجيب محفوظ ودخوله المستشفى ثم وفاته في الأربعاء 30 أغسطس/آب 2006.
إن "الليالي" كانت بمثابة الصالون الأدبي الذي تنبع قيمته من قيمة صاحب الصالون الذي يمثل الشخصية المحورية فيه. وكان أشهر صالون أدبي هو صالون الأديبة مي زيادة، فقد كان يحضره كل الأدباء الكبار في مصر، لكن نجيب محفوظ يعترف في مقدمة "الليالي" أنه لم يحضره لأنه كان في الجيل السابق عليه. وكذلك لم يحضر صالون عباس العقاد نهائيا، لأنه كان يعيش في هذا الوقت منكمشا ومستغرقا في أعماله، ولم يكن يزور أحدا.

كم تمنى نجيب محفوظ أن يفوز أديب عربي آخر بجائزة نوبل، ليريحه من كثرة اللقاءات والحوارات والتصريحات في بعض المناسبات

ويوضح نجيب محفوظ في مقدمة "الليالي" أن صالوناته كلها مقاه عامة، وكل شخص من الحاضرين يقول ما يريد بغض النظر عن مركزه. وهو يحب هذا الشكل من الصالونات والمناقشات الأدبية.
وقد عني إبراهيم عبدالعزيز بتسجيل كل ما يدور من أحداث وكلمات وإشارات وهمسات تدور بين رواد الصالون وبين نجيب محفوظ، أو بينهم وبين بعضهم البعض. ففي كثير من الأحيان يعمد إلى تقديم تقرير واف بكل ما يحدث في الجلسات، وفي قليل من الأحيان كان يمر مرورا سريعا على وقائع الصالون. وكان نجيب محفوظ يعتمد عليه في نقل أخبار مصر والعالم، فالرجل ضعف نظره، وقلّ سمعه، فكان يعتمد على سماعة الأذن التي تلتقط له بعض المفردات التي تجلي المعنى وتنقل العبارة.
كتب إبراهيم عبدالعزيز مقدمة وقعت في 55 صفحة، كان لا بد منها لتهيئة الجو للدخول إلى "ليالي نجيب محفوظ" وعالمه الذي يوازي عالم الصحافة والإذاعة والتلفزيون والسينما، وتتعدد شخوص هذا الصالون فيحضره أعضاء مستديمون من أمثال د. فتحي هاشم، والمخرج السينمائي توفيق صالح، والمهندس محمد الكفراوي، ود. محمود الشنواني، والكاتب زكي سالم، والكاتب المسرحي علي سالم، والمترجم الأمريكي ريموند استوك، وحسين عبدالجواد، وفؤاد نعمان، وعزيزة اليازجي، وغيرهم، فضلا عن العابرين من أمثال الكاتبة صافيناز كاظم، والناقد الإسرائيلي سان سوميخ ود. ماجد الحاج، ومحمد سلماوي، وجمال الغيطاني، ويوسف القعيد، وكمال بولس، ود. سعدالدين إبراهيم، وغيرهم، بالإضافة إلى بعض الصحفيين ومندوبين من محطات إذاعية وتلفزيونية مختلفة.
وفي الكثير من الأحيان كان إبراهيم عبدالعزيز هو من يبدأ ضربة البداية فيسأل الأستاذ مثلا عن أم كلثوم .. من الذي كان سببا في شهرة الآخر أم كلثوم أم الشعراء الذين غنت لهم، فيجيب الأستاذ: أم كلثوم هي التي شهرت الشعراء ما عدا أحمد شوقي. فيسأله: هل لو لم يوجد القصبجي والسنباطي وأحمد رامي وأحمد شوقي ما استمتعنا بأغاني أم كلثوم؟ فيجيب: كان سيوجد شعراء وملحنون آخرون يستلموها لأنها صوت جميل من غير شك.
ويتذكر الأستاذ حفل عيد ميلاده الخمسين في الأهرام، قائلا: كانت إحدى المفاجآت السعيدة في حياتي التي أهدانيها الأستاذ محمد حسنين هيكل.
أراد صلاح جاهين الاحتفال بعيد ميلادي الخمسين، فقال لهيكل: خصصْ لنا ركنا في الأهرام نحتفل فيه بعيد ميلاد الأستاذ نجيب .. كازينو قصر النيل ضاق علينا. فقال هيكل لصلاح: نحن – أي الأهرام – سنحتفل بالأستاذ.
لم أصدق نفسي عندما أحضر لي هيكل مخصوص كوكب الشرق أم كلثوم والموسيقار محمد عبدالوهاب والفنانة فاتن حمامة، وحضر عيد ميلادي توفيق الحكيم، فضلا عن الحرافيش وكثير من أهل الأدب والفن، كان احتفالا هائلا ومبهجا حقا، ولم يتكرر. 
وأذكر أن الحكيم أهداني "طقطوقة" من فضة، وقال لي: هذه من حر مالي، لكن أجمل ما في تلك الليلة هو حضور أم كلثوم. جاءت إلي – أنا مخصوص – لتغني في يوم مولدي. وكانت المرة  الأولى التي أصافحها وألمس يدها.
زمان .. في السنوات الخوالي، كنت أذهب إلى حفلاتها (كسمّيع) قديم مفتون بفنها، وأشتري تذاكر الحضور، وأجلس وسط المستمعين. ولم أغير مقعدي في حفلاتها طوال حياتي.

قالت أم كلثوم في تلك الليلة كلمة قصيرة: لقد أسعدني نجيب محفوظ برواياته وقصصه، وأرجو أن يسعد في خمسين عاما قادمة.
اهتززت وانتقضت أرد على أم كلثوم بصوت هادئ مرتجف: إذا كانت كتاباتي قد أسعدتك أم كلثوم، فماذا يستطيع إنسان أن يفعل إزاء إحساسه بأنه أسعد مصدر سعادته. 
ويسأله إبراهيم عبدالعزيز: لماذا كان صلاح جاهين بالذات مهتما بالاحتفال بعيد ميلادك دون بقية الحرافيش؟ فيوضح الأستاذ: كان عندنا نظام في الحرافيش كلما أتى عيد ميلاد أحدنا نحتفل به، فلما جاء دوري قال لنا صلاح جاهين: سآتي لكم بمكان جيد، فراح كلم هيكل، وقال له: نريد أن نحتفل بعيد ميلاد نجيب محفوظ في الأهرام، فقال له: "أنا الذي سأقوم بهذا الاحتفال يا صلاح".
ولما استفسر إبراهيم عبدالعزيز عن القيمة الأدبية لصلاح جاهين؟ أخبره محفوظ بأنه عبقري، متعدد المواهب، وأهم ما فيه شاعريته كشاعر شعبي، وكرسام كاريكاتير ممتاز. أما تقييم محفوظ لعبدالرحمن الأبنودي، فقال عنه: شاعر لغة دارجة جيد جدا مثل صلاح جاهين، وقد عاد للشعر وفرحنا بعودته بعد أن كان قد توقف لانشغاله بالنثر الذي برع فيه. فسأله إبراهيم عبدالعزيز عن فؤاد حداد؟ فقال: سمعت عنه وقرأت له، وإن لم أدرسة دراسة كافية، وإن كان الذين تكلموا عنه يقولون إنه من ملوك الشعر. أما بيرم التونسي فيرى نجيب محفوظ أنه عبقرية لا تتكرر.
ويتذكر نجيب محفوظ لقاءه ببيرم التونسي قائلا: تعرفت على بيرم التونسي، هو فنان عبقري، وكنت متصورا أنه مثل زكريا أحمد في الضحك والفرفشة، طلع صامتا ومكتئبا، لا تخرج منه كلمة حلوة، وهو ما أكده يحيى حقي في كتابه "كناسة الدكان".
وتتعدد اللقاءات والحوارات ما بين نجيب محفوظ وضيوف صالونه ولياليه، فيتحدثون عن أزمة نادي القصة، ومولد النبي، وغضب صفية زعلول، ونهاية أميركا، وغياب الإصلاح، وعجائب الأحزاب، والغلاء، وكيف نقضي على الإرهاب؟ ومحاولات تشويه الإسلام، ولماذا لم يكتب نجيب محفوظ عملا عن فلسطين؟ ومكرم عبيد يقرأ الفاتحة للسيدة زينب، وحلم لم ينشره نجيب محفوظ، وأمريكا أجهضت الديمقراطية المصرية، وديمقراطية الإغريق، والعلاقة بين نجيب محفوظ ويوسف شاهين، وشخصيات المرايا، وترجمة الأحلام، وسعد زغلول والأخوان، وأم كلثوم والسادات، واسكندرية نجيب محفوظ، وحكايات خاصة مع أحمد زكي، وفي هذا يقول محفوظ:
أحمد زكي كان لطيفا جدا، جلس معي كثيرا ، ولاحظت أنه كان مضطربا. عندما كان يحدثني، كنت أرد عليه، فيمضي في حديثه كأنه لم يسمعني، وهو مستمر في رسم صورة الشخصية التي سيظهر بها في الفيلم الذي سيقوم بتمثيله.
كان يريد أن يعمل فيلما عني، ولكني اعتذرت، لأنني أعتقد أن شخصيتي لا تصنع فيلما. ثم أمسك أحمد زكي في الكبار؛ ناصر 56 وأيام السادات، وهما من أفلامه الخالدة.
إن "ليالي نجيب محفوظ" كانت ليالي ديمقراطية، فيها الرأي والرأي الآخر، وكان هناك دائما صوت المعارضة متمثلا في عضو حزب الوفد البارز محمد الكفراوي، مع أن نجيب محفوظ كان وفديا قديما، إلا أنه لم يوافق على آراء كثيرة للكفراوي، وفي الوقت نفسه لم تكن "الليلة" تحلو إلا باستعادة نجيب محفوظ قصيدة بيرم التونسي "مرمر زماني يا زماني مرمر" التي كتبهها في الملك فؤاد وكانت سببا في نفيه من مصر.
وكم تمنى نجيب محفوظ أن يفوز أديب عربي آخر بجائزة نوبل، ليريحه من كثرة اللقاءات والحوارات والتصريحات في بعض المناسبات لكونه الأديب العربي الوحيد الذي بجائزة نوبل حتى تاريخ وفاته، وحتى الآن.