ماجدة صلاح تدرس المأساة الفلسطينية في روايات فحماوي

روايات فحماوي لا تخلو من بعدها الإنساني والمادة التاريخية ببعديها الفلسفي والثقافي الأقرب إلى الملحمة السردية.


جهد نقدي عميق وإسقاط للمرارة والحياة القاسية التي صورها الروائي في رواياته


بالإنزياح تمكن الروائي أن يسقط مرارة العيش والحياة القاسية على الشارع

بقلم: عمر أبو الهيجاء

يعد القاص والروائي صبحي فحماوي من الأسماء الإبداعية التي استطاعت أن تقدم للمشهد الثقافي العربي العديد من الأعمال الروائية والقصصية والمسرحية التي أغنت المكتبة العربية. 
روائي قنّاص للحياة الاجتماعية في كافة مناحي الحياة في الداخل الفلسطيني ومخيمات الشتات، روائي جوّال جال العالمين العربي والغربي ليرفدنا برؤيته الروائية الخلاّقة التي عكست مضامينها حياة الترحال والمنافي، هذا إلى جانب رسمها صورة بانورامية للمكان الأردني والفلسطيني.
لا تخلو روايات فحماوي من بعدها الإنساني والمادة التاريخية ببعديها الفلسفي والثقافي الأقرب إلى الملحمة السردية التي لها طابعها الخاص في السرد والبناء الحكائي المتقن، هذا إن دلّ على شيء إنما يدل على الثقافة الواسعة والموسوعية لدى الروائي الذي يحتاج إلى قراءات نقدية متعددة لسبر أغوار تجربته الإبداعية والوقوف على مضامينها الإنسانية والقومية والحيوات التي تنقل فيها الروائي عبر شخوصها الخارجين من واقعنا المأزوم.
أردت من هذه المقدمة أن ألج دفتي الكتاب الصادر حديثا عن دار وائل للنشر والتوزيع بعنوان: "المأساة الفلسطينية.. في روايات صبحي فحماوي" للناقدة الدكتورة ماجدة صلاح، حيث درست الناقدة حضور المأساة الفلسطينية في روايات فحماوي وأشكال المأساة من النكبة والمعاناة والتهجير وبيوت الصفيح وغزة والحصار وكذلك عاينت بذائقتها النقدية والفنية اللافتة وصف الاحتلال والقمع الصهيوني وهدم البيوت والإغتيالات وأيضا القمع العربي والدولي. كما تطرقت بالبحث والنقد الجاد للتصوير الفني للمأساة الفلسطينية، والسخرية اللاذعة التي تتميز بها روايات وقصص فحماوي.
الناقدة د. ماجدة صلاح لم تأل جهدا في الكشف عن جماليات السرد الروائي في أعمال فحماوي فتأملت السخرية في الشخصيات والفنتازيا والعجائبية واللغة الموحية والمعبرة التي استخدامها الروائي في الحوارات والتقنيات المستخدمة لخدمة السرد، السرد الذي لا يخلو من اللغة الشعرية وجمالياتها. 
وبيّنت د. صلاح كيف استخدم الروائي فحماوي الفلاش باك في سبك الأحدات واسترجاعها واستخدامات التناصات الدينية وعملية الإقتباس وتوظيف ذلك لإعطاء الأبعاد الفكرية والدلالية والفنية لخدمة المسرود.
في "المأساة الفلسطينية.. في روايات صبحي فحماوي"، جهد فكري ورؤية تجاه الأشياء المحسوسة تجلّت في القراءة النقدية الأكثر تميزا التي لم تترك شاردة أو واردة في أعمال فحماوي الإبداعية، حسب د. صلاح، حيث تنقلت بنا إلى فضاءات ومساحات ذات أبعاد سياسية ووطنية وشعبية استقتها من مخيلة الروائي فحماوي وكشف عنها عبر تجلياتها النقدية والبحثية لتقف على قنوات شقها لنا فحماوي في رواياته من مثل: وعد بلفور المشؤوم وعملية ميونيخ وحصار كنسية المهد واتفاق أوسلو .. الخ.
هذا إلى اشتغالها النقدي المنفتح على مدارس نقدية جمالية على الأمثال الشعبية والأغاني الشعبية التي تم توظيفها بحيث لا تخرج عن مسارها الذي رسمه الروائي لشخصيات رواياته، هذا التوظيف الأكثر إتقانا جاء لخدمة السرد حيث يجد القاريء التناغم في السرد ليضعنا كمتلقين في عنصر الدهشة والصدمة.
ولا بد هنا، من الوقوف على بعض الإشارات الناقدة التي شخصتها د. صلاح وألمحت إليها في كتابها فتشير إلى أن الصورة قد لعبت في روايات فحماوي دورا مركزيا مهما، إذ نهضت بوظائف مختلفة وأشكال متعددة، فجاءت مرتبطة بموضوع الرواية الرئيس ومحورها، إذ تمكن الروائي من خلق صور تقوم بمهمة الكشف عن التحوّل الفظيع الذي عاشه الفلسطيني من جوانب الحياة المختلفة.
ونؤكد هنا، أنه بالإنزياح تمكن الروائي صبحي فحماوي أن يسقط مرارة العيش والحياة القاسية على الشارع الذي صار يحس ويئن متأثرا بمأساة العابرين والمقيمين.
 وتضيف د. ماجدة صلاح في معاينتها لتصوير عنصر الإرهاب الصهيوني حيث عمد الروائي إلى الصور الفنية لتصوير المشاهد المؤلمة التي عاشها الفلسطيني على يد جنود الاحتلال الذي لم يستثن أحدا من أذاه ووحشيته.
ورأت الناقدة في كتابها أن السخرية التي امتازت بها أسماء شخصيات وأماكن فحماوي الروائية، قد اختارها الروائي عن قصدية تامة وبمهارة تجعل من هذه الأسماء علامات لها دلالات معينة، فالروائي يسعى وهو يضع الأسماء لشخصياته أن تكون مناسبة ومنسجمة بحيث تحقق للنص مقروئيته وللشخصية احتماليتها ووجودها لأن الأسم الشخصي علامة لغوية بامتياز وفيه التنوع والاختلاف.
وقد تميزت أعمال الروائي فحماوي بعنصر اللغة الذي يعد علامة فارقة، حيث تبيّن د. صلاح بأن الروائي اعتمد على تعدد الاصوات في رواياته، فتعددت مستويات التعبير اللغوي، وتفاوتت شحناتها الإيحائية وطاقاتها الدلالية فلامست الواقع ذلك، من هنا، نستطيع القول بأن تعددية اللغة السردية وتنوع مستوياتها تكسب العمل السردي انفتاحا على الأصوات الحياتبة كافة، فثمة تقنيات استخدمها فحماوي في رواياته حيث استخدم الأغاني الشعبية والثورية الوطنية والمقاومة على وجه الخصوص، حسب تعبير المؤلفة فكانت هذه الأغاني حاضرة في غالبية أعماله الروائية.
بقي أن نشير هنا إلى أن الناقدة د. ماجدة صلاح كان مصدر دراستها النقدية من مؤلفات روائية لصبحي فحماوي، الروايات: «عذبة»، «حرمتان ومحرم»، «قصة عشق كنعانية»، «سروال بلقيس»، «الأرملة السوداء»، «الإسكندرية 2050»،  «على باب الهوى»، «الحب في زمن العولمة»، «صديقتي اليهودية»، و«قاع البلد». 
وأخلص إلى القول: إن صبحي فحماوي روائي أخلص لعمله الروائي، والمطلع على نتاجه الإبداعي يلحظ أنه يشتبك مع الواقع المعيش هذا الواقع المأزوم، فنجد أن معظم شخصياته من هذا الواقع المرير، يُلبس هذه الشخصيات عباءة الواقع المغبر والمسكون بالمعاناة والتشظي، فحماوي روائي يسافر بك في عوالم مختلفة يطرح فيها الأسئلة العميقة ولا تخلو أعماله من رسائل إنسانية، هذه الرسائل تُعري الواقع وتستقرىء دواخلنا جميعا بذائقة فنية إبداعية فذة مؤرخة لنضالات شعب لم يزل يقاوم قباحة المحتل وتواطؤ العالم؛ يقاومه بالجمال والإبداع.