مأرب... اختبار لادارة بايدن

سقوط مأرب بأيدي الحوثيين يستهدف إقامة كيان قابل للحياة في اليمن تحت السيطرة الإيرانية الكاملة.


في غياب موقف واضح من واشنطن حيال معركة مآرب، لا حاجة لمبعوث أميركي الى اليمن


حسن ايرلو الضابط في الحرس الثوري يتحكم بصنعاء وهو صاحب القرار النهائي


من يواجه ايران في العراق ليس اميركا بل الشعب العراقي بأكثريته

تفاوض ايران اميركا في فيينا وغير فيينا وتتابع، في الوقت ذاته، ممارسة الضغط في كلّ من العراق وسوريا ولبنان واليمن من منطلق انّ لديها أوراقا في الإقليم تستطيع من خلالها التأثير على اميركا وحلفائها في المنطقة. تستغلّ ايران وجود إدارة أميركية منشغلة بالوضع الداخلي في الولايات المتحدة وبالتحدّي الصيني كي تتابع سياسة تعتمد اساسا على فرض امر واقع في الشرق الأوسط والخليج.

قصفت ايران عبر احدى ميليشياتها المحلّية قاعدة عين الأسد في محافظة الانبار العراقيّة حيث معظم العسكريين الاميركيين الذين لا يزالون في العراق. تبدو الرسالة الايرانية واضحة. فحوى الرسالة أنّ "الجمهوريّة الاسلاميّة" في موقع قوّة وهي تفاوض من اجل رفع العقوبات الأميركية التي فرضتها إدارة ترامب ولا تفكّر في البحث في إعادة النظر في سلوكها في العراق وفي المنطقة. ليس ما يشير الى ان ايران مستعدّة للبحث في أي تراجع من نوعه في العراق الذي تعتبره الجائزة الكبرى التي نالتها في العام 2003 بعدما قررت إدارة جورج بوش الابن اجتياح هذا البلد المهمّ وتقديمه اليها على صحن من فضّة.

من يواجه ايران في العراق ليس اميركا التي بدت دائما على استعداد لعقد صفقة معها. وهذا ما حصل في عهد باراك أوباما وحتّى في عهد ترامب وان في حدود معيّنة بقيت في اطار هامش ضيّق. ما لبثت الإدارة السابقة ان تجاهلت هذا الهامش عندما اتخذت قرارا باغتيال قاسم سليماني، قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني وأبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" في العراق. اغتالتهما بعيد خروجهما من مطار بغداد مطلع العام 2020 وليس في أي مكان آخر. يظلّ "الحشد الشعبي"، الى اشعار آخر، أداة ايران في العراق. للمرّة الأولى، منذ سنوات عدّة، تجرّأت إدارة أميركية على المسّ بمصالح ايران في العراق بدل مراعاتها. كشفت إدارة ترامب ان ايران ليست سوى "نمر من ورق" وانّ مشكلة اميركا الدائمة منذ احتجاز الديبلوماسيين الاميركيين في طهران 444 يوما ابتداء من تشرين الثاني – نوفمبر 1979، تكمن في الاستسلام لرغبات "الجمهوريّة الاسلاميّة" وشهواتها.

تبيّن بالملموس ان من يواجه ايران في العراق هو الشعب العراقي باكثريتّه، بما في ذلك الشيعة العرب الذين يرفضون ان يكون بلدهم جرما يدور في الفلك الإيراني وان تكون ثروات العراق مستباحة من ايران. تتذرّع ايران بانّ من حقها الحصول على تعويضات عراقية بسبب حرب السنوات الثماني. تتجاهل انّه بغض النظر عن الطرف الذي بدأ تلك الحرب في العام 1980، يبقى ان ايران هي المسؤولة عن اطالتها وعن الخسائر التي لحقت بدول المنطقة كلّها...

يمكن وضع العراق وممارسات ايران فيه جانبا، كذلك ما تقوم به ايران في سوريا حيث هي الشريك الأساسي في الحرب التي يشنّها النظام الاقلّوي على الشعب السوري. كذلك، يحتاج الوجود الإيراني في لبنان، حيث تمارس "الجمهوريّة الاسلاميّة" وصاية كاملة على البلد وتدعم رئيسا للجمهورية يرفض تشكيل حكومة، الى مجلّد كامل. ما هو لافت حاليا ذلك التصلّب الإيراني في اليمن والهجمات المتتالية التي يشنّها الحوثيون على مأرب. لم يعد سرّا ان ايران تريد اسقاط مأرب فيما المفاوضات مستمرّة بينها وبين الاميركيين وذلك بهدف واضح. يتمثل هذا الهدف في إقامة كيان تابع لها كلّيا في شمال اليمن. قطع السفير الإيراني لدى الحوثيين حسين ايرلو الطريق على ايّ تسوية في اليمن بقوله مباشرة بعد المبادرة السعودية في آذار – مارس الماضي: "مبادرة السعوديّة مشروع حرب دائمة واستمرار للاحتلال ولجرائم الحرب وليست انهاء للحرب". وضع شروط "الجمهوريّة الاسلاميّة" لانهاء الحرب في اليمن بقوله في تغريدة له: " المبادرة الحقيقية تعني وقف الحرب بشكل كامل ورفع الحصار بشكل كامل وانهاء الاحتلال السعودي وسحب قواته العسكرية وعدم دعم المرتزقة والتكفيريين بالمال والاسلحة وحوار سياسي بين اليمنيين دون ايه تدخلات خارجيّة".

لم تحد ايران عن خط متابعة عدوانها على مأرب مستخدمة الحوثيين الذين يتبيّن كلّ يوم اكثر انّ قرارهم في طهران وليس في مكان آخر وذلك في ظلّ وجود إدارة أميركية متردّدة وحائرة. اكثر من ذلك، يتأكّد يوميا ان حسن ايرلو، وهو ضابط في "الحرس الثوري"، يتحكّم بصنعاء وانّه صاحب القرار النهائي فيها.

مرّة أخرى، ان معركة مأرب في غاية الاهمّية، خصوصا ان سقوطها يستهدف إقامة كيان قابل للحياة في اليمن تحت السيطرة الإيرانية الكاملة. ففي مأرب سدّ بناه الشيخ زايد بن سلطان، رحمه الله، وافتتح في العام 1986 وفيها نفط ومنها يضخّ الغاز الآتي من محافظة شبوة في اتجاه ميناء الحديدة. هناك خط للانابيب يربط مأرب بالحديدة منذ ايّام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح.

في ظلّ الظروف الراهنة والجهود التي يبذلها المبعوث الأميركي الى اليمن تيموثي ليندركينغ، تواجه إدارة جو بايدن اختبارا حقيقيا. اسم هذا الاختبار مأرب التي يتهددها الحوثيون الذين تقف وراءهم ايران.

تطرح قضيّة مأرب سلسلة من الأسئلة اولّها هل ترضخ إدارة بايدن لإيران ام لا وهل تقبل التفاوض معها في ظلّ الضغوط التي تمارسها في كلّ من العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ الاهمّ من ذلك كلّه سيتبيّن قريبا وفي ضوء ما سيحل بمأرب هل إدارة جو بايدن هي بمثابة الولاية الثالثة لباراك أوباما ام لا؟

ما يفترض ان يبقى عالقا في ذهن المسؤولين الاميركيين انّ باراك أوباما استسلم امام ايران خارج ايران. استسلم امام ايران في سوريا حيث تحدّث في العام 2013 عن "خط احمر" ليس مسموحا للنظام تجاوزه هو الأسلحة الكيميائية. استخدم النظام السلاح الكيميائي في حربه على السوريين. كانت النتيجة ان أوباما صار يرى كل الألوان في العالم باستثناء اللون الأحمر الذي نسي انّه موجود!

في غياب موقف أميركي واضح من الهجمات الحوثيّة، أي الايرانيّة، على مآرب، لن تعود حاجة الى مبعوث أميركي الى اليمن. فقبل الاهتمام الأميركي باليمن والتركيز على ضرورة وقف الحرب، من المفيد توفير نوع من الصدقيّة للمبعوث الذي لم يكن بعيدا عن مبادرة السلام السعوديّة التي رفضها الحوثيون وما زالوا يرفضونها لاسباب إيرانية وليس لاسباب أخرى.